وتشير بيانات وزارة الموارد المائية والرى إلى أن مشروع تنمية شمال سيناء عبر ترعة السلام يستهدف استصلاح وزراعة نحو 400 ألف فدان ضمن واحدة من أكبر عمليات التوسع الزراعى شرق قناة السويس، وهو مشروع لا يُقرأ فقط كرقم فى خطة بل كتحول فى فلسفة إدارة الأرض، حيث تتحول سيناء من أرض محدودة الاستخدام إلى مساحة إنتاج ممتدة ترتبط مباشرة بالأمن الغذائى للدولة، ومع هذا التوسع يبرز ملف المياه كعنصر حاكم فلا يمكن فصله عن أى حديث عن الزراعة فى سيناء؛ إذ لم تعد المياه مجرد موردا بل أصبحت شرطًا وجوديًا لأى توسع زراعى حقيقى، وتعتمد الدولة على مشروعات كبرى لمعالجة المياه كإحدى أهم ركائز دعم الزراعة فى سيناء، وتأتى محطة معالجة مياه مصرف بحر البقر كواحدة من أبرز هذه المشروعات على مستوى العالم، ليس فقط لحجمها ولكن لدورها فى إعادة تدوير المياه وتوجيهها لدعم خطط الاستصلاح الزراعى فى شمال سيناء، وفق بيانات رسمية صادرة عن وزارة الموارد المائية والرى.
ولا تقف خريطة التنمية عند هذا الحد، بل تمتد إلى ما هو أبعد، حيث تشير خطط الدولة إلى استصلاح ما يقرب من 450 ألف فدان إضافية ضمن برامج التوسع الزراعى فى شمال ووسط سيناء، وهو ما يعكس رؤية ممتدة لا تتعامل مع سيناء كمشروع وقتى بل كمسار طويل الأجل لإعادة تشكيل الخريطة الزراعية المصرية بالكامل وفق تقارير رسمية صادرة عن مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار التابع لمجلس الوزراء.
وفى هذا السياق، يبرز الدور التشريعى والتنفيذى الذى أشار إليه النائب هشام الحصرى، عضو لجنة الزراعة والرى بمجلس النواب، مؤكدًا أن الدولة أولت القطاع الزراعى أولوية متقدمة خلال السنوات الأخيرة من خلال تنفيذ مشروعات قومية للتوسع الأفقى والرأسى، إلى جانب تحديث منظومة الرى، بما يعكس تنامى الوعى بأهمية الأمن الغذائى باعتباره ركيزة أساسية من ركائز الأمن القومى، فسيناء تمثل أولوية خاصة فى هذه الرؤية، ليس فقط بسبب مساحتها ولكن لارتباطها المباشر بمفهوم التعمير، كما أن مشروعات استصلاح الأراضى لم تبدأ فى السنوات الأخيرة فقط، بل تعود جذورها إلى مشروع ترعة السلام الذى شكل نقطة تحول فى إدخال مساحات واسعة من الأراضى إلى الرقعة الزراعية لأول مرة بشكل فعلى ومنظم.
وأوضح أنه مع تطور البنية المائية دخلت الدولة مرحلة جديدة عبر إنشاء محطات معالجة كبرى من بينها محطة المحسمة ومحطة بحر البقر، والتى أسهمت فى رفع القدرة المائية المتاحة للزراعة عبر ترعة السلام، ما أتاح التوسع فى إدخال مساحات جديدة من الأراضى داخل سيناء إلى منظومة الإنتاج الزراعى الفعلى، وهو ما انعكس تدريجيًا على حجم الرقعة المزروعة هناك، وتشير الخطط الحالية إلى استهداف زراعة نحو 480 ألف فدان فى شمال ووسط سيناء، يتم تنفيذ جزء منها بالفعل على مراحل متعددة، فى إطار رؤية تراكمية تستهدف بناء قاعدة زراعية مستقرة، وليست مؤقتة تعتمد على البنية التحتية المائية الجديدة.
وفيما يتعلق بالمياه، قال «الحصرى»: إن الدولة واجهت تحديًا كبيرًا يتمثل فى الفقر المائى وهو أحد أهم التحديات الهيكلية فى الزراعة المصرية، إلا أن هذا التحدى جرى التعامل معه عبر التوسع فى مشروعات معالجة المياه حيث تضخ محطة المحسمة نحو مليون متر مكعب يوميًا، بينما تصل محطة بحر البقر إلى نحو 5.6 مليون متر مكعب يوميًا، وهى كميات مكّنت من إعادة التفكير فى حدود الزراعة الممكنة داخل سيناء، ورغم هذه الطفرة تبقى طبيعة الأراضى نفسها عنصرًا مهمًا فى فهم التجربة؛ إذ أثبتت الأراضى فى سيناء صلاحيتها للزراعة خاصة فى محاصيل استراتيجية مثل الزيتون الذى أصبح أحد أهم المحاصيل المرتبطة بالمنطقة، إلى جانب التوسع فى زراعة الخضر والفاكهة مع إمكانية استغلال بعض الأراضى التى تعانى من ملوحة نسبية فى محاصيل أكثر تحمّلًا لهذه الظروف البيئية.
وكشف عن أنه مع اتساع النشاط الزراعى لم يتوقف الأمر عند الإنتاج فقط بل امتد إلى الصناعة المرتبطة به، حيث ظهرت مصانع عصر الزيتون وزيتون المائدة كجزء من منظومة القيمة المضافة، وهو ما يعكس تحول الزراعة من نشاط أولى إلى سلسلة اقتصادية متكاملة تبدأ من الأرض ولا تنتهى عند الحصاد، فالتوسع الزراعى فى سيناء أسهم فى خلق فرص استثمارية جديدة وجذب مستثمرين إلى الأراضى المستصلحة حديثًا، خاصة مع ارتفاع الطلب المحلى والعالمى على منتجات مثل زيتون المائدة الذى أصبحت مصر فيه من الدول ذات الحضور القوى فى الأسواق الدولية، كما يربط هذا التوسع بزيادة معدلات النمو فى الصادرات الزراعية المصرية، والتى تتراوح بين 10 فى المائة و20 فى المائة سنويًا، وهو ما يعكس قدرة القطاع الزراعى على التحول إلى أحد روافد الاقتصاد الوطنى القادرة على المنافسة والصمود أمام الأزمات، ومع كل هذا الزخم تبقى الإشكاليات المتعلقة بتقنين أوضاع الأراضى وتسهيل إجراءات التملك أحد الملفات المطروحة بقوة، باعتبارها عنصرًا مؤثرًا فى جذب الاستثمار واستقرار المشروعات الزراعية داخل سيناء.
وفى قراءة علمية لهذا الملف، أكد الدكتور أيمن فريد أبو حديد، وزير الزراعة الأسبق، أن سيناء، وبخاصة الشمال، تتميز بمناخ معتدل نسبيا، حيث لا ترتفع درجات الحرارة إلى مستويات كبيرة مقارنة بمناطق أخرى داخل مصر، وهو ما يؤدى إلى تقليل معدلات استهلاك المياه فى الزراعة، وهى نقطة فى غاية الأهمية فى ظل محدودية الموارد المائية، فهذه الميزة المناخية تمنح سيناء أفضلية نسبية فى التوسع الزراعى، إلى جانب طبيعة التربة الرملية سهلة الصرف والتى رغم ما قد يبدو عليها من تحديات، فإنها تمثل بيئة مناسبة للزراعة عند إدارتها بأساليب علمية حديثة تعتمد على التكنولوجيا وإدارة التربة بشكل دقيق، منوها بأن واحدة من النقاط المهمة فى هذا السياق هى أن التوسع فى زراعة مساحات كبيرة داخل شمال سيناء قد ينعكس بشكل إيجابى على البيئة بشكل عام، ليس فقط داخل المنطقة نفسها، ولكن على نطاق أوسع يمتد إلى شمال مصر بالكامل، حيث يمكن أن يمتد التأثير إلى مناطق مثل الساحل الشمالى الغربى، وحتى بعض مناطق الصعيد من حيث درجات الحرارة والضغط البخارى.
ونبه «أبو حديد» بأن زيادة الرقعة الزراعية فى شمال سيناء وطبقًا لدراسات علمية أُجريت فى كلية الهندسة بجامعة القاهرة، قد تسهم فى زيادة فرص تساقط الأمطار على مناطق الساحل الشمالى، وهو ما يفتح بابًا واسعًا أمام فهم العلاقة بين الزراعة والمناخ بشكل أكثر تعقيدًا من المفهوم التقليدى، ولا يتوقف تأثير الزراعة فى سيناء عند الجانب البيئى فقط، بل يمتد ليشمل البعد الاجتماعى أيضًا، حيث يشير إلى أن زيادة المساحات المزروعة تؤدى بشكل مباشر إلى زيادة الطلب على العمالة، ومن ثم ارتفاع الكثافة السكانية فى المناطق الجديدة، وهو ما يعد أحد عناصر الأمن القومى، باعتبار أن التنمية الزراعية تسهم فى إعادة توزيع السكان وتحقيق الاستقرار.
وبيّن أن أبرز ما يواجه الزراعة فى المناطق الصحراوية وعلى رأسها سيناء، يتمثل فى محدودية الموارد المائية، لافتًا إلى أن هذا التحدى ينقسم إلى محورين؛ أحدهما قصير الأجل والآخر طويل الأجل، ففى المدى القريب تبرز أزمة نقص المياه المتاحة حاليًا، والحاجة إلى تأمين مصادر بديلة أو نقل المياه وهو ما يعزز من أهمية مشروعات المعالجة، وفى مقدمتها محطة معالجة مياه مصرف بحر البقر، التى تسهم فى نقل المياه المعالجة إلى سيناء عبر ترعة السلام، بما يدعم جهود استصلاح الأراضى ويمكن الدولة من تنفيذ خطتها لزراعة نحو 450 ألف فدان فى شمال سيناء. أما على المدى البعيد، فينظر إلى تحلية مياه البحر باعتبارها الحل الأكثر استدامة، رغم ما تتطلبه من تطويرات تكنولوجية متقدمة، سواء فيما يتعلق بمصادر الطاقة اللازمة لتشغيل محطات التناضح العكسى، أو بتقنيات تنقية المياه ورفع كفاءة الفلاتر لإزالة الأملاح.
وشدد وزير الزراعة الأسبق، على أهمية وضع خطة متكاملة تعتمد على تحديد الإقليم الجغرافى أولًا، ودراسة الثوابت البيئية والمناخية والبشرية، قبل البدء فى أى توسع زراعى، وهو ما يتم بالفعل من خلال جهود مركز بحوث الصحراء ومركز البحوث الزراعية، وفيما يتعلق بالمشروعات الزراعية الحالية فى سيناء فإن ما يتم تنفيذه فى إطار الجمهورية الجديدة يسير فى الاتجاه الصحيح، ويعتمد على أسس علمية، لكن التحدى الأساسى يظل فى محدودية الموارد المائية التى قد تحد من سرعة التوسع، ومع ذلك يؤكد أن التوجه العام للدولة قائم على أسس سليمة، وأن استمرار العمل على تطوير الموارد المائية والبنية التحتية سيمنح هذه المشروعات قدرة أكبر على التوسع فى المستقبل، بما يضمن استدامة التنمية الزراعية فى سيناء.