فى هذا السياق، يقول الدكتور محمد مشهور، أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر بكلية الآداب بجامعة أسيوط: إن مسجد الكاشف يعد من أقدم المساجد فى أسيوط، فقد تم تأسيسه عام 1226هـ/1811م، وهو ما يزيد عمره على 200 عام حتى اليوم، وقد أسسه الأمير محمد الكاشف بك زاده، أحد كبار القادة فى تلك الحقبة، وسجل التاريخ اسمه فى نص التأسيس الذى ما زال محفوظًا فوق مدخل المسجد، كما أن المسجد يقع فى منطقة القيسارية بمدينة أسيوط، وتحديدًا فى امتداد شارع القيسارية المعروف بـ«العِتبة الزرقاء» فى قلب الحى التاريخى، مما يجعله قريبًا من حيوية الحياة التقليدية والثقافية فى المدينة.
وأضاف «د. مشهور» أن «المسجد يشتهر بمئذنته العالية التى كانت من أطول المآذن فى أسيوط، مكونة من عدة طوابق بزخارف هندسية دقيقة من الطوب والجص، فيما تبرز واجهاته بطابع عثمانى على الطراز التقليدى، رغم مرور عقود طويلة عليه. أما بالنسبة من الداخل، فيعكس المسجد فخامة التصميم البسيط والمبدع فى آن واحد، يتوسطه هيكل من الأعمدة الحجرية التى تقسم المصلى إلى صفوف منتظمة، كما يحتوى على محراب جميل مُزين بزخارف ملونة وأعمال خزفية تمثل تطور الفن الإسلامى فى تلك الحقبة، بالإضافة إلى المنبر الخشبى الأصيل ذى النقوش الرائعة يبرز كتحفة فنية داخلية، والنوافذ الخشبية والجصية تحمل زخارف نباتية وهندسية تختلف من شباك لآخر».
وذكر «د. مشهور»، أن «هناك كثيرًا من عمليات الترميم والتطوير التى مرت على المسجد خلال السنوات الماضية، حيث خضع مسجد الكاشف لأعمال صيانة وترميم عدة، أبرزها ورود المسجد ضمن المشروعات التى أشرفت عليها وزارة السياحة والآثار صوب ترميم المساجد التاريخية فى المحافظة، ومنها افتتاحه بعد إعادة صيانته ليعود للعمل مكانًا للعبادة واستقبال المصلين بعد توقف مؤقت، وتأتى هذه الجهود فى إطار اهتمام الدولة المصرية بالحفاظ على التراث العمرانى الإسلامى، وإعادة الحياة إلى المبانى التاريخية بما يعزز الهوية الثقافية للمجتمعات المحلية».
وأوضح «د. مشهور»، أن المسجد تابع إلى وزارة الأوقاف المصرية بالتنسيق مع وزارة السياحة والآثار، وهما الجهتان المسئولتان عن إدارة الأماكن الدينية والتراث الإسلامى، وكذلك عن تنفيذ عمليات الترميم والحفاظ على المبانى التاريخية فى صعيد مصر.
الدور التاريخى والحديث للمسجد، كما نوه أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر بكلية الآداب بجامعة أسيوط، قديمًا كان مسجد الكاشف أكثر من مجرد مكان للصلاة، فقد كان مركزًا روحيًا واجتماعيًا فى حى القيسارية، يجمع الناس للصلاة والتلاقى، كما كان ملتقى للنقاشات الفكرية والتعليم الدينى، وحديثًا، استعاد المسجد دوره كمنارة دينية حية فى المجتمع المحلى بعد عمليات الترميم. واليوم، يستضيف الصلوات الخمس، دروس العلم، وفعاليات دينية مجتمعية، مما يعيد له مكانته التى طالما عُرف بها عبر القرون.
وأكمل حديثه، أن «المسجد مرتبط بالهوية المحلية للمكان، حيث يمثل مسجد الكاشف جزءًا أصيلاً من هوية حى القيسارية بأسيوط؛ إذ ارتبط اسمه بالحياة اليومية للسكان، وأصبح علامة مكانية يهتدى بها الأهالى والزائرون، بما يعكس العلاقة الوثيقة بين العمارة الدينية والذاكرة الجمعية للمجتمع المحلى، كما ارتبط المسجد بعدد من الحكايات الشعبية المتوارثة بين الأهالى، خاصة ما يتعلق بالمناسبات الدينية الكبرى مثل شهر رمضان والمولد النبوى، حيث كان المسجد نقطة تجمع رئيسية، تُقام فيه الصلوات والاحتفالات والأنشطة الاجتماعية، ما جعله حاضرًا فى الوجدان الشعبى عبر الأجيال، ويتميّز مسجد الكاشف بكونه أحد النماذج القليلة المتبقية للمساجد العثمانية فى صعيد مصر، وهو ما يمنحه قيمة خاصة عند مقارنته بمساجد معاصرة له فى محافظات أخرى، حيث حافظ على عناصره الأصلية رغم التغيرات العمرانية المحيطة».
وأكد «د. مشهور»، أن هناك دورًا تعليميًا وثقافيًا للمسجد، حيث لم يقتصر دور المسجد تاريخيًا على العبادة فقط، بل كان له دور تعليمى بارز فى تحفيظ القرآن وتعليم العلوم الدينية، وهو الدور الذى يسعى القائمون عليه إلى إحيائه اليوم من خلال الدروس والأنشطة الثقافية والدعوية.
وهناك العديد من التحديات التى تواجه المسجد، وعلى الرغم من أعمال الترميم، لا يزال المسجد يواجه تحديات تتعلق بالزحف العمرانى والرطوبة وتأثيرات الزمن، وهو ما يتطلب متابعة دورية وخطط صيانة مستمرة لضمان الحفاظ عليه كمعلم أثرى ودينى فى آن واحد، وفى كل حجر من أحجار مسجد الكاشف تروى قصة زمن، وفى كل زخرفة تلمح روح فنان ترك بصمته على مر العصور، هذا المسجد ليس مجرد بناء حجرى، بل هو شاهد حى على تاريخ عميق وثقافة نابضة بالحياة فى قلب الصعيد المصرى.