رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

الشعب العنيد


17-4-2026 | 09:37

.

طباعة
بقلم: فادى عاكوم

ربما أقرب توصيف للواقع اللبنانى أو بمعنى أصح للشعب اللبنانى بأنه شعب عنيد، نعم أبناء بلدى عنيدون يعانون ويقاومون ويصمدون لأقصى الدرجات، فالتاريخ اللبنانى مليء بالمجاعات والحروب منها الداخلية ومنها حروب الآخرين على أرضه، وكل حقبة تكون أقسى من التى سبقتها، لكن فجأة تهدأ الأمور وتعود الحياة إلى طبيعتها وكأن شيئا لم يكن ويعم الفرح وحب الحياة ليتم ترميم ما دُمر لتدور عجلة الحياة من جديد وبقوة.

 

إلا أن ما يحصل حاليا يفوق كل الحروب السابقة، فالأمر لا يتعلق فقط بمعارك ومواجهات بل يمس الواقع والتاريخ اللبنانى، بلدات وقرى تم محوها بالكامل بالتزامن مع ألة حربية لا تتوقف عن القتل المتنقل، يضاف إليه اقتصاد منهار وعدم القدرة على المواجهة المادية التى لطالما كانت عاملا أساسيا للمواجهة والوقوف من جديد، خاصة أننا نتكلم عن شعب قد لا يتخطى حاليا عدد سكانه أربعة ملايين شخص، وفى غضون شهر ونيف فقد أكثر من ألفى شهيد وربما مثلهم سقط خلال المعارك ولكن لا يتم الإفصاح عن الأسماء والأعداد لأسباب عسكرية.

هذه المرة نام أبناء الجنوب وضاحية بيروت الجنوبية فى العراء وفى الشوارع وعلى شواطئ البحر بسبب امتلاء مراكز الإيواء وعدم القدرة على استقبال المزيد، فتحولت بيروت الجميلة إلى مركز إيواء كبير بتضامن داخلى جميل خلافا لما يتم ترويجه عبر منصات التواصل الاجتماعى وبعض وسائل الإعلام، فالمسألة ليست بين اللبنانيين بل بين اللبنانيين وبعض من ارتهن قراره للخارج ضاربا عرض الحائط بمصلحة الحياة لمن اضطر لترك بيته وذكرياته وأحبائه.

هل تعلم عزيزى القارئ أن لبنان ربما يكون الدولة الوحيدة فى العالم التى تضم بين وزاراته وزارة للمهجرين؟، مهام هذه الوزارة دفع تعويضات لإعانة العائلات المهجرة التى فقدت منازلها أو تضررت خلال الحرب الأهلية لإعادة البناء والترميم، لكن العمل بها استمر حتى الآن بسبب نزوح آلاف اللبنانيين من منازلهم وأرزاقهم طيلة السنوات الماضية رغم انتهاء وتوقف الحرب الأهلية.

لكن الوضع اليوم سيئ جدا فلا الدولة اللبنانية المفلسة تقريبا قادرة على تقديم التعويضات، ولا الدول الصديقة هى الأخرى قادرة على المساعدة بسبب اهتمامها بأوضاعها الداخلية، إن كانت تلك الدول العربية أو الخليجية أو الغربية وصولا للولايات المتحدة الأميركية، وبالتالى أصبح لبنان اليوم متروكا لمواجهة المصير باستثناء بعض المساعدات العينية لمساعدة الهاربين من جحيم الحرب.

إن ما يجمع اللبنانيين أكبر من أن يتخيله العقل، فالخلاف الحالى حول مفهوم المقاومة وهل هى محصورة بحزب الله وبالطائفة الشيعية حصرا، لكن التاريخ الحديث يقوض هذه المقولة فالاجتياح الإسرائيلى عام 1978 وعام 1982 قاومه وأخرج الآلة العسكرية من لبنان بجهود ودماء لبنانيين من كل الطوائف دون استثناء، لكن مع انتشار أفكار ولاية الفقيه تم حصر المقاومة بحزب الله، ففقدت غطاءها الوطنى وهو ما كلفنا ثمنا غاليا حتى اليوم.

لبنان الحقيقى لا يدار من الخارج بل من منظومة وطنية داخلية هى التى حافظت لليوم على الجبهة الداخلية متماسكة وقوية رغم الهشاشة الوقتية بسبب بعض أبواق الفتنة، فلا يزال ابن بيروت «السني» يفتح باب بيته لاستقبال المهجر «الشيعي» من الجنوب والضاحية، فهذا هو لبنان الحقيقى والجميل.

أما يوم الأربعاء الأسود الذى سقط فيه حوالى 400 شهيد و1000 جريح فإنه أكد أن المقصود اللبنانيون بكافة طوائفهم وانتماءاتهم الحزبية، فالمقصود هو بيروت الرمز الجميل باعتبار أنها أول عاصمة عربية تم احتلالها لكنها تحررت بفعل عمليات مقاومة من شابات وشبان من مختلف الأديان والطوائف، هذا هو لبنان الجميل المقاوم العاشق للحياة ويرفض ثقافة الموت.

«لبنان والشعب العنيد» عنوان هذا المقال عبارة ليست ملكى، بل ملك لملك اليسار اللبنانى المقاوم الاورذوكسى الفنان الجميل الراحل زياد الرحبانى، الذى كان عالما للواقع اللبنانى الحقيقى ويتوقع الأمور قبل حدوثها، مقولة قالها خلال الحرب الأهلية وفى ظل التهديدات الإسرائيلية، إلا أنه كان متيقنا بأن الشعب اللبنانى عنيد وسيواصل فعلا الحياة مهما كانت الظروف، فمن أخرج إسرائيل من بيروت فى العام 1982 سيستطيع أخذ كل الأرض عبر البارود أو اللسان فلا فرق.

واليوم يمتلك لبنان صاروخين الأول هو فخامة رئيس الجمهورية العماد جوزف عون والثانى القاضى الدولى بالمحكمة الدولية نواف سلام والذى بالمناسبة هو مقاوم فعلى، لذا فإن الدعوة إلى التفاوض دعوة مباركة، فالواقع الإقليمى والدولى يفرض الأمر، ولما لا.

وكلا الصاروخين يمتلك الإفلات من الحصار لكن بمقابل صعب جدا، فأولوية الدولة حصر مسالة السلاح بأن يكون بيد الدولة اللبنانية وحدها وليس بيد ميليشيات طائفية تابعة للخارج وتشكل ذراعا أساسيا لهذا المشروع.

القرار اللبنانى يجب أن ينحصر بيد الدولة اللبنانية لا غير، ليعيد لأهل لبنان كرامتهم و قوامهم الأساسى، وهو ما تقوم به الأجهزة اللبنانية بالتوجه إلى سلام الشجعان.

سلام الشجعان الذى لقنته مصر لكافة الدول العربية، فلما لا يسير لبنان على خطى سير أهل مصر الشجعان الذين مارسوا فعل المقاومة والتحرير للوصول إلى سلام منصف وعادل، فيا ليت لبنان ينتهج نفس النهج لخلاص أهل لبنان.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة