رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

الانطلاق نحو بناء جديد

6-7-2026 | 00:43

عمرو سهل

طباعة
عمرو سهل

لا تبدو الكلمات في خطاب الرئيس السيسي خلال افتتاح مقر القيادة الاستراتيجية بالعاصمة الجديدة مجرد إعلان عن قرارات جديدة بل بدت كمحاولة لرسم رواية كاملة عن مسار دولة مرت بمنعطفات قاسية وتحاول أن تقدم تفسيرا لما حدث وما دفعته من أثمان وما تطمح إليه في المرحلة المقبلة فهو خطاب يجمع بين استدعاء الذاكرة وتقديم المراجعة ورسم ملامح المستقبل واضعا المواطن في قلب هذه المعادلة حيث انطلق الخطاب من الاعتراف بأن المصريين تحملوا أعباء اقتصادية ومعيشية ثقيلة خلال السنوات الماضية وأن تحسين مستوى الحياة يظل الهدف الأهم للدولة.

وهذه البداية تحمل بعدا إنسانيا مهما لأنها لا تبدأ بالأرقام أو المشروعات وإنما تبدأ بالإنسان الذي عاش سنوات من الضغوط في محاولة لربط القرارات الحكومية باحتياجاته اليومية والتأكيد على أن الإصلاح الاقتصادي لا ينبغي أن يكون غاية في ذاته بل وسيلة لرفع جودة حياة المواطنين  لكن اللافت أن الخطاب لا يفصل بين الاقتصاد والسياسة والأمن بل يربطها جميعا بسلسلة واحدة بدأت منذ أحداث عام 2011 فالرؤية المطروحة ترى أن ما شهدته البلاد آنذاك لم يكن مجرد حراك سياسي بل لحظة كادت فيها مؤسسات الدولة أن تفقد قدرتها على العمل تحت ضغط الشارع وهو ما استدعى إعادة التفكير في شكل الدولة نفسها وصولا إلى إنشاء العاصمة الجديدة باعتبارها ضمانة لعدم تكرار سيناريو تعطيل مؤسسات الحكم.

وهنا يتحول الحديث من سرد الوقائع إلى قراءة للتاريخ القريب إذ يربط بين أحداث 2011 وثورة 30 يونيو والحرب على الإرهاب باعتبارها حلقات متصلة في معركة واحدة هدفها الحفاظ على الدولة المصرية ويقدم هذا المسار بوصفه تجربة دفعت مصر خلالها تكلفة باهظة سواء اقتصاديا أو أمنيا أو بشريا مستشهدا بالخسائر الاقتصادية وارتفاع سعر الدولار وسنوات المواجهة مع التنظيمات الإرهابية التي سقط خلالها مئات الشهداء من القوات المسلحة والشرطة والقضاء إلى جانب استهداف دور العبادة الإسلامية والمسيحية.

وفي المقابل طرحت فكرة أن المستقبل لا ينبغي أن يبقى أسيرا لهذه الذاكرة بل يجب أن ينطلق منها لبناء مرحلة جديدة لذلك جاءت حزمة التوجيهات الرئاسية وكأنها خريطة طريق لما بعد الإصلاح الاقتصادي بدءا من توسيع الحوار الإعلامي وتنشيط الحياة الحزبية والاستعداد لانتخابات المجالس المحلية وصولا إلى إعداد برنامج اقتصادي مصري خالص وتعزيز دور القطاع الخاص ومكافحة الفساد وتطوير التعليم وإعادة هيكلة جهاز المشروعات الصغيرة والمتوسطة ورغم تنوع هذه الملفات.

فإن الخيط الذي يجمعها هو محاولة الانتقال من إدارة الأزمات إلى إدارة التنمية فالرسالة الأساسية تقول إن الحفاظ على الدولة كان أولوية المرحلة السابقة أما بناء اقتصاد أكثر قدرة على النمو وإدارة أكثر كفاءة ومجتمع أكثر مشاركة فهي أولويات المرحلة المقبلة ومن أكثر الرسائل حضورا في الخطاب الدعوة إلى مصارحة المواطنين إذ تتكرر الإشارة إلى أهمية التواصل المباشر وتقديم المعلومات الصحيحة وفتح المجال للنقاش الموضوعي باعتبار أن الثقة بين الدولة والمجتمع لا تبنى فقط عبر الإنجازات وإنما أيضا عبر الشفافية ووضوح الحقائق خاصة في ظل عالم تتسارع فيه الشائعات وتتداخل فيه مصادر المعلومات.

ولا يغيب البعد الإيماني عن الخطاب الذي يرجع حماية مصر إلى عناية الله مع التأكيد في الوقت نفسه على ضرورة الأخذ بالأسباب والعمل والإخلاص فالدعاء الذي يختم به الكلمة ليس مجرد خاتمة تقليدية بل امتداد للرؤية التي تعتبر أن الإيمان والعمل معا هما الضمانة لعبور التحديات وأن حفظ الأوطان مسئولية مشتركة بين القيادة والمؤسسات والمواطنين ليقدم الرئيس السيسي قراءة متكاملة لخمسة عشر عاما من تاريخ مصر الحديث تنظر إلى الماضي باعتباره مصدرا للدروس وإلى الحاضر باعتباره مرحلة مراجعة وإلى المستقبل باعتباره اختبارا لقدرة الدولة على تحويل الاستقرار إلى تنمية يشعر بها المواطن في حياته اليومية وبين استدعاء الذاكرة الوطنية وعرض أولويات الإصلاح وتأكيد أهمية المشاركة والشفافية يحاول الخطاب أن يرسخ فكرة أن بناء الدول لا يتحقق فقط بالمشروعات الكبرى بل أيضا بالحفاظ على الوعي وتعزيز الثقة واستمرار العمل المشترك من أجل مستقبل أكثر استقرارا وازدهارا.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة