فى قلب الإسكندرية، حيث تتعانق رائحة البحر مع عبق التاريخ، يمتد شارع فؤاد كصفحة مفتوحة من كتاب الزمن، يروى حكايات مدينة لم تتوقف يومًا عن إعادة اكتشاف نفسها. هنا، لا تسير على طريق عادى، بل تخطو فوق طبقات متراكمة من الحضارات، بدأت منذ العصر البطلمى فى القرن الثالث قبل الميلاد، ولا تزال تنبض بالحياة حتى اليوم.
بمجرد دخولك هذا الشارع العتيق، تشعر وكأنك تسير داخل لوحة فنية تعكس جمال الحقبات الزمنية المتعاقبة؛ مبانٍ تحاكى طراز ميلانو وأثينا، وأرصفة شهدت مرور تجار وعلماء وأولياء من شتى بقاع العالم. شارع فؤاد ليس مجرد طريق، بل ذاكرة مدينة كوزموبوليتانية، احتضنت ثقافات متعددة فى تناغم نادر، فصنعت لنفسها هوية لا تشبه سواها.
ورغم ما مرّ به من تحولات وتحديات عبر العصور، ظل الشارع صامدًا، محتفظًا بروحه وأصالته، ليبقى شاهدًا حيًا على تاريخ الإسكندرية، وأحد أقدم الشوارع فى العالم التى لا تزال تنبض بالحياة حتى الآن.
يعكس شارع فؤاد بالإسكندرية حضارة المدينة «الكوزموبوليتانية»، ذلك الوصف التاريخى والثقافى للمدينة كملتقى للحضارات المختلفة، فتعايشت ثقافات وأعراق متنوعة ما بين يونانية وإيطالية وفرنسية وأندلسية وغيرها بتناغم وتواؤم، كما يوضح دكتور إبراهيم رجب، أستاذ التاريخ والحضارة الإسلامية، ورئيس لجنة الحفاظ على التراث بجمعية رواد الإبداع.
يحتوى الشارع على مزيج من البنايات القديمة التى حملت ثقافات متنوعة، منها عدد من المقامات والأضرحة وبعض الآثار الإسلامية، فكان هذا الشارع مجمعًا وملتقى لعدد كبير من المشايخ والعلماء الذين قصدوا مدينة الإسكندرية، ويعود موطنهم الأصلى إلى بلاد المغرب الإسلامى والأندلس وبلاد الحجاز.
المعالم الدينية بشارع فؤاد
يضيف دكتور رجب: إذا تحدثنا عن أشهر المعالم الدينية فى هذا الشارع حاليًا، فيأتى فى المقام الأول مسجد العطارين، إذ تم بناؤه فى العصر الفاطمى على يد الوزير بدر الدين الجمالى، حينها جُمعت الأموال من التجار، خاصة تجار العطارة، لإتمام عملية البناء، لذلك أُطلق عليه مسجد العطارين، ليصبح من أشهر مساجد المدينة فى تلك الحقبة وحتى يومنا هذا. لم يكن المسجد مقتصرًا على إقامة شعائر الصلاة فقط، بل جاءت أيضًا أهميته من إلقاء الدروس به من قبل العلماء الكبار، مثل الشيخ أبو الحسن الشاذلى الذى حضر من تونس واستقر فى منطقة كوم إيناس التى تحمل حاليًا اسم كوم الدكة، وكان من تلاميذ الشيخ الشاذلى أبى العباس المرسى، الذى كان أيضًا من بلاد الأندلس.
يتمتع شارع فؤاد بوجود عدد من المقامات، منها مقام يعقوب بن محمد، المحدث الكبير الذى حدّث عن الصحابي الجليل أبى هريرة وغيره، ويقال إنه دُفن فى هذا المكان، بينما يرى آخرون أنه دُفن فى المدينة بالحجاز، ويُعد هذا المكان مجرد رمز له، كونه كان يعيش فيه. أيضًا يوجد مقام آخر يُطلق عليه سيدى عبد الله بن زين العابدين، ومقام سيدى مفرح العارف بالله، وعُرف بأنه ولى صالح من أولياء الله الصالحين بالإسكندرية، ويُنسب إليه بعض الموروثات الشعبية، فيأتى بعض الناس إليه، سواء من داخل الإسكندرية أو من خارجها، للتبرك به. كذلك يوجد الكثير من المقامات بمنطقة كوم الدكة التى تبعد خطوات عن شارع فؤاد.
وعن سبب وجود مثل هذه المقامات فى هذا الشارع بالتحديد، يوضح د. رجب أن سور الإسكندرية القديمة كان قائمًا من الناحية الشرقية على مقربة من «فؤاد»، وكذلك من الناحية الغربية باب سدر، الذى كان معروفًا بباب المدينة، حيث كانت مساحة الإسكندرية حينها صغيرة، وكان شارع فؤاد الأشهر.
ويختتم رئيس لجنة الحفاظ على التراث بجمعية رواد الإبداع بأنه لا يوجد عدد محدد لمقامات الإسكندرية عامة، إلا أن المؤرخ المتوفى الأستاذ الدكتور جمال الدين الشيال قام بإعداد مؤلف كبير عن أعلام الإسكندرية فى العصر الإسلامى، وذكر عددًا كبيرًا من المشايخ، من ضمنهم المشايخ الذين ذُكروا، والتى تُشرف عليها الطرق الصوفية.
أقدم شوارع مصر
وفى السياق ذاته يروى دكتور إسلام عاصم، أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر ونقيب المرشدين السياحيين الأسبق، تاريخ «شارع فؤاد» الحديث، قائلًا إنه أحد أهم شوارع مدينة الإسكندرية على الإطلاق، كونه أقدم الشوارع الموجودة، ليس فى الإسكندرية وحدها بل على مستوى الجمهورية، ويعتبره المؤرخون الشارع الأقدم الذى ما زال يُستخدم كشريان هام منذ إنشائه فى القرن الثالث قبل الميلاد فى عهد الإسكندر الأكبر، حينما كلف «دينوقراطيس» بتخطيط المدينة، فبدأوا بتخطيط شارعين رئيسيين متقاطعين أفقى ورأسى.
ويشير د. عاصم إلى أنه، بالرجوع إلى العصر الرومانى اليونانى عند إنشاء وتأسيس المدينة، كان يحدها من جهة باب يُسمى باب الشمس، ومن جهة أخرى باب يُسمى باب القمر، وكانت المدن فى هذه الفترة لها أسوار وأبواب، فهناك علماء غربيون، وبالتحديد من إيطاليا، قالوا إن هناك دراسة علمية تؤكد أن تخطيط المدينة كان بحيث تتعامد الشمس على هذا الشارع فى يوم ميلاد الإسكندر الأكبر.
ويتابع: تعددت أسماء الشارع، ففى العصر الإسلامى أُطلق عليه «المحجة الكبرى»، ثم أُطلق عليه شارع رشيد نسبة إلى إحدى بوابات المدينة حينذاك المؤدية إلى مدينة رشيد، التى كانت موجودة ناحية باب شرق، وحاليًا قسم باب شرق، وظل بهذا الاسم فترة طويلة من الزمن، وبعد استقلال مصر عام 1922، أُطلق عليه شارع الملك فؤاد، واستقر على هذا الاسم حتى بعد ثورة 1952، فأُلغيت هذه الأسماء وسُمى طريق الحرية، ثم أُطلق عليه طريق الزعيم عبد الناصر، إلا أن اسم شارع فؤاد هو الذى ظل متداولًا.
ويلفت إلى أن شارع فؤاد من الشوارع التراثية الموجودة بالمحافظة لارتباطه بعدد من المبانى التراثية الهامة، خاصة فى العصر الحديث، وضمن هذه البنايات؛ مقر مؤسسة الأهرام، ومبنى مديرية الصحة، والمركز الثقافى الإسبانى «ثربانتس»، وكوبانية مياه الشرب بالإسكندرية، التى صُنفت أول شركة مياه فى الشرق الأوسط وأفريقيا، وضمن الأقدم عالميًا، ومركز الحرية للإبداع التابع لوزارة الثقافة، الذى كان قبل ذلك وكالة طوسون، التى عُرض فيها أول فيلم سينمائى خارج فرنسا، وقصر باسيلى الذى أُنشئ مكانه المتحف الرومانى، وأوبرا سيد درويش. كذلك كان يقطن فيه الكثير من العائلات الشهيرة بالمدينة، ومنها عائلة عاداه، وعائلة بينى، وعائلة منشى، وعائلة أجيون، فتاريخ الشارع، بما مرّ عليه من أحداث، بداية من العصر القديم مرورًا بالعصر الإسلامى وانتهاءً بالعصر الحديث، يعكس مدى تعايش المدينة السلمى وتقبل معتقد الآخر دون تشدد أو رفض، خاصة أنه كان يقطن المدينة، فى فترة من الفترات، ما يقرب من خمسين جنسية.