تطورت فلسفة المرأة من كونها موضوعًا للتأمل الفلسفي الذكوري عبر العصور، من أرسطو إلى نيتشه، حتى أصبحت ذاتًا فاعلة وشريكة في صياغة مفاهيم الحياة، خاصة مع بزوغ ما يعرف بمصطلح الفلسفة النسوية، وتفكيك الأسطورة الذكورية، وإثبات الكفاءة الوجودية والبيولوجية والسياسية للمرأة كإنسان كامل الأهلية في فكر سيمون دي بوفوار، التي دعت إلى خروج المرأة من دور “الذات السلبية” إلى “الذات الفاعلة”.
اعتبر أرسطو أن المرأة أقل شأنًا من الرجل، وأنها المحكوم لا الحاكم، وحصر سقراط دورها في الحياة في إنجاب الأجساد، وانتقص كل من جان جاك روسو وكانط من قدرات المرأة العقلية، وعدّاها كائنًا عاطفيًا خُلق من أجل إشباع غريزة الرجل، وتحمل رؤية نيتشه نحوها تناقضًا كبيرًا بين إعجابه بالمرأة القوية ككائن فطري، وازدرائه للمرأة الساعية إلى التحرر والمساواة.
ما جعلني أتساءل: هل ابتعدت فلسفة المرأة في فكر وأدب العقاد عن هؤلاء الفلاسفة عبر العصور؟
قد تتقاطع آراء العقاد مع آراء هؤلاء الفلاسفة، وقد تتعارض، لكن تظل علاقته بالمرأة يشوبها الكثير من التعقيد والجدل، سواء في منتجه الأدبي أو الفكري، أم في حياته الخاصة. تبنى العقاد نظرة تحليلية دقيقة، غالبًا ما وُصفت بالسلبية أو التحيز ضد المرأة، حيث يرى أن دورها الأساسي هو الحفاظ على الحياة، بينما دور الرجل هو تطويرها. واعتمد في منهجه على مقارنة الصفات الجسدية والنفسية، معتبرًا الرجل كائنًا أخلاقيًا مبدعًا، بينما المرأة كائن طبيعي خاضع للبيئة، وأفعالها أقرب إلى العادات والغرائز، وأن شعورها بالجمال محدود، ويندر أن تبدع في الفنون، حتى في المجالات التقليدية الخاصة بها مثل الطهي والتجميل. ويرى أن العبقرية صفة رجالية تتطلب قدرة عالية على التجرد والانفصال عن الذات، وهو ما يجده صعبًا على المرأة، إذ هي دائمًا مرتبطة بالمحسوس والعاطفي، رغم عدم إنكاره وجود نساء نابغات. فعقل المرأة عملي يهتم بكل ما هو مفيد لبيتها وأطفالها، وعقل الرجل نظري يميل إلى الأنظمة الفلسفية والسياسية، وأن دخولها معترك السياسة أو الفلسفة التجريدية لا يتسق مع طبيعتها.
تبلورت فلسفة المرأة لدى العقاد في عدد من كتبه الفكرية: "هذه الشجرة"، الذي يحمل رؤية فلسفية للوجود والأنوثة، و"المرأة في القرآن" عن الحقوق التي منحها الإسلام للمرأة، و"المرأة ذلك اللغز"، وهو الكتاب الذي أعده عامر العقاد عام 1970، أي بعد رحيل العقاد بست سنوات، ويتكون من عشرين مقالة للعقاد حول المرأة، نشر معظمها في الصحف والمجلات، ومنها مجلة الهلال العريقة، ويعد هذا الكتاب دراسة تحليلية وفلسفية تحاول فهم طبيعة المرأة النفسية والاجتماعية عبر العصور، وأيضًا روايته اليتيمة "سارة"، وهي رواية تجنح نحو التحليل السيكولوجي للمرأة، إضافة إلى بعض أشعاره.
في كتابه "هذه الشجرة"، الذي اقتنيته في مرحلة مبكرة، وافتتنت بأفكاره وأسلوب عرضها ولغته، يقدم العقاد دراسة تحليلية سيكولوجية وفلسفية لشخصية المرأة وطبائعها عبر التاريخ البشري منذ بدء الخلق، إذ يرى أنها كائن غامض ومتناقض، يميل إلى التمرد والممنوع، ويجمع بين الضعف والإغراء، مستلهمًا قصة حواء، إذ يربط بين حواء وقصة الشجرة وطبيعة المرأة، وميلها إلى لذة العصيان والفضول، وأن غوايتها لآدم هي نموذج للعلاقة بين الرجل والمرأة، في محاولة منه لفهم دورها وتكوينها النفسي والجسماني أو التشريحي.
ويعد كتابه "المرأة في القرآن" دراسة فكرية تحليلية تهدف إلى إلقاء الضوء على مكانة المرأة وحقوقها التي كفلها القرآن، ويتصدى للأفكار النمطية والتأويلات السطحية التي شوهت فهم دور المرأة في الإسلام، ويفند بحجج عقلانية هذه التصورات الخاطئة التي ترسخت عبر العصور، حيث أعطى الإسلام المرأة مكانة لم تحظَ بها في الحضارات السابقة وعادات وتقاليد الشعوب الأخرى.
ويبرز العقاد في الكتاب عدة نقاط وقضايا، على رأسها قضية المساواة، إذ ساوى القرآن بين الرجل والمرأة في القيمة الإنسانية والروحية، وفي الجزاء والثواب، والحقوق الأساسية مثل التعليم والعمل، والذمة المالية، وحقها في التملك والتعاقد والبيع والشراء، وأن الحياة تسير بين الرجل والمرأة على سنة التعاون والتقسيم، لا على سنة الشقاق والخلاف على المطالب والحقوق والواجبات، وأنهما ليسا في مقام خصومة وتناحر، بل في مقام تكامل وتعاون.
ويضيف العقاد: "لا جدال في استطاعة الرجل أن يعمل ما تعمله المرأة من تكاليف البيت والأسرة، ولكنه لا يُقضى عليه من أجل ذلك أن يدع الحياة العامة، ليحل في البيت حيث حلت المرأة من قديم الزمن، ولا جدال في استطاعة المرأة أن تشارك الرجل في الحياة العامة، ولكنها لا تتخلى عن البيت من أجل ذلك التزاحم على جميع أعماله، مما يستطيعانه على السواء، وإذا قضى اختلاف الجنسين أن يكون لكل منهما عمله الذي هو أصلح له وأقدر عليه، فالجدال في ذلك محال ذاهب في الهواء".
وثاني هذه النقاط: التكوين الطبيعي والنفسي، إذ تختلف المرأة عن الرجل اختلافًا وظيفيًا، فدورها الأساسي هو الحفاظ على الحياة، بينما دور الرجل هو تطوير الحياة، أي العمل والإنتاج. ثم تكلم عن القوامة والحقوق الاجتماعية، إذ يرى أن قوامة الرجل تكليف ورعاية، وليست سلطة أو استبدادًا، فالرجل مكلف بالنفقة والحماية. وناقش العقاد أيضًا في الكتاب قضايا الأسرة مثل الزواج، وتعدد الزوجات، والطلاق، وحقوق المرأة السياسية. ويعتقد العقاد أن التوفيق بين رسالة الأمومة والعمل العام أمر شاق، وأن تفرغ المرأة لرعاية أسرة مستقرة لا يقل شأنًا عن عمل الرجل وكفاحه من أجل توفير حياة كريمة، منتقدًا عمل المرأة إذا تعارض مع استقرار الأسرة. ويُفصِّل العقاد في الكتاب آيات الحجاب والآداب الاجتماعية التي وضعها القرآن لضمان كرامتها، ويشرح وجهة نظره في أهميتها لحماية المجتمع.
ويدافع كتاب "المرأة في القرآن"، عن نظرة الإسلام المنصفة للمرأة، مؤكدًا أن القرآن قد منحها حقوقًا لم تكن تتمتع بها في حضارات سابقة، وأن التشريعات الإسلامية، من حقوق ومواريث وقوامة، توازن بين الحقوق والواجبات بناءً على الفطرة والوظيفية الاجتماعية. إنه كتاب يوجه دعوة واعية لإعادة قراءة النصوص القرآنية بعين منفتحة، وذهن متحرر من الموروث المغلوط، لفهم المكانة الحقيقية التي أعطاها الإسلام للمرأة في مختلف مجالات الحياة، كأم، وزوجة، وشريكة في بناء المجتمع.
أما كتاب "المرأة ذلك اللغز"، فيستعرض العقاد في مقالات منوعة موقع المرأة في العصور القديمة، فاليونان لم يرتقوا بالمرأة إلى منزلة كريمة، ورسخ عند الرومان أن النساء مصابات بالعته الطبيعي، وهن في كفالة الرجل إلى ما شاء الله. كذلك يفصح الحذاء الحديدي القديم عن مكانة المرأة في الصين، التي لا تتجاوز حدود الزينة لإرضاء الرجل، أما في الهند فكانت المرأة تُحرق عند وفاة زوجها باعتبار أن وجودها ملحق به، فلا تستقل بنفسها في حياة أو موت.
أما حضارة بابل، فكانت أرحم بالمرأة، إذ إن عشتار في ملحمة جلجامش تدل على حرية المرأة عند البابليين، فهي من طلبت يد جلجامش، لكن الطلاق كان من سلطات الرجل، وكانوا يميزون بين الزوجة الأولى والزوجة الثانية، ويشترطون على الثانية أن تغسل قدمي الأولى، وتحمل كرسيها إلى المعبد، وتظهر احترامها لها.
وفي الحضارة المصرية القديمة، كانت المرأة تدعى "سيدة البيت"، مما يؤكد مكانة المرأة المصرية القديمة، فالملكة تجاور الملك على جدران المعابد أو التماثيل التي تم اكتشافها.
وجاء الإسلام بفرائض التشريع في الأخلاق والآداب، وسن الزواج والطلاق، وبيَّن حقوق المرأة والأحكام المتعلقة بالتشريع من ناحية، والآداب النفسية من ناحية أخرى.
ويركز العقاد في هذا الكتاب على طبيعة المرأة الملغزة، ويحلل تصرفاتها من منظور نفسي، مشيرًا إلى أن لغزها يكمن في تناقضاتها العاطفية، وأن أنوثتها غالبًا ما تطغى على عقليتها، وأن أفق المرأة محدود، حيث ينصب اهتمامها على محيطها المباشر: الأسرة، والزوج، والأطفال.
ويُظهر الكتاب منهج العقاد الفكري، حيث يمزج بين الملاحظة الاجتماعية والتحليل النفسي، محاولًا حل الرمز أو اللغز الذي تمثله المرأة من وجهة نظره، ويحلل شخصيتها سيكولوجيًا بوصفها كائنًا عاطفيًا يميل إلى التمنع والتدلل، ويستخدم الضعف كقوة. ويرى البعض أن الكتاب يتحامل على المرأة، حيث يركز على صفات مثل العناد وضعف الإرادة.
وفي رواية "سارة"، حلل العقاد المرأة ككائن "مراوغ" بالفطرة، ليس من باب الذم، بل من باب الضرورة الدفاعية، فهي تملك "سلاح الجمال" والجاذبية لتعوض نقص القوة العضلية لدى الرجل. وصفها من الخارج، وحلل نوازع شخصيتها من الداخل، فكل فصل من فصول الرواية يقدم لنا صورة من صور شخصيتها، ليرسم في النهاية لوحة واضحة المعالم عن بطلتها.
وجعل العقاد من "سارة" أيقونة للمرأة المثقفة الواعية والذكية، القادرة على خدمة نفسها دون الاعتماد على الآخرين. فهي فتاة ذكية تعلمت في الغرب، وتنتمي إلى الحياة العصرية المتحررة، وتتقن النقاش والمجادلة، وتحب التحدي والانتصار، ولا تخطئ في قراراتها. وقد أعجب بها همام لأنها كانت: "تسلب من يراها بحسن جمالها وبريق ابتسامتها، وترميه بعيونها من نبل سهامها، وهي مع ذلك فصيحة الكلام حسنة النظام".
وتمتاز بالذكاء، ويقول عنها: "لهي صاحبة ذكاء مطبوع يفقه قيمة الزمن وقيمة الشعور وقيمة السرور، ولا يقتصر ذكاؤها على النظر إلى عقربي الساعة لإدراك الميعاد". وفي موضع آخر: "فذاك عقل يضحك ولب يسحر، كما تسحر عقول الفلاسفة ألباب الشيوخ المحنكين".
وتحب سارة المطالعة والقراءة، خاصة الشعر والنثر، حيث كانت تقرأ لهمام بعض الكتب ودواوين الشعراء: "لقد أكبرته كثيرًا وهي تقرأ له أسفار النوابغ من أساطين الأقدمين، وفحول المحدثين الغربيين".
وصور العقاد المرأة أيضًا في هذه الرواية على أنها ماكرة ومخادعة، تميل بحكم طبيعتها إلى اللين والنعومة، وتبدي ضعفًا على غير حقيقتها. إن سارة امرأة لعوب، خائنة، أقنعت همام بسلوكها، وتستطيع نيل رضائه بمعسول كلامها، يقول الكاتب على لسان سارة: "أنا أعرف كيف أرضيك، أليس كذلك؟"
لقد منح العقاد سارة الحرية التي تحلم كل أنثى أن تعيشها في هذه الحياة، وإلى جانب هذه الحرية نلاحظ في كلامها ومحاوراتها مع همام أنها تحب أن تتكلم بحرية، وألا ينتقد كلامها أحد. يقول عنها في الرواية: "وكان من دأبها أن تحب الغلبة في المناقشة على طريق كل أنثى مع تنوع الأسلوب والعبارة، فإذا عز عليها الجواب زاغت منه وغيرت مجرى الحديث، أو تقول حينًا: أسكتني وما أقنعتني، وحينًا آخر: ناقشني يا أخي، ناقشني، ولكن بحق السماء والأرض عليك لا تكتفني، دع لي يا أخي حرية الكلام، فهي تريد جوابًا يروقها ويترك لها باب الكلام مفتوحًا بغير انتهاء".
إجمالًا، يمكن أن نقول إن فكر العقاد تجاه المرأة كان نتاج عصر يبحث عن هويته بين التراث والحداثة، ولم تكن فلسفته وليدة عداء لها، بل كانت إيمانًا بمبدأ الاختلاف. ورغم أن آراء العقاد قد تبدو صادمة للكثيرين في زماننا الحالي، إلا أنها تظل مرجعًا مهمًا لفهم مدرسته الفكرية التي ترى أن السعادة البشرية لا تكمن في "التشابه" بين الرجل والمرأة، بل في "التكامل" الذي يحترم خصوصية كل طرف. لقد ظل العقاد حتى وفاته يؤمن بأن المرأة هي "اللغز" الذي يمنح الحياة معناها، شرط أن تظل امرأة، لا ظلًا باهتًا للرجل.
وأخيرًا، هل ترى إلى أي مدى تتشابك فلسفة العقاد عن المرأة أو تتصادم مع آراء الفلاسفة من أرسطو إلى سيمون دي بوفوار؟ وهل كانت له فلسفته الخاصة به وحده؟