فى أى اقتصاد حديث، المنافسة ليست رفاهية، بل شرط كفاءة. هى التى تخفض الأسعار، وتحسن الجودة، وتدفع الابتكار، لكن هذه المنافسة لا تستمر تلقائيًا. الأسواق بطبيعتها تميل إلى التركز، ومع الوقت تتشكل كيانات قادرة على فرض شروطها، لا فقط التفوق بكفاءتها. هنا، إذا غاب قانون قوى، تتحول القوة السوقية إلى وسيلة لإغلاق السوق بدلًا من تطويره.
وهنا يأتى دور قانون حماية المنافسة، فهذا القانون لا يعاقب النجاح، بل يضع حدودًا للسلوك. يمنع الاتفاقات الاحتكارية، يراقب التركزات الاقتصادية، ويتدخل حين تتحول الهيمنة إلى إقصاء. وهو، فى جوهره الضامن أن السوق يظل مفتوحًا، وأن الفوز فيه يكون بالكفاءة لا بالنفوذ.
فى الحالة المصرية، أهمية هذا القانون مضاعفة لأن أحد أبرز التحديات ليس فقط ضعف الاستثمار، بل ضعف «قابلية النفاذ إلى السوق»، وهناك قطاعات كاملة تبدو تنافسية على الورق، لكنها عمليًا مغلقة أو شديدة التركز. وهناك شركات تفشل لا لأنها ضعيفة، بل لأنها لا تجد مساحة للمنافسة من الأساس.
ومع وجود الدولة كلاعب اقتصادى فى بعض القطاعات، يصبح مبدأ الحياد التنافسى ضرورة لا خيارًا. لأن أى تمييز- مباشر أو غير مباشر- يقوض الثقة فى السوق، ويعيد تشكيله على أساس غير اقتصادى.
من هنا، يأتى مشروع القانون المقدم من الحكومة فى اتجاه صحيح وواضح، المشروع قوى لأنه ينتقل من منطق رد الفعل إلى الوقاية. يعزز الرقابة المسبقة على التركزات الاقتصادية، ويمنح الجهات المختصة أدوات أفضل لفحص الاندماجات والاستحواذات قبل أن تخلق واقعًا احتكاريًا يصعب تفكيكه لاحقًا. كما يقرب الإطار المصرى من الممارسات الدولية التى تعتمد على منع الضرر قبل وقوعه، لا الاكتفاء بمعالجته بعد فوات الأوان لكن، وكما يحدث دائمًا، كلما اقترب القانون من جوهر السوق، ظهرت مقاومة أكبر.
أبرز نقاط الجدل الحالية تعكس ذلك بوضوح، فهناك مطالبات برفع حدود التركزات الاقتصادية، بما يسمح بمرور صفقات أكبر دون رقابة مسبقة. وهناك محاولات لإعادة صياغة قواعد احتساب أرقام الأعمال، بما يقلل من عدد الحالات الخاضعة للفحص. كما ظهرت ضغوط لتخفيف الغرامات، تحت مبرر أنها مرهقة للقطاع الخاص.
فى ظاهرها، تبدو هذه الطروحات فنية. لكن فى جوهرها، هى محاولة لتخفيف أدوات القانون، والمشكلة ليست فى كل نقطة منفصلة، بل فى أثرها التراكمي. رفع الحدود، مع تضييق النطاق، مع تخفيف العقوبات، يعنى إنتاج قانون أقل قدرة على الردع، وأكثر قابلية للتجاوز. أى قانون مريح.. لكنه بلا أثر.
وهنا يجب أن يكون الموقف واضحًا:
لا يجب أن نُنتج قانونًا مهادنًا يتم تفريغه تدريجيًا من أدواته.
القانون يجب أن يكون قويًا، لأنه ببساطة يحمى السوق من الانحراف، لا من المنافسة.
لكن وسط هذا الجدل، برز اتجاه داخل البرلمان يحاول تطوير القانون دون إضعافه، وهو طرح مهم يتعلق بربط الحدود المالية بمؤشرات ديناميكية مثل التضخم أو الناتج المحلي، بدلًا من أرقام ثابتة تفقد معناها مع الوقت، هذا الطرح يعزز فاعلية القانون، لا يقلل منها. كذلك، هناك توجه لتوسيع تعريف الممارسات الاحتكارية ليشمل التنسيق غير المباشر وتبادل المعلومات الحساسة بين المنافسين، وهى أدوات حديثة لضبط أسواق أصبحت أكثر تعقيدًا.
الأهم من ذلك كله هو التأكيد على مبدأ الحياد التنافسى:
نفس القواعد يجب أن تُطبق على الجميع.. دون استثناء.
وهنا نصل إلى النقطة الأخطر فى النقاش كله: طلب الهيئة العامة للرقابة المالية.
الهيئة تقدمت بطلب لاستبعاد الأنشطة المالية غير المصرفية من نطاق قانون المنافسة. أى إخراج قطاع حيوى ومؤثر من قواعد اللعبة العامة. هذا الطلب، فى حقيقته، ليس مجرد «تنسيق اختصاصات»، بل محاولة واضحة لخلق استثناء مؤسسى.
والسؤال البسيط: لماذا؟
فالرقابة المالية تمارس دورًا تنظيميًا مهمًا، لا خلاف عليه، ولكنها لا تملك أدوات حماية المنافسة، ولا تتعامل مع التركزات من زاوية تأثيرها على السوق ككل، ودورها يتعلق بالاستقرار والانضباط، وليس بضبط القوة السوقية.
محاولة استبدال رقابة المنافسة بالرقابة التنظيمية ليست فقط خطأً فنيًا، بل انحراف فى الفلسفة لأن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تصبح الجهة المنظمة هى نفسها التى تحدد حدود المنافسة داخل القطاع الذى تشرف عليه. هنا، تضيع المسافة اللازمة بين التنظيم والرقابة، ويتحول السوق إلى مساحة مغلقة تُدار داخليًا، لا وفق قواعد عامة.
الأخطر أن هذا الطلب يفتح الباب لسابقة وهى إذا استُثنى قطاع اليوم، فما الذى يمنع غدًا استثناء قطاعات أخرى؟ وهكذا يتحول القانون من إطار عام يحكم السوق، إلى شبكة استثناءات تعكس موازين القوة لا منطق العدالة.
ولهذا، جاء الرفض داخل البرلمان واضحًا. ليس رفضًا للهيئة، بل دفاع عن فكرة القانون نفسها.
فى النهاية، القضية ليست خلافًا بين جهات، بل اختيار بين نموذجين:
سوق تُحكمه قواعد عامة، أو سوق تُعاد صياغة قواعده حسب من يطلب الاستثناء.
الاقتصاد لا يحتاج إلى قوانين مريحة، بل إلى قوانين عادلة.
ولا يحتاج إلى نصوص مرنة، بل إلى قواعد واضحة يمكن التنبؤ بها.
وفى لحظة تحتاج فيها مصر إلى بناء ثقة حقيقية فى بيئة الأعمال، فإن أقوى رسالة يمكن أن ترسلها هى أن القانون يُطبق على الجميع، لا يُفصَّل لأحد.