تضم القاهرة، عاصمة مصر لأكثر من ألف عام، عددًا كبيرًا من الشوارع والميادين التاريخية التي تُعد من أهم المقاصد السياحية والثقافية، لما تحمله من طابع معماري فريد وقيمة تاريخية ممتدة عبر العصور، ومن أبرز هذه المعالم شارع بيت القاضي، أحد أهم نقاط شارع المعز في منطقة الجمالية.
يقع شارع بيت القاضي في قلب شارع المعز، ويُعد حلقة وصل مهمة تربط بين الجمالية ومنطقة الحسين، كما يقع أمام مجموعة السلطان المنصور قلاوون الأثرية، ما يمنحه أهمية تاريخية ومعمارية خاصة.
يرجع أصل الموقع إلى العصر الفاطمي، حيث كان جزءًا من قصر الزمرد التابع للقصر الشرقي الكبير، أحد أضخم منشآت العصر الفاطمي الذي امتد على مساحة واسعة وضم قصورًا وحدائق متعددة. وفي العصر المملوكي، انتقلت ملكية الموقع إلى السيدة تتر الحجازية ابنة السلطان الناصر محمد بن قلاوون، التي أنشأت منشآت خاصة بها في هذا الموضع.
لاحقًا، شهد الموقع عدة تحولات، إذ استولى عليه جمال الدين يوسف الإستادار في عهد السلطان برقوق، وتحول إلى سجن لفترة من الزمن. ثم شيد الأمير ماماي السيفي أحد كبار أمراء السلطان الأشرف قايتباي قصره في هذا المكان عام 1496م، قبل أن يتعرض جزء كبير منه للتدمير إثر الاضطرابات السياسية في أواخر القرن الخامس عشر، ولم يتبق منه سوى “المقعد” الذي ما زال قائمًا حتى اليوم.
ومع دخول العصر العثماني، تحول المقعد إلى مقر للمحكمة الشرعية، حيث استخدم في عقد الجلسات القضائية واحتجاز المتهمين وتنفيذ الأحكام، ومن هنا جاءت تسمية “بيت القاضي”. كما لعب الموقع دورًا مهمًا في الحياة السياسية، وشهد اجتماعات شعبية بارزة، من بينها اجتماع عام 1805م الذي انتهى باختيار محمد علي باشا حاكمًا لمصر.
استمر استخدام المحكمة الشرعية في الموقع حتى عام 1900، قبل أن يتم نقلها إلى الحلمية الجديدة، ثم قامت لجنة حفظ الآثار العربية بترميم المقعد عام 1925 وإعادته إلى حالته الأصلية.
وخلال العصر الحديث، تم فتح شارع بيت القاضي عام 1873 في عهد الخديو إسماعيل، كما تحوّل الميدان المحيط به إلى منطقة حيوية شهدت استخدامات متعددة، من بينها مواقف النقل العام، قبل أن يتغير طابعه مع مرور الزمن.
ويُعد المقعد المتبقي من قصر الأمير ماماي نموذجًا معماريًا فريدًا، حيث يرتفع عن مستوى الشارع بنحو 10 أمتار، ويضم قاعة مستطيلة بسقف خشبي مزخرف، بينما يحتوي الطابق السفلي على غرف احتجاز وممرات تاريخية تعكس طبيعة الاستخدام القضائي للمكان في فترات مختلفة.
ويظل “بيت القاضي” اليوم شاهدًا حيًا على تاريخ القاهرة المتداخل بين العمارة والعدالة والتحولات السياسية والاجتماعية، ما يجعله أحد أهم المعالم التراثية في قلب المدينة التاريخية.