أكد الأستاذ بكلية الدراسات العليا والبحوث بجامعة عين شمس الدكتور عبدالمسيح سمعان أن التطور في تقنيات تخزين الطاقة يمثل أحد أهم المحركات الأساسية لتسريع التحول العالمي نحو الطاقة النظيفة، موضحًا أن هذا المجال يشهد طفرة نوعية تعتمد على عدة مسارات تكنولوجية متقدمة، في مقدمتها بطاريات الليثيوم عالية الكفاءة، وبطاريات الصوديوم منخفضة التكلفة، إضافة إلى البطاريات الحالة الصلبة التي توفر مستويات أعلى من الأمان والكفاءة التشغيلية.
وأوضح سمعان، في تصريح خاص لوكالة أنباء الشرق الاوسط، أن هذه الابتكارات تسهم بشكل مباشر في رفع كفاءة تخزين الكهرباء لفترات أطول، وتقليل الفاقد في الطاقة، وخفض تكاليف التشغيل، إلى جانب إطالة العمر الافتراضي لأنظمة التخزين، وهو ما يعزز استقرار منظومات الطاقة المتجددة ويدعم توسع استخدامها.
وأضاف أن الهيدروجين الأخضر يمثل أحد أبرز الحلول المستقبلية في مجال الطاقة، حيث يتم إنتاجه عبر التحليل الكهربائي للمياه باستخدام مصادر كهرباء متجددة، مشيرًا إلى أنه وقود نظيف متعدد الاستخدامات يمكن توظيفه في قطاعات الصناعة والنقل وتوليد الطاقة، منوها إلى أن الهيدروجين الأخضر لا ينتج عنه انبعاثات كربونية، باعتباره يعتمد على تفكيك جزيء الماء (H₂O) دون وجود عنصر الكربون، مما يجعله خيارًا استراتيجيًا لتخزين الطاقة على المدى الطويل.
وفي سياق متصل، أشار إلى أن الشبكات الذكية تمثل عنصرًا محوريًا في دعم التحول إلى الطاقة النظيفة، إذ تعمل على تحسين كفاءة توزيع الكهرباء، ودمج مصادر الطاقة المتجددة مثل الطاقة الشمسية ومزارع الرياح بسلاسة داخل الشبكة، إلى جانب إدارة الاستهلاك بشكل أكثر كفاءة ومرونة، بما يرفع من استقرار منظومة الطاقة ويقلل الفاقد.
ولفت سمعان إلى أن التوسع في استخدام الطاقة الجديدة والمتجددة ينعكس بشكل مباشر على خفض الانبعاثات الكربونية الناتجة عن الوقود التقليدي، والحد من تلوث الهواء، والتقليل من آثار التغيرات المناخية مثل موجات الحر الشديدة والفيضانات والأعاصير، فضلًا عن الحفاظ على الموارد الطبيعية من الاستنزاف.
وفيما يتعلق بكيفية تحويل مفاهيم التنمية المستدامة والطاقة النظيفة إلى سلوك مجتمعي يومي، شدد على ضرورة ربط هذه المفاهيم بحياة المواطن بشكل مباشر من خلال إبراز فوائدها العملية، مثل تحسين الصحة العامة، وتقليل التكاليف، وتوفير مستقبل أفضل، مؤكدًا أن الاستدامة يجب ألا تُطرح كشعارات نظرية، بل كممارسات واقعية ذات أثر ملموس.
وأوضح أن تحقيق هذا التحول يتطلب دمج مفاهيم الاستدامة والطاقة المتجددة في المناهج التعليمية، إلى جانب إشراك الشباب في المبادرات البيئية، ودعم الابتكار الأخضر، وتنظيم مسابقات في مجالات الطاقة النظيفة وإعادة التدوير، بما يحول الفرد من متلقٍ للمعلومة إلى مشارك فاعل في حماية البيئة.
وأكد كذلك على أهمية دور الإعلام في تبسيط الرسائل البيئية، وتقديم محتوى بصري مبسط وقصص نجاح محلية، مع ربط السلوك البيئي بحوافز اقتصادية مباشرة، مثل خفض فواتير الطاقة، وتوفير فرص عمل من خلال إعادة التدوير، وتشجيع فصل المخلفات من المصدر.
كما أشار إلى الدور المهم للمؤسسات الدينية في تعزيز الوعي البيئي، من خلال القيم الداعية إلى الحفاظ على الموارد وحماية البيئة.
وفيما يخص دور المزارع البحثية والمشروعات التنموية المستدامة، قال سمعان إن التجارب المصرية في مجالات الطاقة المتجددة تشهد توسعًا ملحوظًا، حيث تضم الدولة محطات رياح كبرى في العين السخنة والزعفرانة وجبل الزيت وخليج السويس، إلى جانب محطة بنبان بأسوان التي تعد من أكبر محطات الطاقة الشمسية في العالم وحصلت على إشادات دولية، فضلًا عن مشروعات جديدة في كوم أمبو.
وأشار إلى أن مصر تستهدف رفع نسبة الطاقة المتجددة إلى نحو 42% خلال السنوات المقبلة، مقارنة بنحو 20% حاليًا، مؤكدًا أن هذا التوجه يعكس رؤية واضحة نحو التحول الأخضر.
وفي ملف المياه، لفت إلى أهمية محطات معالجة مياه الصرف مثل محطة بحر البقر، التي تسهم في إعادة استخدام المياه في الاستصلاح الزراعي، إلى جانب التوسع في محطات التحلية، وتطبيق نظم الري الحديثة مثل الري بالتنقيط والري بالرش بدلًا من الأساليب التقليدية.
واختتم الدكتور عبد المسيح سمعان تصريحه بأهمية تطوير المحاصيل المقاومة للجفاف والحرارة، وتعزيز قدرات المزارعين على التكيف مع التغيرات المناخية، من خلال التدريب ونشر ثقافة الزراعة الذكية، مؤكدًا أن التكامل بين التكنولوجيا والزراعة والطاقة يمثل ركيزة أساسية لمواجهة تحديات المناخ وتحقيق التنمية المستدامة.