يتعامل كثير من المحللين مع تجربة الرئيس دونالد ترامب فى البيت الأبيض، خاصة فى رئاسته الحالية وكأنه حالة خاصة ونادرة فى التاريخ الأمريكى وفى نهج الولايات المتحدة فى خوض الحروب والمعارك، صحيح أن كل رئيس أمريكى لا يشبه حرفيا سابقيه، هناك السمات والفروق الشخصية، مثلا الرئيس دونالد ترامب كثير الإدلاء بالتصريحات، سواء للقنوات الفضائية التى يفضلها ويعقد العديد من المؤتمرات الصحفية، فضلا عن أنه لا يكفّ عن الإدلاء بالتصريحات عبر السوشيال ميديا بشكل غير مسبوق بالنسبة لرؤساء الولايات المتحدة،
رغم ما يبدو من تناقض بين تلك التصريحات، فالواضح أن الرجل يقصد ذلك ويتعمده، وليس كما يتصور البعض أنها زلات لسان أو نسيان بحكم السن.. مثلاً هو يريد أن يجعل كل الاحتمالات مفتوحة، ومن ثم كل الخيارات أمامه، فلا يتوقع أحد قراره أو خطوته القادمة، لا يتصرف الرجل وفق نظرية الرجل المجنون، فى الثقافة الغربية، ولا طبقا لقاعدة «اعمل عبيط» فى الثقافة العربية.. مثلا حين هدد بتدمير الحضارة الإيرانية وإعادة إيران إلى العصر الحجرى، فإنه كان يريد أن يدفعهم لوقف القتال والدخول فى مفاوضات.
غير أن حرب إيران، التى بدأها الرئيس دونالد ترامب يوم السبت 28 فبراير الماضى، لا تختلف كثيرا عن كل الحروب السابقة التى خاضتها الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية.
أشهر تلك الحروب كانت حرب فيتنام، بدأتها الولايات المتحدة، وكان السبب المباشر أن فيتنام لديها علاقات جيدة مع الاتحاد السوفييتى، وتتلقى دعمًا منه، وأن اليسار بات فى الحكم قريبا منها، كان ذلك فى أوائل الستينيات؛ فبادرت الولايات المتحدة بالهجوم، وقاومت فيتنام، وطال أمد الحرب، وبدا أن الطرف المهاجم غير قادر على حسمها، كانت المقاومة الفيتنامية شديدة. يُضاف إلى ذلك أن الرأى العام العالمى، فضلا عن الرأى العام داخل الولايات المتحدة، وقف ضد الغارات الأمريكية، خاصة بعد ازدياد أعداد القتلى من الجنود والضباط الأمريكيين، الرئيس الأمريكى بيل كلينتون كان شابًا وقتها، ورفض الانضمام للجيش، كى لا يشارك فى تلك الحرب.
كان الفيتناميون فقراء وسقط منهم ضحايا كثيرون، أكثر من مليون طبقا لبعض التقديرات وهكذا صار مطلب وقف القتال عامًا، فكان أن سعت الولايات المتحدة إلى التفاوض مع فيتنام واُختيرت باريس مقرًا للتفاوض، ولما تشدد الفيتناميون فى التفاوض، ضربت الطائرة الأمريكية «B-52» العاصمة الفيتنامية حتى خفت حدة المطالب، الرئيس الأمريكى ريتشارد نيكسون فاز فى الانتخابات سنة 1969، لأنه وعد بأن يوقف الحرب، ونجح فعلاً فى ذلك سنة 1972 بفضل جهود هنرى كسينجر الذى كان مستشارًا للأمن القومى الأمريكى ثم وزيرًا للخارجية، لقد استقال الرئيس نيكسون إثر فضيحة وترجيت وغادر البيت الأبيض نهائيا، لكنه ينظر إليه باعتباره من الرؤساء المهمين، لأنه نجح فى إنهاء حرب فيتنام وتوقف نزيف الدم بين المقاتلين والمجندين، ورفع الاتهام عن الولايات المتحدة بأنها دولة معتدية على بلد صغير.
الولايات المتحدة هى التى بدأت القتال وهى أيضا التى سعت إلى التفاوض.
فى حرب العراق سنة 2003، تكرر المشهد نفسه، لكن مع لاعبين جدد وفى سباقات أخرى، والذى حدث أن العملية الإرهابية التى وقعت فى نيويورك يوم 11 سبتمبر 2001 هزت الإدارة الأمريكية وعلى رأسها بوش الابن، وقرر الرئيس الأمريكى أن الرئيس العراقى صدام حسين له علاقة بالحادث الإرهابى، المخابرات الأمريكية أكدت أن العراق بعيد عن تلك العملية، بل إن وجود صدام حسين يعد حائط صدّ ضدّ انتشار الجماعات الإرهابية فى المنطقة.. لكن الرئيس بوش لم ينصت إلى تقارير المخابرات.
بعد ذلك جرى اتهام العراق بالسعى إلى امتلاك أسلحة نووية، وقد أكد العراق عدم صحة ذلك الاتهام، لكن الرئيس بوش أصر على رأيه، مرة أخرى لم تكن المخابرات الأمريكية ومديرها جورج تينت وقتها يميلون إلى رأى بوش.. فى النهاية قرر بوش الابن خوض الحرب فى 2003 لإسقاط صدام حسين، وبالفعل دخلت القوات الأمريكية العراق، ومرت سنوات.. المقاومة العراقية تزداد والضحايا يسقطون، الغريب أنه بعد احتلال العراق تبين أن صدام حسين لم يكن يكذب، حين أكد أن ليس لديهم أسلحة نووية، اعتبرها الرئيس بوش الابن وأركان إدارته أقرب إلى فكاهة، بعد بوش جاء إلى الحكم باراك أوباما، وكان حلمه أن تعود القوات الأمريكية من العراق وكذلك من أفغانستان.. الولايات المتحدة هى التى بدأت الهجوم على العراق كما فعلت مع أفغانستان، وهى كذلك التى سعت إلى التفاوض مع العراقيين ثم مع طالبان، وكانت العاصمة القطرية «الدوحة» مقر التفاوض بين طالبان وأمريكا، فيما بعد حين تعرضت قطر إلى هجوم إعلامى من بعض وسائل الإعلام الأمريكية بسبب استضافة طالبان لديها، ردت قطر بأن ذلك حدث بناء على طلب أمريكى.
وقد تابع العالم كله مع وصول الرئيس بايدن إلى الحكم، سنة 2021 هرولة القوات الأمريكية خارج أفغانستان.
والآن -2026- نحن فى حرب إيران.. فى يونيو 2025 كانت هناك حرب إسرائيل مع إيران استمرت لمدة 12 يومًا، تدخلت الطائرات الأمريكية فى الحرب آخر يومين، ثم أعلن الرئيس ترامب توقف الحرب.. وسارت المفاوضات بين الجانبين برعاية سلطنة عمان، وبدا أن فريق التفاوض على وشك الوصول إلى نتائج طيبة. شنت الولايات المتحدة غاراتها يوم السبت 28 فبراير على إيران، استمرت الحرب 38 يوما، وقرر الرئيس ترامب أنه حقق أهدافه، قضى على المشروع النووى الإيرانى، أزاح قادة النظام بالاغتيال، ثم سعى إلى التفاوض وهذه المرة عبر باكستان وفى إسلام آباد.
وقد لا يتذكر بعضنا أن إسلام آباد لعبت دورًا مهمًا فى الوساطة سنة 1971 فى التقارب الصينى - الأمريكى حيث تحرك منها سرًا مرة هنرى كيسنجر متجها إلى بكين للتمهيد لزيارة الرئيس نيكسون التاريخية إلى الصين، كان انفتاح أمريكا على الصين بقصد مكايدة الاتحاد السوفييتى زمن الحرب الباردة والعمل على إتمام صياغة بنود التعاون والمساعدة للصين، حين كانت علاقة الصين والسوفييت متوترة للغاية.
صحيح أن هناك تضاربًا فى التصريحات الإيرانية والأمريكية حول مَن طلب التفاوض وسعى إليه. لكن بحكم الشواهد والوقائع، فإنه إذا عجز طرفا القتال عن حسم المعركة فى الميدان تتحول الحرب إلى عملية استنزاف للطرفين، خسائر فى الأرواح والممتلكات ومؤسسات الدولة بالنسبة لإيران، وفيما يخص الولايات المتحدة خسائر وتكلفة عالية، تُقدر بأكثر من مليار دولار يوميًا، فضلا عن الآثار الاقتصادية العامة، وفوق ذلك تآكل هيبتها باعتبارها القوة العظمى الأولى فى العالم، وتراجع المصداقية السياسية، أدت الحرب إلى أزمة عميقة بين الإدارة الأمريكية وحلفائها الأوروبيين بصورة غير مسبوقة، وهدد الرئيس ترامب بالانسحاب من حلف الناتو، لهذا كله فإن التفاوض يصبح هو البديل المتاح أمام الطرفين، ولا مانع من حدوث بعض الخروقات العسكرية أثناء التفاوض، تكون محسوبة بدقة، ويكون الهدف منها الضغط فى التفاوض للحصول على مكاسب أكثر.
الفارق فى حرب إيران أن الرئيس ترامب سعى إلى التفاوض سريعا بعد شهر وأسبوع، وليس بعد سنوات كما حدث فى حرب فيتنام وحرب أفغانستان وكذا العراق.. السبب هذه المرة أن إيران أغلقت مضيق هرمز وقامت بوضع ألغام فيه، وهذا أثر على أسعار الطاقة حول العالم، ومن ثم على الاقتصاد العالمى كله، مضيق هرمز يخرج منه حوالى 20 فى المائة من النفط والغاز فى العالم.
وليس صحيحًا أن الولايات المتحدة واقتصادها فى منجاة من الأزمة، فقد ارتفعت أسعار مواد الطاقة هناك، ندد الرئيس السابق بيل كلينتون بارتفاع سعر البنزين على المواطن الأمريكى.
هناك كذلك عنصر آخر هو أن الرئيس ترامب دخل الحرب دون العرض على الكونجرس وأخذ موافقته، الدستور الأمريكى يتيح للرئيس اتخاذ هذه الخطوة إذا شعر أن هناك خطرًا على الأمن القومى الأمريكى، وقد حدد ترامب الخطر بأن إيران كانت على بعد أسابيع من امتلاك القنبلة النووية، فضلاً عن تطوير برنامج الصواريخ الباليستية بعيدة المدى، والتى يمكن لها الوصول إلى المدن الأمريكية، وذلك يعد تهديدا مباشرا للأمن القومى الأمريكى، لكن الدستور يلزم الرئيس أن يرجع إلى الكونجرس لأخذ موافقته لو أن الحربت طالت وامتدت ستين يوما، ومن ثم فقد حرص الرجل على تجنب الذهاب إلى الكونجرس، خشية أن لا يمكنه الحصول على أغلبية مريحة، لأن الحزب الديمقراطى ضد الحرب، وهناك أسباب أخرى لا يهم التوقف عندها الآن.
الواضح أمامنا أن الرئيس الأمريكى قرر أن العملية فى إيران سوف تكون على غرار عملية فنزويلا، حيث تم الهجوم على مقر الرئيس مادورو وتم اختطاف مادورو وزوجته وعاد بهما إلى الولايات المتحدة، استغرقت العملية عدة ساعات، بدت أقرب إلى كونها عملية بوليسية أو مخابراتية بأكثر منها موقعة حربية وقتالية، ولذا فإنه لم يهتم بحشد الكونجرس معه قبل دخول الحرب مع إيران، ولا أحاط الحلفاء ولا سعى لإقامة تحالف دولى، كما فعل بوش الابن وهو يتأهب لغزو العراق سنة 2003.
تصور ترامب أن غارة قطع الرؤوس والاغتيالات التى افتتح بها الحرب سوف تنهى كل شيء، ويبرز جيل جديد من القيادات يسلمون له كل شيء كما وقع فى فنزويلا.. لكن الفارق الكبير بين البلدين والنظامين أن النظام الإيرانى مركب وشديد التعقيد، فضلاً عن أنه محكوم بروح مذهبية لا تقبل التهاون، بل ترى فى الاستشهاد غاية المنى، فضلا عن أن إيران منذ سنة 1979 بها روح من الرفض الشديد للهيمنة الأمريكية، تتوارث الأجيال ذلك الرفض، بل الكراهية، رغم ذلك فقد ذهب إليهم على أرضهم بالقوات الجوية فقط.. مثل هذه المعارك لا تُحسم دون قوات برية، وهذا ما لا يريده هو.. المهم أن الحرب طالت، وهى مرشحة للتجدد وللانفجار فى أى لحظة.
المهم أن ترامب سار على القاعدة الأمريكية فى شنّ الحروب خارج أراضيها، فعل ذلك رؤساء جمهوريون وديمقراطيون، هو ليس استثناء ولا بدعًا فى ذلك.
لكن ترامب يختلف عن عدد من الرؤساء السابقين فى أنه لم يدفع إلى الحرب بقوات برية، لذا فإن المفقودين فى هذه الحرب والضحايا عددهم قليل قياسا على عديد من الحروب السابقة، وقد كان ترامب ذكيا فى عدم خوض حرب برية، حتى لا يجد نفسه أمام أشباح فيتنام وأفغانستان والعراق.
الجديد أيضا فى هذه الحرب هو موقف إيران، فبدلا من أن تواجه العدو المباشر وجهت نيرانها إلى جاراتها العربيات ودمرت الكثير من البنية التحتية فى عدد منها، مثل محطات تحلية المياه وتوليد الطاقة الكهربائية فى الكويت وفى البحرين، تصرفت إيران بطريقة «شمشون الذى قرر هدم المعبد على رؤوس الجميع»، وهكذا هاجمت كل مَن مولها بمبررات واهية وضعيفة جدًا، وإذا كان الرئيس ترامب تصور أنها عملية خاطفة وسريعة على غرار عملية فنزويلا، فإن إيران أرادتها عملية واسعة، ممتدة جغرافيا وزمنيا، حتى تضغط الأزمة على الجميع فيعودون إليها لاسترضائها.
خاض ترامب حربا، وبهذا فإن أكثر مقولة إن أى رئيس للولايات المتحدة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية يخوض حربا أو أكثر خلال وجوده فى البيت الأبيض، ورغم أن ترامب أكد ميله للسلام وحرصه على السلام العالمى، هو يتمنى الفوز بجائزة نوبل للسلام، فقد أعلن الحرب على إيران.