حاله كحال حسن أرابيسك، تلك الشخصية التى رسمها الراحل أسامة أنور عكاشة عام 1994 فى مسلسله الذى حمل نفس الاسم. إنه عم «إسماعيل» الشخصية الحقيقية «من لحم ودم» تعيش وسط أحياء القاهرة العتيقة. أسطى فنان لكن لم تعد صنعته مطلوبة كما كانت. حتى إنه بات يقضى يومه على المقهى القريب من منزله المتواضع. بعدما وهن جسده وفقد جزءا من بصره. تحدث بنبرة انهزامية منكسرة بعد أن فشل فى إقناع أى من أبنائه فى تعلم حرفة آبائه وأجداده. أربعون عاما قضاها وسط الأخشاب مع والده يتعلم منه فنون صنعة «الأويمه»، كما ورثها من عائلته عبر أجيال متعاقبة. لكنه فشل فى تسليم التركة لأبنائه. مرددا قوله: «فضلوا العمل الحكومى..». وتنهد بحسرة فلم يعد أصحاب الورش يحتاجون إلى خبراته. الكل تخلوا عن الميراث الذى حلت محله الحليات الجاهزة رخيصة الثمن. «كلنا حسن أرابيسك..» قالها وهو يسارع إلى بيته حزينا بعدما فقد عمله ودخله، ولم يعد يملك من المال إلا ما يعينه على الحياة الزهيدة فقط.
حاله لا يختلف عن أحوال آلاف من الكنوز البشرية الحية. فقر وعوز، شعور بعدم التقدير، نكران بقيمة ما ورثوه من مظاهر وممارسات ومعارف تمثل الهوية المصرية الأصيلة. حيث تلاشت فكرة الأسطى واندثرت شخصية المعلم الذى يفتح ورشته ليعلم صنعته لأجيال من بعده. ينقل ما ورثه لمنْ يملك الموهبة كى يظل تراثنا حيا. لكن الحال لم تعد هى الحال. تلاشت مهن يدوية تراثية كثيرة ومعها اندثرت مدارس الأسطوات. وقضى المهرة نحبهم دون أن يهتم أحد فى حفظ الصنعة ونقلها. حتى فقدت منتجاتهم اليدوية مكانتها فى الأسواق. فهى مكلفة ونادرة ولم يعد أحد يقدر على تصنيعها أو دفع تكلفتها.
«أكثر من 350 حرفة وصنعة يدوية موروثة ثقافية غير مادية باتت مهددة بخطر الاندثار..» هكذا تحدث الفنان والكاتب محمد بغدادى عضو مجلس أمناء بيت التراث المصرى والجمعية المصرية العامة للمأثورات الشعبية، والذى ظل عضو لجنة التراث بالمجلس الأعلى للثقافة لعشر دورات متتالية، وهو الخبير العلمى لملف الخط العربى الذى تم تسجيله على قائمة التراث غير المادى بمنظمة اليونسكو. مرددا: «إذا رحل عن عالمنا رجل من الكنوز البشرية يحمل الكثير من التراث، كأنما احترقت مكتبة مليئة بكنوز التراث..» مؤكدا أن كلمات مفكر إفريقى يصف بها بشكل دقيق أهمية منْ يحملون التراث غير المادى فى المجتمعات. هم بالفعل كنوز بشرية لا تزال حية يمثلون مشايخ الصنعة فى كل مجالات الحرف التقليدية. موضحا أن تلك الحرف الموروثة تمثل فى بلد مثل الصين أكثر من 60 فى المائة من الدخل القومى. وكذلك فى الهند والمغرب. حتى إن بلدا مثل فرنسا نجد أن دخلها القومى يعتمد بشكل أساسى على نتاج الحرف التقليدية والصناعات الثقافية الإبداعية أكثر من صناعة السيارات التى تشتهر بها.
للأسف.. مصر لم تعد تهتم بمصير حملة التراث والحرف التراثية على حد قول «بغدادى»، مشيرا إلى أن الدولة المصرية تتلقى بشكل مستمر تقارير من مختلف اللجان المهتمة بالتراث ومنها لجنة التراث غير المادى لتحسين أوضاع الكنوز البشرية، لكنها اجتهادات وآراء فقط، لا تملك حق اتخاذ القرار.
ما يحدث اليوم على أرض مصر هو وضع غير مطمئن على الإطلاق ويحتاج إلى تدخل سريع وحماية واجبة. فالطقوس والممارسات الشعبية، الأغانى والتراث الشفاهى، المظاهر الاحتفالية، الحرف اليدوية، كلها بدأت تتناقص وفى طريقها إلى الاندثار بموت أصحابها دون توريث. والأخطر من وجهة نظر «بغدادي» هو أن محاولات الإنقاذ قد تقوم على إدخال تحديثات أو تغييرات بحجة التطوير والرغبة فى مزيد من الأرباح، مما قد يفقدها هويتها الموروثة الأساسية. ويضرب مثالا بالغناء الشعبى المتوارث الذى تحول إلى أغانى مهرجانات.. قائلا: «علينا الاهتمام بالتطوير إلى الأفضل عبر مراعاة الجودة وحسن الاستثمار.. مثل الصناعات اليدوية التقليدية التى قد تجذب السائح أو الزائر وتدفعه لشراء منتجاتها».. وهو ما قد يسهم فى زيادة الدخل القومى للدولة.
أما فيما يتعلق بحياة البشر ورثة التراث غير المادى، فحياتهم تحتاج إلى رعاية اجتماعية واقتصادية عاجلة، مشيرا إلى طرح مشروع خاص يضمن توفير تأمينات اجتماعية لكل الكنوز البشرية الحية، يضمن حياة كريمة ودخلا ماديا شهريا من الدولة «قدمناه لوزارة التضامن الاجتماعى لكن دون استجابة.. مؤكدا أن المشكلة تكمن فى انقطاع سلسال التراث بعدما رفض الأبناء أو الأحفاد ممارسة صنعة أو حرف الأجداد. على سبيل المثال صُناع الحصير أو الأقفاص، النسيج أو الكليم، الفخار، الخيامية أو أى مهنة يدوية موروثة يستنكف أبناؤهم ممارسة نفس صنعة آبائهم. فهى مهن فقيرة قليلة الدخل بالمقارنة بما قد يتحصلون عليه جراء قيادة التوكتوك على سبيل المثال. وكثير من الأبناء هجروا المهن اليدوية والتحقوا بالجامعات والمعاهد وأصبحوا أطباء ومهندسين ومعلمين وموظفين. وهنا تصبح الحاجة ماسة وضرورية لتطبيق كافة إجراءات الصون العاجل للمهن والممارسات التراثية، خاصة التى لم تعد ضمن موروثات مجتمعها أو فى بيئتها التى نشأت فيها. وهو ما واجهته مصر فى مهنة الأراجوز وفنون خيال الظل المهددة بالاندثار على سبيل المثال.
وهو المصير الذى كاد يقضى على فنون الخط العربى فى مصر وكل ما ارتبط به من مهن متوارثة. ويكشف «بغدادي» أن وزارة الثقافة قدمت دعما عاجلا أسهم فى إقامة حوالى 15 مدرسة لتعليم فنون الخط العربى على مستوى الجمهورية. جاء ذلك بعدما أصبحت تلك المهنة مهددة بالاندثار جراء قرار وزارى آخر غير مدروس. ويكشف «بغدادى» عن صدور قرار كارثى بإلغاء مدارس الفصل الواحد التى كانت تتبع وزارة التربية والتعليم، وتصل فيها سنوات الدراسة إلى أربع سنوات. للأسف جاء وزير سابق وأحال تلك المدارس إلى مدارس التعليم الصناعى على اعتبار أن منْ يتعلمون فنون الخط هم «نقاشين.. بتوع زخرفة»، وقتها «خضنا حملة شرسة لإرجاع تلك المدارس كى تتبع وزارة الثقافة، أملا فى تعليم طلاب جدد فنون الخط العربى على اعتبارها من الحرف اليدوية المتوارثة».
تلك هى مشكلة التراث غير المادى فى مصر، كل جهة أو وزارة أو مؤسسة تسعى إلى الاستحواذ على ما تملكه من تراث يدوى ثقافى غير مادى وترفض التفريط فيه. وفى الوقت نفسه بعض تلك الجهات تتعامل معه بشكل خاطئ لا يتناسب مع قيمته الحقيقية. بل قد تغفل حق منْ يحملون التراث، موضحا: «تقدمت من سنوات بطلب لإنشاء مجلس قومى أعلى للتراث الثقافى غير المادى يجمع أشلاء العناصر التراثية على أن يكون هناك تمثيل لكل الجهات المتناثرة داخل وزارة الثقافة والوزارات الأخرى والهيئات والمؤسسات التى تملك تراثا غير مادى، بما فيها المؤسسات الدينية مثل الأزهر والكنيسة القبطية دون رد أو استجابة».
وإذا نظرنا إلى بيت التراث المصرى التابع لصندوق التنمية الثقافية نجد أن دوره يقوم على التوثيق والتطوير والحماية والصون، لكن دوره يتعارض مع الجهات، بل إن هناك جهات داخل وزارة الثقافة نفسها تتصارع على ما تملكه من تراث موثق. على سبيل المثال لا الحصر نجد أن الجمعية المصرية للمأثورات تمتلك آلافا من عناصر التراث غير المادى من الأغانى والأشعار والتسجيلات والمنتجات التى تمثل كنزا ضخما غير مسبوق. وهناك أطلس الفلكلور الذى تفرق دمه بين عدة جهات. وبالتالى وجب على وزارة الثقافة أولا القيام بدورها وجمع شتات التراث غير المادى المبعثر داخلها كى تضخه فى سلة واحدة حتى يسهل الحفاظ عليه وصونه. ويختتم «بغدادى» كلماته بقوله: «كل يغنى على ليلاه».
«نحتاج إلى قانون حماية الكنوز التراثية كما هو حال قانون حماية الآثار..» تلك هى رؤية الدكتور جمال مصطفى مدير مركز إبداع قصر الأمير طاز ومستشار وزير السياحة والآثار لشئون الآثار الإسلامية والقبطية واليهودية. الأمر لم يعد يحتمل انتظارا، ووجب على وزارة الثقافة وما تحتضن من قطاعات عديدة، وكل منها يحتوى على كنوز من تراث غير مادى، أن تتقدم بقانون مخصص لحماية التراث والكنوز البشرية الحية، مؤكدا أن الوضع اليوم «غير منطقى» على حد وصفه، قائلا: «لم يعد مقبولا أن تظل كنوز التراث المصرى تحت سيطرة حفنة من الموظفين دون أن يحكمهم قانون..».
كما أشار الدكتور مصطفى «إلى أهمية وجود مجلس أعلى للتراث غير المادى يضم متخصصين يمثلون لجنة علمية دائمة، ويكونون بمثابة العقل الذى يحافظ على الكنوز التراثية فى كل مكان، مضيفا: «وقتها يسهل التعامل مع كل كنوز التراث البشرية ومع ما يملكونه من موروثات عبر زيارات متعددة.. واستقطاب الأجيال الجديدة وتأهيلها كى تواصل حمل رسالة التراث من بعد كبار أسطوات الحرف والممارسات والأداءات التراثية». وإن كان يرى أن الأمر يبدأ أولا بتجميع كل العناصر داخل هيئة تتبع وزارة الثقافة. وبعد اكتمال البناء يتم وضع قانون ومن بعده يتم تشكيل مجلس الخبراء، مشيرا إلى أن بناء مثل هذا الكيان من السهل أن يكون سريعا طالما داخل وزارة الثقافة، وهو الأمر الذى يجعل الانطلاق سهلا وفى صالح حماية التراث وصونه، ومن بعدها يمكن التنسيق مع مختلف الجهات والوزارات كى ينمو الكيان ويتحول إلى هيئة تستقطبهم جميعا ومنها المجلس الأعلى الآثار.
وفى المقابل كانت رؤية الدكتور نبيل بهجت أستاذ المسرح والجندى المجهول وراء وصول فنون خيال الظل والأراجوز إلى التسجيل على قائمة الصون العاجل للتراث غير المادى بمنظمة اليونسكو، فهو مهتم بتعريف منْ هو الكنز البشرى الحى، حتى يمكن تقديم ما يستحقونه من الحفاوة بهم وبما يصنعون. ويشدد على ضرورة التركيز على أهمية التوريث فى التراث غير المادى، وطرق البحث عن الكنوز البشرية الحقيقية وليست المزيفة التى باتت تشوه كثيرا منه. وهنا يتحدث عن أهمية تقييم التجارب التى نجحت فى التعامل مع التراث غير المادى، والتى من شأنها رسم الطريق الصحيح أمام تحويل الكم الضخم من التراث إلى اقتصاد، مطالبا بضرورة وضع استراتيجية عليا للاستثمار فى التراث غير المادى.
«التراث غير المادى يمكن له أن يصبح موردا استراتيجيا لا مجرد تاريخ قديم يمثل عبئا ويحتاج إلى رعاية..» على حد قول الدكتور «بهجت»، حيث يوضح أن الاستراتيجية العليا من شأنها حصر أعداد الكنوز البشرية فى مصر كلها، وهى القادرة على خلق شبكة متشعبة لجمعهم تحت لوائها. ووضع برامج للتدريب والتطوير لضمان استمراره حيا، إلى جانب تدعيم الجوانب الاقتصادية مثل فتح أسواق جديدة محليا أمام تسويق المنتجات. وإقامة المعارض الخارجية القادرة على جذب الاهتمام العالمى إلى جانب تحقيق إيرادات بالعملات الأجنبية. وبالتالى فإن حسن الإدارة يفتح آفاقا جديدة يمكن معها تحويل التراث غير المادى ومنْ يحمله إلى قوة ناعمة ومصدر دخل قومى.
وهو ما قد يتحقق داخل هيئة وطنية للتراث غير المادى من أجل توثيق وتسجيل فنونه وإبداعاته وممارساته فى كل أرجاء مصر. وتكون قادرة على وضع استراتيجية عمل تضم الأرشيف الوطنى للتراث الثقافى غير المادى، وتكون معنية بتطبيق إجراءات صون التراث بالحفظ والتوثيق والنقل والترويج وإعادة الإحياء. إلى جانب توفير الحماية اللازمة لكل الكنوز البشرية الحية فى مصر، وتعزيز الوعى العام بقيم التراث الثقافى. وفتح أبواب التواصل والحوار بين مختلف الجزر المتناثرة بين الهيئات والوزارات لتعميق فهم المجتمع لما يحويه التراث الغنى بالقيم والعادات والممارسات التى يتميز بها الشعب المصرى.
وللحديث بقية..