أطلقت الحكومة المصرية عددًا من المبادرات الهادفة إلى دعم القطاع الصناعى، وذلك فى إطار استراتيجية تستهدف توطين الصناعات الحديثة وتقليص الفجوة الاستيرادية، إلى جانب مساندة المصانع المتعثرة وإعادة تشغيلها، ورغم الطموحات المعلنة لتحسين مؤشرات الأداء الصناعى، فإن النتائج الفعلية لتلك المبادرات لا تزال محدودة، ومع استمرار وجود فجوة بين الأهداف المخططة وآليات التنفيذ على أرض الواقع، دفع هذا التباين لجنة الصناعة بمجلس النواب بصفتها جهة رقابية وتشريعية، إلى مناقشة عدد من طلبات الإحاطة بهدف تقييم تلك المبادرات والوقوف على أسباب عدم تحقيقها للأهداف المرجوة منها، والعمل على تحديد أوجه القصور واقتراح سبل معالجتها.
عقدت اللجنة، برئاسة المهندس أحمد شلبى، اجتماعًا لمناقشة عدد من طلبات الإحاطة التى تناولت عدة قضايا، فى مقدمتها المبادرات والاستراتيجيات التى تتبناها وزارة الصناعة لدعم القطاع الصناعى، وشارك فى الاجتماع رئيس الهيئة العامة للتنمية الصناعية، إلى جانب ممثلين عن وزارات التجارة والإسكان والمالية، وتركزت المناقشات على ضرورة إجراء تقييم تنفيذى واضح لما تحقق من تلك المبادرات والاستراتيجيات الصناعية التى يتم الإعلان عنها بصورة متكررة، كما أثارت طلبات الإحاطة تساؤلات حول جدوى تغيير السياسات والاستراتيجيات مع كل تغيير وزارى، دون الوقوف بشكل كافٍ على نتائج ما سبقها من خطط ومبادرات.
وفيما يتعلق بالمبادرات المطروحة، طالب رئيس لجنة الصناعة بمجلس النواب بضرورة قياس الأثر التنفيذى لها، حيث استعرضت اللجنة موقف عدد من هذه المبادرات، وفى مقدمتها مبادرة الـ15 فى المائة الخاصة برأس المال العامل، والتى تبين وجود مخصصات مالية لها إلا أنها لم تفعل بشكل كامل حتى الآن، مع الإشارة إلى أنه يجرى بحث إمكانية إعادة إحيائها، كما تناولت المناقشات مبادرة الـ15 فى المائة الأخرى الخاصة بالآلات والمعدات التى يتم تطبيقها بالفعل، إلا أنها تواجه عزوفًا من جانب عدد من رجال الأعمال، ما يستدعى دراسة أسباب هذا العزوف، سواء المرتبطة بشروط الاستفادة منها، أو بعدم جاذبية سعر الفائدة المقدم فى إطارها.
وفيما يتعلق بالاستراتيجيات الصناعية، ناقشت اللجنة مؤشرات الأداء الخاصة بالاستراتيجية الصناعية القائمة، خاصة ما يتعلق بمساهمة القطاع الصناعى فى الناتج المحلى الإجمالى ومعدلات التصدير ونسب تشغيل العمالة، وأظهرت المناقشات عدم تحقيق المستهدفات فى هذه المؤشرات، فى حين كان المؤشر الوحيد الذى تحقق هو عدد المصانع الجديدة، وأكد رئيس اللجنة أن الاعتماد على عدد المصانع الجديدة كمؤشر رئيسى يعد غير كافٍ ولا يعكس الأداء الحقيقى للقطاع الصناعى، ويجب إعادة صياغة المؤشرات داخل الاستراتيجية الجديدة، بما يعكس صورة أكثر دقة وشمولا للتطور الصناعى.
كما تناولت اللجنة جدوى إطلاق استراتيجية صناعية جديدة فى ظل عدم تحقق مستهدفات الاستراتيجية السابقة، حيث أوضح ممثلو الحكومة أن الاستراتيجية الجديدة التى يتم إعدادها من خلال مكتب استشارى متخصص تأتى فى إطار الاستكمال والتطوير لما سبق، مع التركيز على ستة قطاعات رئيسية يعول عليها فى دعم نمو القطاع الصناعى حتى عام 2030.
وتعقيبًا على عوائد تلك المبادرات على القطاع الصناعى، أوضح المهندس محمد البهى، الخبير الصناعى، أن القيادة السياسية أعلنت منذ سنوات انحيازها الكامل للتصنيع المحلى، خاصة الصناعات الصغيرة التى تعد صناعات مغذية إلى جانب التوجه نحو توطين العديد من الصناعات الاستراتيجية، وهنا التحدى الرئيسى لا يكمن فى غياب الرؤية وإنما فى البيروقراطية التى تحكم الجهاز الإدارى، حيث إن أى وزير جديد يسعى لتبنى حلول غير تقليدية غالبا ما يُواجه بنصائح من المحيطين به بالعودة إلى الأساليب التقليدية، كما أن الثقافة السائدة تميل إلى إطلاق مبادرات دون وضع جداول زمنية واضحة أو آليات دقيقة لتقييم نتائجها، وهو ما يحدّ من القدرة على قياس الأثر الحقيقى لتلك المبادرات.
وأكد أن المبادرات بطبيعتها قابلة للتغيير تبعا للمتغيرات العالمية والأحداث المتسارعة التى تعيد تشكيل الأولويات، غير أن ذلك يستوجب فى المقابل توثيق ما تم إنجازه فعليا وتحليل أوجه القصور وأسبابها للاستفادة منها عند تصميم مبادرات جديدة، وللأسف مع كل تغيير وزارى يتم اللجوء فى كثير من الأحيان إلى إعداد استراتيجيات جديدة دون مراجعة متأنية لما سبق، رغم أن التطوير الحقيقى ينبغى أن يقوم على مبدأ الاستمرارية لا الانقطاع، ولدينا التجارب الدولية فى الدول المتقدمة والتى تعتمد على استراتيجيات طويلة المدى تمتد لعقود قد تصل إلى 50 أو 100 عام وتظل مستمرة رغم تغير الحكومات والوزراء، بما يضمن استقرار السياسات وتراكم الإنجاز وتحقيق الأهداف التنموية على المدى البعيد.
وأشار «البهى» إلى أن من أهم المعوقات للصناعة ارتفاع سعر الفوائد على القروض بشكل غير مسبوق، ويرجع ذلك لارتفاع سعر الدولار والتكلفة المرتفعة، وحتى مبادرة الـ15 فى المائة والتى كانت بمثابة نصف قيمة الفائدة الطبيعية إلا أنها لا تزال مرتفعة، فالصناعة بعد الأزمات المتلاحقة تعانى من تآكل هوامش أرباحها، وبالتالى تلك الفائدة مرتفعة وتعمل على زيادة تكلفة الإنتاج، ونحن لسنا وحدنا فى العالم، فلدينا منافسون، وأغلب تلك الدول تقدم لصُناعها دعما حقيقيا وقويا، ومعدلات الفائدة لديهم تقل عن ربع هذا الرقم، وأيضا المبادرة لها محددات وهى خاصة بالآلات والمعدات وهذا ليس عائقا جوهريا، خاصة أن أغلب المصانع قائمة بالفعل، وبالتالى المبادرة الأهم وهى الخاصة برأس المال العامل والمستخدم فى شراء مواد خام والتغلب على فتح اعتمادات مستندية، لكن حينما نصطدم بالواقع نجد أنهم يضعون محددات للإقراض، أحيانا تعجز المصانع عن تقديمها، لأن الجهاز المصرفى متخوف من حصول رجل الأعمال على تلك الأموال ليضعها فى شكل وديعة ويستفيد من فارق سعر الفائدة دون تصنيع حقيقى.
وألمح إلى أن هناك تشديدا كبيرا على قروض الصناعة وبالتالى يتخوف المصنع من تلك الشروط حذرا من الوقوع تحت طائلة القانون، أيضا البنك المركزى هو المعنى بمتابعة البنوك، وبالتالى كافة البنوك تخاف من تعرضها للغرامات والتى تصل إلى المليارات، وبالتالى يبالغون فى الشروط المطلوبة من المقترضين، وبهذا الشكل لم تؤدِ هذه المبادرات الهدف المنشود منها بسبب الخوف والتشديد، فالصناعة استثمار طويل الأجل وحتى مَن يقوم بالاقتراض لشراء الآلات لكى يبدأ الإنتاج يستغرق الأمر من 3 إلى 5 سنوات، وهنا يكون المستثمر قد تعثر قبل أن يبدأ وتظهر العوائق فى السداد.
وقال «البهى» إنه سبق أن اقترح على وزير الصناعة السابق فى ضوء طبيعة عمل بنك التنمية الصناعية وقرار إنشائه، بأن يتولى البنك بشكل حصرى مهمة إقراض المصانع من خلال القروض الخارجية ذات الفائدة الميسرة والتى يتم تمريرها عبر البنوك ثم إعادة إقراضها مرة أخرى، والمقترح يقوم على إتاحة تمويل مباشر للمُصنعين بفائدة لا تتجاوز 2 فى المائة حتى فى حال كان التمويل بالعملة الصعبة، بما يسهم فى دعم نمو القطاع الصناعى وتحفيز الإنتاج، وهذا التوجه لا يتعارض مع اشتراطات صندوق النقد الدولى؛ إذ يتم الإقراض بسعر التكلفة الحقيقى، مضافا إليه هامش بسيط لتغطية المصروفات التشغيلية للبنك، بحيث لا يتجاوز هذا الهامش نصفًا فى المائة من قيمة القرض الأصلى، لكن ما يعرقل تبنى مثل هذه المقترحات هو التخوف من تطبيق حلول غير تقليدية أو خارج الإطار المعتاد فى إدارة السياسات التمويلية.
ورغم ما أشار إليه من تحديات ومعوقات، أعرب البهى عن تفاؤله بالمرحلة المقبلة فى ظل وجود عدد من الوزراء الشباب ضمن المجموعة الاقتصادية، لا سيما وزير المالية الذى وصفه بقدرته على التطوير وطرح مبادرات فعالة فى مجال الإصلاح الضريبى حققت نتائج إيجابية ملموسة، مشيدا بجهود وزير الاستثمار فى دعم وتشجيع الصادرات باعتباره أحد المحركات الأساسية للترويج للقطاع الصناعى، فهذه الجهود يمكن أن تمهد لإطلاق مبادرات جديدة أكثر تطورًا تختلف عن النماذج التقليدية السابقة، والقطاع الصناعى يواجه تحديات قائمة تتطلب معالجة مباشرة، الأمر الذى يستدعى أن تعمل لجان إدارة الأزمات على دراسة المشكلات الحقيقية بعمق، بما يضمن تحقيق هدف زيادة الصادرات وتعزيز تنافسية الصناعة الوطنية.
فيما أوضح المهندس على حمزة، عضو مجلس إدارة الاتحاد المصرى لجمعيات المستثمرين ورئيس جمعية مستثمرى أسيوط، أن هناك العديد من المبادرات التى تم الإعلان عنها لدعم المنتج الوطنى ومنها مبادرة 5 فى المائة وأخرى الـ15 فى المائة، وبالفعل استفاد منهم بعض المستثمرين، وهناك الحافز الذى وضعه وزير المالية لدعم الصناعة والخاص بالضرائب العامة وكلها مبادرات جيدة لكنها غير كافية، فإذا تحدثنا عن الصعيد فنحن بحاجة إلى المزيد من الحوافز لدعم المشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر لأنها تتحمل أعباء إضافية فى التصنيع عن الوجه البحرى، سواء تسويق المنتج أو الحصول على المادة الخام لارتفاع تكاليف النقل لديهم، ورغم وجود مجمعات صناعية أقامتها الحكومة بالفعل، فالأزمة تكمن فى مشروعات الشركات الناشئة فهى تحتاج إلى رأس مال عامل، ورغم وجود مبادرة لكن البنوك تتخوف من دعم مشروعات الـ«ستارت أب»، وتطالب بتقديم ثلاث ميزانيات وهذا شرط مستحيل، فتلك العقبة يجب حلها.
وأضاف «حمزة» أن وزير الصناعة الحالى متفاهم وجلس مع مستثمرى الصعيد، وخاصة الصغار منهم لمعرفة العوائق التى تواجههم لمعرفة معاناتهم وحلها لتيسير العمل والتصنيع وهى خطوة جيدة، وهنا يجب توجيه مبادرة خاصة بتشجيع التصنيع الزراعى خاصة فى الصعيد، فلدينا مساحات كبيرة من الأراضى المزروعة بمحاصيل يمكن تصنيعها وتحقيق قيمة مضافة، إلى جانب زيادة الإنتاج والتصدير، فمصر قبل اهتمامها بالصناعة هى فى الأساس بلد زراعى، ونحن نبحث عن مبادرات تمنح الصناعة المصرية قيمة مضافة وليس مجرد مسميات، مع تقييم تلك المبادرات بعد فترة من إعلانها لمعرفة مردودها، فإذا كانت غير كافية يجب إضافة المزيد من عناصر النجاح لها.
وأعرب رئيس مستثمرى أسيوط عن تقديره لمبادرة «ابدأ»، مشيرا إلى أنها حققت نجاحا ملموسا فى دعم المشروعات القائمة بالفعل، والمرحلة الحالية تتطلب إطلاق مبادرات مماثلة تستهدف مشروعات «ستارت أب» والمشروعات الصغيرة والمتوسطة، بما يسهم فى توسيع قاعدة الإنتاج وتعزيز فرص النمو، كما يجب إعادة النظر فى مبادرة معالجة المشروعات المتعثرة مع التفرقة بين طبيعة الحلول المقدمة للمشروعات الناجحة وتلك المتوقفة، سواء كانت تعثراتها مرتبطة بتمويل أو تسويق، بما يضمن وضع حلول أكثر دقة وفاعلية لكل حالة على حدة.