رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

مؤامرة شكسبير.. الشيطان الذى سرق أرواح الموتى ليصنع مجده الخالد


1-5-2026 | 16:14

.

طباعة
بقلـم: محمد جادالله

فى أحد أحياء لندن المظلمة والموبوءة بالطاعون، عام 1593، كان صمت جنائزى يخيم على الحانات والمسارح؛ لقد اختفى كريستوفر مارلو، الشاب العبقرى الذى كان العالم ينتظر منه المعجزات، فى مشاجرة غامضة داخل حانة وضيعة. وفى هذا الفراغ الذى خلفه الموت، كان هناك رجل يراقب بعينين حادتين كعينى صقر يتحين لحظة الانقضاض؛ لم يكن وليم شكسبير يبكى منافسه الراحل، بل كان يعد الحسابات ببرود مذهل، فقد رأى فى جثة مارلو فرصة ذهبية للاستيلاء على العرش الشعرى الذى أصبح شاغرًا. ومن هنا، يا صديقى القارئ، بدأت القصة الحقيقية لشكسبير، ليس كشاعر ملهم تفيض روحه بالجمال، بل كتاجر بارع يبيع الكلمات والدماء فى سوق لا يرحم،

 

 

رجل تعلم كيف يحول الموت إلى ذهب، والدموع إلى عملات رنانة فى خزائنه، وكأن كل مسرحية يكتبها هى صرخة انتقام من عالم كاد أن يسحقه وهو لم يزل طفلًا يحبو فى أزقة الفقر، فكان يرى فى كل بيت شعرى رصاصة يطلقها على ماضيه البائس.

لفهم هذا «الوحش» الذى تستر خلف أجمل القصائد، يجب أن نزيل الغبار الرومانسى عن بلدته «ستراتفورد»، التى لم تكن جنة ريفية، بل سجن يغلق فيه الفقر على رقاب الناس؛ ولد شكسبير لابن قفازات ثرى سقط فى ديون مهينة، فذاق طعم الذل وهو طفل، وشاهد كيف تتبخر المكانة الاجتماعية بين عشية وضحاها. هذا الخوف المرضى من الفقر لم يصنع منه شاعرًا حالمًا، بل صاغ فيه طموحًا جامحًا كالسرطان؛ حتى زواجه من «آن هاثاواي» التى كانت تكبره سنًا وحاملًا منه، لم يكن قصة حب، بل فخ أجبره على الهروب والاختفاء لسبع سنوات غامضة، وهى الفترة التى يسميها المؤرخون «السنوات الضائعة»، لكنها فى الحقيقة كانت المختبر السرى الذى تشرب فيه سموم العالم الحقيقى، وتعلم فيه كيف يروض البشر ويستغل نقاط ضعفهم، وكيف يبيع الوهم للباحثين عن الحقيقة فى زمن لا يرحم الضعفاء، فكان يراقب اللصوص والمقرضين الجشعين ليتعلم منهم كيف يسرق القلوب والعقول ببراعة لا تضاهى.

يا عزيزى، عندما ظهر شكسبير فى لندن أخيرًا، لم يكن قرويًا بريئًا، بل كان حيوانًا مفترسًا تعلم كيف يتخفى فى جلد حمل؛ كان المسرح بالنسبة له مجرد أداة، والكلمات مجرد بضاعة، والجمهور مجرد وسيلة لتحقيق الثروة والسلطة. فى لندن، لم يكن الفن غاية، بل ساحة معركة شرسة، وكان منافسوه مثل مارلو وبن جونسون مجرد عقبات يجب إزاحتها؛ لقد استغل شكسبير موت مارلو ببراعة شيطانية، فسرق أفكاره وطورها فى أعمال مثل «تاجر البندقية»، محولًا الشخصيات إلى نماذج أكثر فتنة وتعقيدًا، ليس حبًا فى الفن، بل لأنه كان يعرف جيدًا ما الذى يثير لعاب الجمهور ويدفعهم لملء صناديق التذاكر. لقد كان القرش الأكبر فى بركة لندن، والجميع حوله كانوا إما طعامًا له أو مجرد سمك صغير يسبح فى ظله الثقيل، يراقبهم ببرود وهم يتساقطون واحدًا تلو الآخر بينما يصعد هو إلى قمة المجد على أكتاف جثثهم الفنية، محولًا صرخاتهم المكتومة إلى سيمفونيات أدبية تدر عليه الذهب والشهرة.

هل تعتقد أن مَن كتب أجمل قصائد الحب كان يمتلك قلبًا نابضًا؟ السونيتات التى نقدسها اليوم هى فى الواقع «دفتر ملاحظات» بارد لرجل يتعامل مع العواطف كسلع تجارية؛ فمديحه لـ«الشاب الجميل» لم يكن حبًا، بل كان تملقًا فجًا للحصول على الرعاية والمال، عقدًا ضمنيًا يقول: «سأمنحك الخلود فى قصائدى مقابل أن تظل خزائنك مفتوحة لي». أما علاقته بـ«السيدة السمراء»، فكانت سجلًا لحرب نفسية قذرة وإدماناً جنسيًا مدمرًا، يصفها فيه بأنها «سوداء كالجحيم»، وكأنه يفرغ فيها كراهيته لنفسه وللعالم الذى أجبره يومًا على التسول. هذا البرود وصل لذروته فى حياته العائلية، حيث ترك زوجته لسنوات طويلة فى سجن ذهبى ببلدته، ولم يرسل لها سوى المال، ليختم حياته بإهانة أخيرة فى وصيته حين ترك لها «سريره الثانى الأفضل»، رسالة باردة من القبر تقول: «لم تكونى قط الأولى، ولا حتى فى الموت»، وكأنه يعاقبها على كونها الشاهدة الوحيدة على فقره القديم وهويته الحقيقية التى حاول طمسها بكل ما أوتى من بلاغة، فكان يرى فى صمتها تهديدًا لأسطورته التى بناها من زيف الكلمات.

عندما تقاعد شكسبير وعاد إلى بلدته، لم يفعل ذلك تكريمًا لفنه، بل لأنه فاز باللعبة القذرة؛ عاد كأكبر مالك أراض، كملك للمال لا ملك للشعر، تاركا خلفه منافسين محطمين أو موتى فى طى النسيان. صمته فى سنواته الأخيرة لم يكن صمتًا حكيمًا استوفى واجبه، بل صمت مفترس شبع من أكل لحوم الآخرين واستقر ليرقب مملكته التى بناها من أنقاض أحلامهم؛ لقد كتب عن الحب والكراهية والطمع والجنون، ليس لأنه تعاطف مع الإنسان، بل لأنه كان مراقبًا باردًا يحلل دوافع البشر ليستغلها فى كتاباته وحياتهم، محولًا آلامنا إلى نصوص خالدة تدر عليه الذهب.

إن إرث شكسبير هو سؤال مقلق يصفع تاريخ الأدب: هل نحن نحتفل بعبقرى حقيقى، أم نعجب ببراعة تاجر ذكى باعنا أعمق مآسينا على أنها فن خالد؟ ربما لم يكن شكسبير هو مَن كتب المأساة، بل كان هو المأساة نفسها، متخفيًا خلف ستار من الكلمات الساحرة، يضحك بصمت من وراء قبره على كل من صدقوا أنه كان يومًا مجرد شاعر، بينما كان فى الحقيقة أعظم مقامر فى تاريخ الكلمات، رجل أدرك أن العالم مسرح كبير، فقرر أن يكون هو المخرج والمنتج والوحيد الذى يخرج من العرض بجيوب ممتلئة بالذهب وقلب خالٍ من الندم.

 

أخبار الساعة