طرق كافورى فى أغنيته «ولاد الحرام» وكأنه يحدثنا عن ظاهرة العقوق الوطنى وفيها يقول: «فى شى اسمو عشرة حلوة وسنين وإيام آه ما بيهونو بعمرن إلا ع ولاد الحرام الحرام / جاوبنى إذا أنا غلطان..».
لم تتطرق المراجع الدينية أو المجتمعية لظاهرة «العقوق الوطنى»، أن تكون عاقًا لوطنك، ناكرًا جميله، متمردًا على ثوابته، منتميًا لغيره، لا تعتبر لتاريخه، ولا تحفظ حدوده، ولا تقف حارسًا على ثغوره، وتتهرب من واجباته، ولا تسدى للوطن حقوقه، العقوق الوطنى ظاهرة بغيضة ضربت نفرًا من الرخصاء المترخصين، تراهم يغتبطون فى مصائب الوطن، ويهللون ويكبّرون نكاية فى وطنهم، ويرقصون على ثوابت الوطن ومقدساته، ويغتبطون مع كل مصيبة وطنية.
من العقوق الوطنى (الترخص) التهليل والتشفى شماتة فى استشهاد الغلابة فى حريق شبّ فى قطار، أو انهيار جسر أو منزل، أو تأذى الوطن من نوائب الدهر، أو تأثر الاقتصاد بتداعيات الحرب كما هو حادث الآن. حالة من السعار الإلكترونى تتلبس الفجار، ويستبيحون التهليل والتكبير شماتة فى وطنهم الذى هو أصل وجودهم، لحم كتافهم من خيره، ويتكالبون على وطنهم الممتحن كما تتكالب الأكلة على قصعتها.
تهليل وتكبير نفر من المصريين الذين يتنكرون لأمهم (المحروسة بعناية ربها) فى مصابها، ترخص، وكأنهم مش مصريين، ولا وُلدوا فى مصر، ولا نبتت أجسادهم من خيرها، ولا عاشوا فى ديارها، ولا تربوا بين أعطافها، ولا شربوا من نيلها، تعاتبهم المطربة شيرين عبد الوهاب (سمراء النيل) فى أغنيتها الذائعة (ما شربتش من نيلها) وفيها تقول:
(ما شربتش من نيلها / طب جربت تغنيلها / جربت فى عز ما تحزن / تمشى فى شوارعها وتشكيلها / ما مشيتش فى ضواحيها / طيب ما كبرتش فيها / ولا ليك صورة ع الرملة / كانت الشط فى موانيها ..).
ولاد الحرام، يتمنون للمحروسة الشر كل الشر، وكلما حاق بها الشر باتوا سعداء مغتبطين، ومصر التى هى أصلهم، أصل الوجود ولو أنكرها الرخصاء المترخصون. مصر هى مصر، مصر أكبر من الثارات والعداوات والخلافات، كل هذا الذى يستعر بيننا من ثأر مقيم لا يعدو سطرا فى جملة اعتراضية فى سجل العظيمة مصر فى أمهات الكتب .
تُكمل شيرين عتابها الممزوج بالحزن الشفيف، (دور جواك تلقاها / هى الصُحبة وهى الأهل/ عِشرة بلدى بتبقى / نسيانها عَ البال مش سهل / يمكن ناسى لإنك فيها
مش واحشاك ولا غيبت عليها / بس اللى مجرب وفارقها / قال فى الدُنيا مفيش بعديها).
سنرحل جميعًا وتبقى مصر أمّاً ولوداً لأجيال ستأتي، وستعجب من هذا المهين الذى لا يكاد يبين، هذا الذى كرِه أمه، كره مصر، وتمنى لها الركوع والاستسلام، وطلب لأهلها الحصار، وتمنى قطع المساعدات، وتجويع أهلها، وحصارهم فى شِعب ضيق، ويطلب لهم الأعداء تأديبًا لخروجهم من بيت الطاعة الإخواني، حق عليهم العذاب.
الحكمة تقول: كلنا زائلون والباقى هى مصر، اكره نظامًا، اكره رئيسًا، كثيرون كرهوا خالد الذكر عبد الناصر ولكنهم لم يكرهوا مصر، ارفض نظامًا، أنى لك هذا، وشئت وشاء لك الهوى السياسي، كثيرون رفضوا السادات ونظامه، ومبارك ونظامه، وما كرهوا مصر، ولا رخصوا ولا ترخصوا، ولا نزلوا هذا الحضيض الذى يتترون فيه .
اكره يا كريه، يا رخيص، ولكن أن تكره مصر، هذا والله لكبيرة إلا على الإخوان والتابعين.
سيبك من معزوفة المعارضة خيانة، وعِمالة، الموالاة وطنية، سيبك من تخوين هذا لذاك، خلينا فى همنا الكبير، خلينا فى مصر التى تستحق الوفاء .
العقوق الوطنى خطر لو تعلمون مخيف، هل آذتك مصر يومًا، معطاءة منذ الأزل، هل هنت أنت على مصر يومًا، رؤوم طوال تاريخها، هل عاقبتك مصر يومًا، حتى الأمهات فى قعور البيوت تدعو على أبنائها العاقين وقلبها الطيب يستغفر.
هل ستكون سعيدًا بخرابها، هل تحققت الأمنيات العقور، هل ثأرت من أهلك وشعبك، هل انطفأت النيران المستعرة داخلك؟ تنفخون فى الكير يلفح شرره الوجوه .
يوم تخرب مصر، أنتم وأهليكم وقود الخراب، ستحيق بنا جميعًا المأساة.
لا أعرف سوابق تاريخية لهذا العقوق الوطني، ولا أريد أن أعرفها، إن خرج من صلبها منْ يفرح فى حزنها، أو من ظهرها منْ يغتبط لخرابها، ومن رحمها منْ لا يرحم ضعفها، حتى الغاضب منها يومًا قال فيها شعرًا: «بلادى وإن جارت علىَّ عزيزة، وأهلى وإن ضنوا على كرام»، لم يلعنها كما تفعلونها على السبحة، فيه حد يسب أمه، فيه حد ينعت أمه بفاحش القول، منْ يبلغ عن أمه منظمات ومؤسسات ويطلب لها العقاب، رخيص قوى نموذج ومثال للرخص.
للأسف جاء علينا زمان يتنكر الابن لأبيه وأمه وبنيه، يوم القيامة إذن، هل قامت القيامة ونحن عنها غافلون، أتنكرون مصر، لا أبا لكما، قد ضل منْ كانت العميان تهديه .
الله يرحمه الخال عبد الرحمن الأبنودى قال: العدو زمان كان من بره البلد، دلوقتى بقى من جوه البلد، من بين الصلب والترائب، يا حزنى على البلد التى خرج من صلبها ولد ينكرها ويستعدى عليها منْ لا يرحمها، ويتنكر ويترخص باسمها وهى فى أعلى عليين.
حالة الشماتة والحقد والثأرية التى بات عليها نفر معلوم من المصريين اسمًا ولقبًا، يحزَن من الحزن، فرحان فى مصايب مصر يا رخيص، مسرور يا مسرور السياف، يا رخيص ترفع شعار رخصك علانية، فعلًا اللى اختشوا ماتوا وهم عرايا، فعلًا رخيص.. قبر يلمك!.