رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

«تراثى عن حكايات المكان».. حين تتحول العمارة إلى ذاكرة حية بعدسة معاصرة


1-5-2026 | 12:34

.

طباعة
بقلـم: أمانى عبدالحميد

واجهات قديمة ذات شبابيك خشبية وألوان كالحة. أسطح عمارات متراصة، سلالم لولبية تأخذك لأبعاد غير اعتيادية، أبواب قديمة تحمل ذكريات ناس عاشوا خلفها سنين، لقطات ترصد بيوت المصريين وكل من عاش فيها، تعيد تقديم المكان وروحه بشكل يكشف هويته ويحفظ أسراره فى نفس الوقت. تلك تجربة بصرية وتأملية تعيد تعريف المكان بوصفه كيانا حيا نابضا. حكايات ترصدها عيون أكثر من ألف مصور مصرى داخل قصر الفنون بدار الأوبرا المصرية فى قلب القاهرة. تكشف لوحاتهم بعضا من ملامح مدينتنا الطيبة بشكل مباشر. تفتح بابا لحوار جدلى عن تفاصيلها القديمة. دون أن يكون ما التقطوه مجرد توثيق للماضي، بل استثمار فى هوية الحاضر والمستقبل. بالتأكيد تجربة فنية رائعة نجحت باقتدار فى الكشف عن جماليات التراث المعمارى المصرى.

 

« تراثي: حكايات المكان» محاولة جادة لإعادة قراءة التراث العمرانى المصرى برؤية معاصرة. عبارة عن مسابقة للتصوير الفوتوغرافي، وتعتبر إحدى المبادرات الثقافية السنوية التى ينظمها الجهاز القومى للتنسيق الحضارى التابع لوزارة الثقافة. وتسلط الضوء على القيمة التاريخية والثقافية للعمارة المصرية. وتسعى إلى تعزيز الوعى المجتمعى بأهمية الحفاظ عليها بوصفها جزءا حيا من الذاكرة الوطنية.

المبادرة السنوية التى يقدمها جهاز التنسيق الحضارى برئاسة المهندس محمد أبو سعدة باتت مبادرة ثقافية من أهم مبادرات إحياء التراث المصرى بطرق مختلفة، نظرا لما تقوم به من تسليط الضوء على القيم التاريخية والثقافية للعمارة فى مصر. لذا فإن المبادرة فى دورتها السابعة تسعى إلى تطوير أدوات التوثيق والتفاعل مع التراث عبر وسائل بصرية معاصرة، للتأكيد على أن التراث العمرانى لا يقتصر على المبانى فقط، بل يمتد ليشمل الذاكرة الإنسانية والعلاقات الاجتماعية والحكايات التى تشكلت بمرور الزمن داخل الأماكن. لذا جاءت لتكشف عن تلك العلاقة المتداخلة بين الإنسان والمكان وما تحمله فى طياتها من ذاكرة وهوية وتجارب إنسانية. وتضمنت المبادرة مسابقة جديدة للتصوير الفوتوغرافى بالتعاون مع منصة «فلوج» كنموذج للتكامل بين الجهات الرسمية والمنصات الإبداعية. بهدف إشراك الجمهور الفنان فى توثيق التراث العمرانى، نشر الوعى بأهمية التراث بين قاعدة أوسع من الشباب، تشجيع السرد البصرى، إنشاء أرشيف بصرى حى وتقديمه كتجربة ثقافية فنية للمجتمع داخل معرض ضخم للتصوير الفوتوغرافي.

وهو ما شجع أكثر من ألف فنان مصور من تقديم أعمالهم التى فاق عددها السبعة آلاف عمل فوتوغرافى من كل محافظات مصر، ووقع الاختيار على 308 صور فوتوغرافية لـ153 مصورا للعرض داخل قصر الفنون بدار الأوبرا المصرية. حيث عكست الأعمال المعروضة تنوعا فى الرؤى والأفكار وأساليب السرد البصري. كما كشفت عن الأبعاد الإنسانية والثقافية الكامنة فى البيئة العمرانية. وبالفعل نجح المعرض أن يكون أرشيفا بصريا حيا يربط بين التجارب الفردية والذاكرة الجماعية. ويعكس مدى ارتباط الأجيال الجديدة بذاكرة المكان وهويته ككيان نابض بالحياة. ويقوم بدور فعال فى تعزيز الوعى بأهمية الحفاظ على التراث بوصفه جزءا حيا من الحياة اليومية.

يعكس المعرض المصاحب للمسابقة علاقة متشابكة بين الإنسان والمكان. لا يختزل العمارة فى كونها عناصر جامدة. لكنها تتحول إلى ذاكرة وتجربة إنسانية عبر عدسات المصورين. حيث يقوم بتجسيد تفاصيل مرئية مثل التكوينات المعمارية والواجهات ومختلف العناصر التى نراها عبر مدينتنا، وعبر تفاصيل أخرى غير ملموسة نستشعرها بحضور الإنسان ولمساته داخل المكان. إنه معرض للأعمال الفوتوغرافية عبر بشكل قوى ومباشر عن رؤيتهم للمكان وإعادة قراءة الكم العظيم من التراث العمرانى والمعمارى الذى تمتلكه مصر. قدمته برؤية مختلفة وحديثة شابة عبر عدسات مصورين فنانين يرصدونه بعيون وعدسات بزوايا ورؤى خاصة بهم.

المبادرة تضم عدة محاور أساسية نراها داخل قاعات قصر الفنون بدار الأوبرا المصرية، حيث تتناول القاعة الأولى محور «فى طريقنا دايما». وداخلها صور أو مقاطع مصورة متحركة للتأكيد على أن المبنى التراثى ليس مجرد عنصر معمارى ثابت، بل هو جزء حى ومتكرر من تفاصيل حياتنا اليومية. هو المبنى الذى نمرّ به كل يوم فى طريقنا إلى العمل أو أثناء عودتنا، نراه دون أن نتوقف كثيرا عنده، لكنه يظل حاضرا فى وعينا وذاكرتنا. تحاول الأعمال المشاركة الكشف عن تلك العلاقة المألوفة التى قد تربطنا بالمبانى التى باتت تمثل جزءا من تجاربنا الشخصية وما تحويه من مشاعر ألفة أو حنين.

فى حين يأتى المحور الثانى ليحمل عنوان «شبابيك فاكرة»؛ حيث ينظر إلى النافذة أو الشباك ليس كعنصر معمارى يطل من واجهة المبانى لكنه حد فاصل بين الخاص والعام، كرمز للحكاية، كإطلالة على الحياة اليومية. لذا جاءت الصور الفوتوغرافية لتكشف عن تفاصيل الشرفات والنوافذ كشواهد حية على الزمن وما تحمله من آثار تتبدل فيها الظلال وتحمل بصمات التحول المعمارى والتجديدات التى طرأت عليه.

ثم يأتى المحور الثالث ويحمل عنوان «ما زالت هنا» حيث يقوم فيه الفنان يحيى العلايلى بتوثيق مدينة القاهرة منذ عام 2006. وفيه يرصد التغيير الاجتماعى والتطوير الحضارى الذى طرأ على وجهها، وتأثير ذلك فى الحفاظ على التراث المعمارى والعمراني. كما سجل بصوره الفوتوغرافية الآثار الثقافية والنفسية التى طرأت عليها نتيجة التغييرات وما تطويه من خسائر محتملة على البشر والحجر، ونجحت صور «العلايلي» فى توثيق وتخليد الأماكن التى كانت، والتى تعرضت إما للتغيير أو الإزالة بالكامل، أو حتى أنها أماكن منسية بالرغم من ندرة ما فيها من جماليات وقيم ثقافية، أعماله انطلقت من تقدير معالم الأماكن وتفاصيلها الدقيقة والاعتزاز بها. إلى جانب توثيق تخطيط المدن سابقا بتفاصيلها المعمارية وعظمتها. على سبيل المثال نرى صور للافتات المحلات المكتوبة يدويا، وواجهاتها دور السينما القديمة، وغيرها من التفاصيل التى طرأت عليها التغييرات والتجديدات وباتت شاهدا على مدار العقدين الماضيين.

ومن بعده يأتى محور «الحيطان سامعة» لالتقاط الحكايات العالقة فى المكان. حيث تتحول التفاصيل الصغيرة إلى شواهد على حياة كاملة ظلت حاضرة فى الأثر. وبالتالى جاءت الصور كسرد بصرى للذاكرة غير المكتوبة، تلك التى لا تحفظها الوثائق بقدر ما تختزنها الجدران والفراغات والزوايا الصامتة. بعضها مدعوم بمواد أرشيفية وصور قديمة، لتكشف طبقات من الزمن بين ما كان وما أصبح.

كذلك محور «الناس والمكان» الذى حاول إعادة تقديم حياة أشخاص ارتبطت مصائرهم بمبانٍ وأماكن بعينها. تعاقبت الأجيال داخل نفس الجدران. وبقيت الوجوه مألوفة رغم تغير الزمن من حولها. تحاول تقديم سرد بصرى للعلاقة بين الإنسان والمكان الذى شكل حياته وذاكرته ووجدانه. مثل حارسى العقارات، وأصحاب المحال، والسكان الدائمين، بوصفهم بشرا قادرين على الحفاظ على نبض المكان اليومى وتفاصيله المتكررة. خاصة عندما يتحول الروتين إلى ذاكرة حية للمشهد العمرانى والاجتماعي. وفيه يتحول المكان إلى شريك فى الحكاية وليس مجرد خلفية فقط.

ثم يطل محور «الظل والانعكاس»؛ ليحكى لنا ما لا نراه لكننا نشعر به. حيث اعتمدت الأعمال المشاركة على تجسيد الظل أو الانعكاس بوصفه عنصرا سرديا رئيسيا. يكشف طبقات من الذاكرة المرتبطة بالمبانى والأمكنة، ويعيد تشكيل حضورها من خلال الضوء وانكساره. وفيه تجسد الظل كأثر لحركة الوقت، بينما حملت الأسطح العاكسة من زجاج وماء ومعادن صورا موازية للواقع. خلقت حوارا بين الداخل والخارج، وبين ما هو حاضر وما يتلاشى. وبرز التناقض بين الضوء والظل كحامل للمعنى. وتحولت الفراغات المظللة إلى مساحات صامتة تنطق أكثر مما تقوله الإضاءة المباشرة. لتصبح الظلال والانعكاسات بقايا بصرية للزمن داخل المشهد المعمارى والحياتي.

وفى محور أخير بعنوان «لسه موجود» ترصد الأعمال المصورة ما بقى من أثر المكان، وما صمد أمام تغيرات الزمن العمرانية والاجتماعية. حيث وثق المصورون مبانى ما زالت حاضرة فى المشهد المعاصر. تحمل طبقات من الماضى وتكشف تحولات الحاضر. حيث تتجاور الأزمنة داخل إطار بصرى واحد. وجاءت الأعمال لتبرز التناقض بين القديم والجديد، وتكشف أشكال الترميم، وكيف يستمر حضور الماضى داخل تفاصيل العمران المعاصر دون أن ينفصل عنه.

وفى نهاية المعرض الضخم، نجد «عرض محلي» خاصا للمعمارى رمزى مكرم الذى يقدم سلسلة وثائقية من الأعمال المصورة التى تستعرض المعالم المعمارية المصرية التى تعتمد على المجتمع، والاستدامة، والوظيفة، والهوية التراثية. التى ساهم فى بنائها مجموعة من المعماريين والمؤرخين بهدف إحياء قصص كل مكان وإبراز خلفياته التاريخية والمعمارية. من أجل الحفاظ على التراث المصرى وتقديمه بروح معاصرة. كل حلقة من السلسلة ليست مجرد جولة بصرية، بل رحلة بحثية معمقة فى كيفية ارتباط التصميم الواعى بالإنسان والمكان، وكيف يمكن للعمارة أن تبنى علاقة ذات معنى بين المجتمع والفضاء. ويتناول مجموعة من أبرز المواقع المعمارية والتراثية فى مصر. وفيها رأينا جماليات عمارة كل من مسجد بسونة، كنيسة السيدة العذراء القبطية الأرثوذكسية، منطقة درب الأحمر. سعيا لفهم العمارة المرتبطة بالسياق داخل النسيج التراثى الغنى فى مصر.

والجميل أن يقوم جهاز التنسيق الحضارى بتكريم الدكتور محمد الكحلاوى أستاذ الآثار الإسلامية ورئيس اتحاد الأثريين العرب واختياره كشخصية العام التراثية. لما له دور باز فى الحفاظ على التراث المعمارى والعمرانى المصرى والعربي.

وبلغت قيمة جوائز الدورة السابعة من المبادرة «تراثي.. حكايات المكان» 150 ألف جنيه. موزعة بين محاورها. حيث فازت بالمشاركة بصورة فردية فى المحور الأول وهو «فى طريقنا دائماً» المصورة مريم أشرف شحاته. وفازت بالجائزة التشجيعية المصورة غادة عبد المحسن سليمان. فى حين فازت بجائزة المحور الثانى بعنوان «شبابيك فاكرة» دينا محمد محسن، وفاز بالجائزة التشجيعية المصور أحمد شعبان عليمي. أما المحور الثالث: بعنوان «لسه موجود» ففازت بالجائزة هاجر عبد الحميد نور الدين. وفازت بالجائزة التشجيعية انجى فرحات مصطفى. والمحور الرابع تحت عنوان «الظل والانعكاس» فاز بالجائزة المصور مارسيليو سامى رزق، وفازت بالجائزة التشجيعية المصورة منى حسن أبو عبده.

أما القسم الثانى من المسابقة والذى يتضمن المشاركة بمشروع فوتوغرافى فاز بجائزة المشروع الأول تحت شعار «الناس والمكان» المصور أحمد مصطفى سالم. وفاز بالجائزة التشجيعية المصور عمر الشحات أحمد شلبي. وفاز بجائزة المشروع الثانى بعنوان «الحيطان سامعة» المصورة سمر سيد بيومي.

أخبار الساعة