تكاتف الشعب مع الجيش والشرطة فى مواجهة الإرهاب والإرهابيين، فأمام تهديداتهم الصريحة التى لا تحتمل التأويل، عندما قالوا «إما أن نحكمكم أو نقتلكم» لم يكن أمام المصريين إلا الدفاع عن الوطن، وظهرت معادن الرجال التى كانت أقوى من الإرهاب، وأثبت الشعب أنه أكثر صلابة من محاولات الترهيب، ومرت سنوات صعبة وقاسية قاربت 13 عامًا، تحملها المصريون فى حربهم ضد الإرهاب، بصبر وحب وتضحية فى سبيل وطن حرّ قوى قادر يملك قراره.
واليوم، وبعد هذه السنوات، تبدأ مصر فى جنى أولى ثمار المواجهة التاريخية والتخلص من الجماعة الإرهابية، فبحسب مؤشر الإرهاب العالمى Institute for Economics and Peace، انتقلت مصر من دائرة الدول ذات التأثير المرتفع للإرهاب، إلى المستوى المتوسط، ثم إلى مستوى منخفض، فى دلالة واضحة على تحسن البيئة الأمنية واستعادة الدولة لعافيتها، هذا الانتصار لم يكن مفروشًا بالشعارات، بل كان محفوفًا بالدم والتضحيات والتكلفة الباهظة.
الثمن باهظ.. لكن الوطن يستحق
هذا الانتصار لم يكن وليد الصدفة، بل جاء نتيجة معركة خاضتها الدولة على مدار سنوات ضد تنظيمات مسلحة لم تستهدف الأرواح فحسب، بل سعت إلى تقويض كيان الدولة ذاته، وقد اعتمدت مصر فى هذه المواجهة على استراتيجية شاملة، جمعت بين الحسم الأمنى والضربات الاستباقية، وتفكيك البنية التنظيمية للجماعات الإرهابية، إلى جانب تجفيف منابع التمويل، ومراقبة شبكات الدعم اللوجستى، ونشر الوعى.
كان الثمن باهظًا، لكن الوطن يستحق، فقد كان الثمن أرواح آلاف من أبنائها من رجال الجيش والشرطة والمدنيين الأبرياء الذين استهدفتهم يد الإرهاب دون وازع من ضمير أو إنسانية، كما كان الثمن خسائر اقتصادية كبيرة، فقد تراجع قطاع السياحة، وخرجت الاستثمارات الأجنبية، وأدار أهل الشر معنا «معركة النقد الأجنبى»، ولا يجب أن ننسى أن بعض مدن فى شمال سيناء دفعت الثمن كذلك، فقد كانت مسرحًا لعمليات الإرهابيين مما خلف ضحايا من أهلنا بسيناء، كل هذه الأثمان دفعها المصريون، أما اليوم فقد استعادت الدولة المصرية السيطرة الكاملة، وأحرزت انتصارها الكبير على الإرهاب وأعوانه.
نعم، يحق للمصريين اليوم أن يفخروا بما تحقق، وأن يستحضروا تضحيات أبنائهم الذين مهّدوا الطريق لهذا الاستقرار. فالأمن الذى نعيشه لم يأتِ من فراغ، بل هو نتيجة مباشرة لتلك التضحيات، ومن المهم أن يظل هذا الوعى حاضرًا، حتى ندرك أن الحفاظ على الاستقرار لا يقل أهمية عن تحقيقه، ومع ذلك، فإن قراءة المشهد بواقعية تفرض قدرًا من الحذر، صحيح أن الإرهاب فى مصر تراجع بشكل كبير، لكنه لم يختفِ تمامًا، فلا تزال هناك تهديدات كامنة، سواء فى صورة خلايا نائمة، أو عمليات فردية، أو نشاط دعائى عبر الفضاء الإلكترونى، فضلًا عن أن بعض القوى الإقليمية والدولية قد توظف هذه الجماعات كورقة ضغط، فى ظل بيئة إقليمية مضطربة تتسم بتعدد بؤر الصراع، لذلك، فإن المرحلة المقبلة تتطلب يقظة مستمرة وفهمًا متجددًا لطبيعة التهديد، الذى لم يعد تقليديًا كما كان فى السابق، فالإرهاب اليوم أكثر تلونًا وأكثر اعتمادًا على الأدوات غير المباشرة، ما يستدعى تطويرًا دائمًا فى أساليب المواجهة.
فى المقابل، تفتح حالة الاستقرار الحالية آفاقًا واسعة أمام الاقتصاد المصرى، فالدولة بعد نجاحها فى تحقيق الأمن والأمان أصبحت أكثر جذبًا للاستثمارات الأجنبية، التى تبحث بطبيعتها عن بيئات مستقرة وآمنة، مما ينعكس إيجابيًا على قدرة الاقتصاد على النمو، ولا ننسى أن قطاع السياحة، وهو أحد أكثر القطاعات تأثرًا بالإرهاب، وبعد تحقيق الأمان سيكون من أكبر المستفيدين من الاستقرار، فثقة السائحين وشركات السياحة الدولية فى المصريين ستزداد بالتأكيد، وسيترجم هذا فى زيادة الرحلات الجوية وعودة الأسواق السياحية الكبرى، إلى جانب تنوع السائحين وارتفاع متوسط إنفاقهم ومدة إقامتهم، كما سيسهم فى تنشيط السياحة الثقافية والدينية، وفتح المجال أمام استثمارات سياحية جديدة.
ولا تتوقف المكاسب عند هذا الحد، بل تمتد إلى مشروعات التنمية المستدامة، التى تحتاج بالأساس إلى بيئة مستقرة لضمان نجاحها، فالتنمية لا يمكن أن تزدهر فى ظل الخوف، ولا يمكن أن تستمر فى بيئة مضطربة، ومن هنا، فإن ما تحقق أمنيًا يمثل قاعدة صلبة يمكن البناء عليها لتحقيق نهضة شاملة، تشمل تطوير البنية التحتية، وتحسين جودة الحياة، وخلق فرص عمل حقيقية.
الحقيقة التى يجب أن يفتخر بها كل مصرى أننا لم ننتصر على الإرهاب فقط، بل أعدنا بناء وطننا ومؤسسات دولتنا، ووضعنا أقدامنا على أول طريق الاستقرار والتنمية، والتحدى الحقيقى الآن لا يكمن فى ما تحقق، بل فى كيفية الحفاظ عليه وتعظيم الاستفادة منه. فالدول العظيمة لا تُقاس فقط بقدرتها على تجاوز الأزمات، بل بقدرتها على تحويل تلك الأزمات إلى فرص.
لقد أثبتت التجربة المصرية أن مواجهة الإرهاب ليست مجرد معركة أمنية، بل هى معركة وعى فى المقام الأول. فالسلاح قد يقضى على العناصر المسلحة، لكنه لا يكفى وحده للقضاء على الفكرة، ومن هنا، تظل الحاجة قائمة لتعزيز الخطاب الثقافى والتعليمى والإعلامى، بما يرسخ قيم الانتماء، ويحصّن المجتمع ضد محاولات الاختراق الفكرى.