كيف بدأت علاقتك بالوسط الموسيقى والعزف على آلة الأوبوا؟
بدأت علاقتى بالموسيقى منذ طفولتى، حيث التحقت بالدراسة فى معهد الكونسرفتوار بأكاديمية الفنون، وتخصصت فى العزف على آلة «الأوبوا»، وأثناء دراستى بالصف الثالث الثانوى حصلت على العديد من المنح الدراسية، التى كانت عبارة عن مسابقات دولية، ترتب على اجتيازى لها بنجاح الاشتراك بالعزف مع عدة فرق عالمية، ومنها على سبيل المثال مسابقة تُجرى سنويًا داخل أمريكا، ترتب بعد فوزى فيها اشتراكى مع مجموعة لموسيقى الحجرة اسمها «أبل هيل»، حيث يقوم المسئولون عليها باختيار أفضل العازفين على مستوى العالم، وبالفعل سافرت لأمريكا، حيث درست فترة هناك، ثم بدأت فى الاشتراك معهم فى حفلات موسيقى الحجرة، ثم اشتركت بعد ذلك فى مسابقة أخرى بفرنسا من مع أوركسترا «البحر المتوسط» فور نجاحى فى مسابقة أُجريت على مستوى دول البحر المتوسط، حيث تقوم هذه الأوركسترا بانتقاء أفضل العازفين على مستوى دول البحر المتوسط فى كل الآلات الموسيقية، فكل هذه المنح الدراسية تم اختيارى فيها لتمثيل مصر نظرًا لكفاءتى كعازف على هذه الآلة الموسيقية، وترتب على اجتيازى اختبارات هذه المسابقة بنجاح كبير اشتراكى بالعزف مع هذه الأوركسترا فى جولة فنية، أقامت من خلالها عدة حفلات داخل إيطاليا ومصر وفرنسا والمغرب ولبنان، وكنت أعزف مع هذه الأوركسترا فى جميع حفلاتها أثناء هذه الجولة الفنية. «صولو» لأحد المؤلفين الموسيقيين، وكذلك اشتركت مع أوركسترا «فايمر» بألمانيا، وبلا شك أننى قد اكتسبت العديد من الخبرات الفنية سواء على المستوى الأكاديمى أو الفنى من خلال هذه المسابقات بالدراسة والعزف مع الأوركسترات الخاصة بها، ومن الذكريات الجميلة التى لا أنساها أن القائمين على تنظيم هذه المسابقات كانوا حريصين على أن يحضر كل مؤلف موسيقى نعزف موسيقاه فى هذه الجولات الفنية داخل العديد من الدول، لكى يستمع لأعماله تُعزف من خلالنا.
يقال إن تفوقك فى دراستك بمعهد الكونسرفتوار كان بمثابة جواز مرورك للالتحاق بأوركسترا أوبرا القاهرة؟
بالفعل.. التحقت بأوركسترا أوبرا القاهرة منذ واحد وثلاثين عامًا أثناء دراستى فى الصف الأول عالى بمعهد الكونسرفتوار، بعد تفوقى ونجاحى فى إحدى المنح الدرسية التى حصلت عليها، تم انضمامى لأوركسترا أوبرا القاهرة فور عودتى من الخارج واجتيازى لاختبار العزف على آلة الأوبوا بدار الأوبرا، بعد تأسيسها بعام فى 1995.
من المعروف أن آلة الأوبوا هى الآلة التى تخصص فيها العندليب الأسمر عبدالحليم حافظ، هل ترى نفسك عندليب الأوبوا داخل أوركسترا أوبرا القاهرة؟
بالمناسبة.. عبدالحليم حافظ كان عازفا «شاطر» جدًا ومبدعا لآلة الأوبوا، وعمل بالعزف عليها فى عدة حفلات، وحقق نجاحًا باهرًا قبل أن يتوجه إلى عالم الغناء، وسبحان الله هناك تشابه بينى وبينه فى التكوين الجسمانى، كما أن جذوره تنتمى إلى محافظة الشرقية، فى حين أننى بالفعل أستاذ فى جامعة الزقازيق، ومن شدة حبى للعندليب الأسمر أعلق على جدران مكتبى بكليتى صورة عبدالحليم حافظ أثناء عزفه على آلة الأوبوا، ولا أستطيع أن ألقب نفسى بـ«عندليب الأوبوا»، ولكن الحكم يبقى عادة لجمهور حفلاتى بالأوبرا.
من الذين تأثرت بهم فى مشوارك الفنى من كبار العازفين وقادة الأوركسترات على مستوى العالم؟
بلا شك أننى تأثرت بالمدرسة الفرنسية فى القيادة، لما لها من طابع مميز عن غيرها من مدارس القيادة الأخرى على مستوى العالم، فقد عملت مع المايسترو «دالوا» فى أوركسترا البحر المتوسط، وهناك المايسترو الفرنسى «باتريك» الذى قاد داخل أوبرا القاهرة عرض أوبرا «تاييس»، كما أننى تأثرت بأعمال المؤلف الموسيقى الفرنسى وعازف البيانو بول موريا الذى لقبه البعض بأنه السهل المستمع، ولكننى أراه السهل الممتنع لأنه يعد أول مَن أعاد صياغة الأعمال الموسيقية الكلاسيكية لجمهوره بشكل جديد، حيث أضاف إليها موسيقى إلكترونية، وبدأ يكتب لآلات النفخ النحاسية والخشبية بأسلوب مختلف؛ فوصل للعالمية، وانتهجت أسلوبه فى إعادة تقديم المؤلفات الكلاسيكية للجمهور بشكل جديد، لأننى كنت معجبًا به جدًا.
ومن شدة تأثرى به قمت بإعادة صياغة موسيقى باليه «بحيرة البجع» فى أولى حفلاتى مع أوركسترا سفنكس السيمفونى، وأدخلت عليها الموسيقى الإلكترونية باستخدامى للـ«كى بورد والبيز جيتار والدرامز ومجموعة الجيتارات المختلفة»، وهذا ما أجريته أيضًا مع «رقصات برامز» المستوحاة من الموسيقى الشعبية المجرية، كما أننى تأثرت بالمايسترو الهولندى «أندريه ريو» الذى يبهر العالم سنويًا بإقامته حفلة عالمية فى ليلة رأس السنة ويحضرها الملايين من الجمهور، فهذان الفنانان من قادة الأوركسترات العالمية هما مَن كانا أكثر من غيرهما تأثيرًا فى مسيرتى الفنية.
ما الدافع وراء تأسيسك لأوركسترا سفنكس السيمفونى؟ وما سبب تسميتك لها بهذا الاسم؟
عندما بدأت فى تكوين هذه الأوركسترا كان عدد العازفين بها يبلغ ستين عازفًا غير الصوليستات والكورال، وأحيانًا يتجاوز عدد العازفين بها فى بعض حفلاتى مائة عازف وفقًا لطبيعة الأعمال التى نقدمها فى هذه الحفلات، كما أننى قررت إطلاق اسم «سفنكس» عليها؛ للتعبير عن هوية انتمائى لحضارة مصرنا الحبيبة.
قيامى بالعزف مع الأوركسترات العالمية بالخارج خلق لدىّ نوعًا من الرغبة لتأسيس هذه الأوركسترا، لأننى اكتشفت أثناء جولاتى الفنية على مستوى العالم أن هناك كمًا هائلاً من الأعمال الفنية المتميزة للعديد من المؤلفين الموسيقيين العالميين، فتساءلت: لماذا لا يكون لدىّ أوركسترا أقدم من خلالها هذه الأعمال الموسيقية بلغتنا وإحساسنا المصرى، ولذلك قررت أن أؤسس «أوركسترا سيمفونى» منذ عام 2000، لتقديم هذه الأعمال الموسيقية برؤية فنية جديدة دون المساس بالمكنون الأصلى لهذه الأعمال الإبداعية، ولذلك حاولت من خلال تأسيسى لأوركسترا سفنكس السيمفونى تحقيق معادلة فنية وحسية باستعانتى. على سبيل المثال بمطرب شاطر يغنى الأعمال موسيقية المصرية الكلاسيكية بشكل يغلب عليه طابع الحداثة، كما أننى قدمت فى بادئ الأمر أعمالاً موسيقية كلاسيكية، وقدمت حفلات عن الموسيقى التصويرية لبعض الأفلام السينمائية المعروفة، ومنها أفلام الكرتون المنتجة فى «ديزنى لاند» رغم أن هذه المؤلفات الموسيقية تتميز بالصعوبة ويحبها الجمهور، فإننى قدمتها بوازع حبى لمواجهة أى تحدٍّ فنى لإثبات أننا قادرون بإمكاناتنا المتاحة أن نقدم حفلات لا تقل عما تقدمه الأوركسترات فى الخارج، وفوجئت بإقبال جماهيرى كبير من كافة الأعمار على أولى حفلاتى فى هذا الإطار، ما جعلنى أعيد تقديمها فى اليوم التالى بالمسرح الصغير بدار الأوبرا ومنها فيلم «ليون كينج»، و»سندريلا» وغيرهما من أفلام كرتونية عالمية، وكان هدفى من ذلك تقديم أعمال موسيقية متنوعة وفى الوقت نفسه نعزف موسيقى جميلة لكى ننمّى لدى جمهورنا ذائقته السمعية الراقية، فى ظل ما يطاردهم من أعمال فنية من دون المستوى، وبصراحة المتلقى المصرى اعتاد على الاستماع للموسيقى العربية، ولذلك يجب عندما نرغب فى أن نقدم له الموسيقى الكلاسيكية فلا بد من أن ننتقى له هذه الأعمال بعناية لكى نضمن إقباله عليها لأنه لا يجب أن نسمعه عند بداية عهده بالموسيقى الكلاسيكية أعمال «تطفشه»، لذا أردت أن أقدم لجمهور حفلات أوركسترا سفنكس السيمفونى أعمالاً تجذبه إليها.
ورغم أننى أسست أوركسترا سفنكس السيمفونى منذ 26 عامًا، فإننى حرصت على أن أعمل فيها بالتوازى مع مشوارى الأكاديمى، لأننى أشغل منصب أستاذ دكتور بجامعة الزقازيق ومستشار اللجنة الفنية العليا وعضو بلجان المحكّمين بالمجلس الأعلى للجامعات وبأكاديمية ناصر العسكرية لدرجة الزمالة، كما أننى أدرس فى أكاديمية الفنون المصرية، حيث إننى عضو مجلس بها من الخارج، وفى الوقت نفسه أدرس بالمعهد العالى لفنون الطفل.
على أى أساس تختار برنامج حفلاتك والمطربين الذين يحيونها خاصة أنك قدمت معادلة فنية جمعت فى هذه الحفلات مجموعة من نجوم الطرب المصريين والعرب؟
هذه المعادلة لا بد أن تأتى بجديد، فينبغى أن أقدم كل فنان أستعين به فى حفلات أوركسترا سفنكس السيمفونى بشكل مختلف ومن خلال أعمال ذات جماهيرية بعيدًا عن أى تكرار حتى لا يُصاب المتلقى بالملل، فعندما شرعت فى عام 2012 فى الاستعانة بنجوم الغناء العربى أقمت أولى هذه الحفلات مع النجم الكبير مدحت صالح، حيث بدأت أعيد صياغة الموسيقى العربية بشكل كلاسيكى من خلال استعانتى بأوركسترا سفنكس السيمفونى بإعادة توزيع هذه الأغانى أوركستراليًا بما يخدم الموسيقى العربية، وبالفعل قدمت مشروعى الفنى بغناء النجم مدحت صالح فى هذه الحفلة لأغانى عبدالحليم حافظ وشادية وغيرهما، فكانت حفلة رائعة وتمت إعادتها مرة أخرى بناء على طلب الجمهور، ثم تلى ذلك حفلتى مع الفنان الكبير على الحجار بتقديمنا فكرة جديدة عن أعمال المؤلفين الموسيقيين الكبار الذين تعاونوا فنيًا معه فى مشواره الفنى وهم ثلاثة مؤلفين موسيقيين كبار، «عمر خيرت وعمار الشريعى وياسر عبدالرحمن»، وحققت هذه الحفلة مردودًا جماهيريًّا غير طبيعى.
وقد نجحت فى استقطاب بعض نجوم الغناء العربى من خلال ظهورهم فى حفلاتى، ومنهم مَن سبق لهم أن أقاموا حفلات مع مغنين عالميين وأوركسترات عالمية مثل المطربة هبة طواجى والملحن أسامة الرحبانى اللذين قد أتيا فى أول زيارة لهما إلى القاهرة من خلال أول حفلة لهما معى، حيث أقمت لهما ثلاث حفلات متتالية.
البعض يرى أنك حاولت تجنيس الفنانين العرب الذين استعنت بهم فى حفلاتك غنائيًا باللهجة المصرية؟
حب مصر يكمن داخل كل قلوب العرب، لأننى لم أجد من أى فنان عربى أى اعتراض عند طلبى منه الغناء باللهجة المصرية أو الغناء لمصر؛ بالعكس المطربة اللبنانية هبة طواجى رحبت بغنائها باللهجة المصرية، التى قد يجد فيها بعض اللبنانيين صعوبة، حيث أُقيمت أولى حفلاتى معها تحت سفح أهرامات الجيزة لإيمانى بضرورة أن ما أقدمه من فن لا بدّ أن يدعم الدولة المصرية من خلال تنشيطنا للسياحة المصرية، وأصررت على أن نعزف السلام الجمهورى المصرى بمصاحبة عازف البيانو اللبنانى أسامة الرحبانى كدعوة منا لكافة طوائف العالم لزيارة مصر وطن الأمن والأمان، ومن أهم الأعمال التى قدمتها مع هبة طواجى وأسامة الرحبانى فى هذه الحفلة انطلاقًا من حبى لوطنى أننى اقترحت عليهما أن يقدما عملاً باللهجة المصرية لأول مرة، فقررنا أن أفضل هدية نقدمها للجمهور المصرى هى أغنية «سلم على مصر» فى عام 2018، كما أننى جعلتها تغنى من تراث سيد درويش «طلعت يا ماحلى نورها».
فلا يوجد فنان سواء مصريا أو عربيا اشترك فى حفلاتى إلا وغنى لمصر تعبيرًا عن حبنا الجارف لبلدنا، لأن مصر كما ذكرتها المطربة اليمنية «بلقيس» أثناء مشاركتها فى إحدى حفلاتى بالمسرح الكبير بدار الأوبرا المصرية فى أحد مقاطع أغنيتها لدولتها «رجعنا لحضنك يا أبية لحضن الأمة العربية يا مصر»، فحفلاتى ما هى إلا رسائل واقعية فى حب مصر.
غياب المكاتب الفنية داخل كل الفرق بالأوبرا أدى لانفراد مديريها باتخاذ القرارات الفنية ما أثر على مستوى بعض عروضها، ماذا تطمح لدار الأوبرا خلال الفترة القادمة؟
لا يوجد فى الوقت الحالى تفعيل لهذه المكاتب الفنية داخل جميع الفرق الفنية بالأوبرا، ويُسأل فى ذلك المسئولون عنها، لأنه من صميم لائحة العمل بالأوبرا تفعيل المكاتب الفنية التى تساعد على وضع البرامج الخاصة بكل فرقة، علمًا بأن وجود هذه المكاتب أمر صحى يساعد على تطوير أداء الأوبرا فنيًا بحسن اختيار برامجها التى تحتاج بشكل عام إلى رؤية تطوير فى هذه البرامج وكذلك البنية التحتية من خلال تطوير بعض المسارح من حيث خشبة المسرح وأجهزة الصوت والإضاءة والبنية المؤسسية. أما فيما يخص الجانب الفنى، فإنه لا بد من أن نقدم برامج فنية جديدة، فلا يجب أن نستعين بفنان معين ويكرر برنامج حفلاته فى كل مرة للجمهور، فنجد هذا الفنان يشارك فى مهرجان الإسكندرية الصيفى ومهرجان القلعة ومهرجان الموسيقى العربية بنفس المحتوى الفنى، ومن المؤكد أن هؤلاء الفنانين الكبار هم مكسب لدار الأوبرا، لكن ينبغى عندما يشترك أحدهم فى أى مهرجان من هذه المهرجانات أن يقدم رؤية فنية مختلفة، لأن كل متلقٍّ يختلف باختلاف المكان الذى تُقام فيه هذه الحفلات، لذلك لا بد من وجود لجنة أو مكتب فنى لكل هذه الحفلات والفرق لاختيار أجود الأعمال الفنية وعدم تكرارها، كذلك لا بد من الاهتمام بالبنية المؤسسية والتى تندرج تحتها ضرورة صيانة الآلات الموسيقية التى تمتلكها الأوبرا بشكل دورى، لأنها تستهلك أثناء الموسم الفنى للأوبرا، فكل هذه الأمور تدخل ضمن مساحة أحلامى للنهوض بدار الأوبرا.