«السوشيال ميديا.. بلا أخلاق».. واقع لا يمكن إنكاره، وفى الوقت ذاته لا يجب التقليل من تأثيره أو صرف النظر عن الآثار الجانبية لـ«سوء الاستخدام»، وهناك أمثلة لا حصر لها تكشف دائمًا الوجه القبيح لـ«اللايك والشير»، لعل آخرها التداول السريع لواقعة الانتحار التى شهدتها محافظة الإسكندرية خلال الأيام القليلة الماضية، والتى أكدت ـ بما لا يدع مجالًا للشك ـ أن التسابق على حصد «علامات الإعجاب» أكبر بكثير من مراعاة «أبسط القواعد الأخلاقية والمهنية» فى التعامل مع الواقعة، ولعل هذا كان دافعًا لتحرك سريع من جانب المؤسسات المعنية فى محاولة منها لـ«ضبط المشهد».
تحركات «ضبط المشهد» كانت على أكثر من جبهة، وإن كانت حتى وقتنا الحالى لم تنجح تمامًا فى السيطرة على «جنون السوشيال ميديا»، لكنها كانت بمثابة «التذكير» بأن الحرية المطلقة «انفلات»، وأن «التريند لعنة»، ولعل هذا كان واضحًا فى البيان المقتضب الذى أصدره المجلس الأعلى للإعلام، برئاسة المهندس خالد عبدالعزيز، والذى أكد فيه «إلزام جميع الوسائل الإعلامية الخاضعة لأحكام القانون رقم 180 لسنة 2018، بعدم نشر أى مقاطع مصورة تتعلق بواقعة إلقاء سيدة لنفسها من الطابق الثالث عشر بمدينة الإسكندرية».
كما شدد المجلس على حظر نشر أى أخبار تتضمن التصريح باسم المتوفاة، احترامًا لحرمة وفاتها، وتطبيقًا للأكواد المهنية الصادرة عنه، وعلى رأسها كود التغطية الإعلامية لحوادث الانتحار، الصادر بقرار المجلس رقم 62 لسنة 2021، والذى يشمل العديد من النقاط التى تعالج وتوضح طريقة التعامل مع هذه النوعية من القضايا، منها التأكيد على تغطية الحوادث فى إطار احترام النفس البشرية، والتركيز على قيمتها، إلى جانب حظر إظهار الانتحار كأمر عادي، طبيعي، أو إيجابي، والعمل دائمًا على بث رسالة بأنه «تصرف سلبي، مرفوض، ومضر»، لتجنب محاكاة الآخرين له، وكذلك حظر اتخاذ حوادث الانتحار وسيلة لزيادة المشاهدات، التفاعل، أو المبيعات، مع التأكيد على منع استخدام عبارات التمجيد أو التبرير أو الترويج، والحذر الشديد فى صياغة العناوين (مانشيتات)، وتجنب اللغة المثيرة أو الرنانة، والابتعاد عن نشر الشائعات، هذا فضلًا عن حظر التصريح باسم المتوفى، أو نشر صور شخصية له، أو ذكر تفاصيل دقيقة عن مكان السكن أو الطريقة (احترامًا لحرمة الوفاة).
المتابعة الجيدة لمجريات التعامل مع واقعة «سيدة الإسكندرية» تكشف بالطبع تجاوز «السوشيال ميديا» بشكل كامل لجميع البنود التى نص عليها «كود التغطية الإعلامية»، والأمر ذاته بالنسبة لعدد من وسائل الإعلام التى تجاهلت فى تغطيتها للواقعة أكثر من نقطة، وهو ما يبدو أنه كان دافعًا لاتخاذ قرار أكثر حدة، والمتمثل فى إصدار النائب العام، المستشار محمد شوقي، قرارًا عاجلًا بحظر النشر فى 3 وقائع جنائية كبرى شهدتها المحافظات مؤخرًا، ومن بينها قضية «سيدة الإسكندرية».
وأكدت النيابة العامة فى بيان لها، أن قرار «حظر النشر» جاء بعد رصد تداول واسع لهذه الوقائع بصورة اعتبرتها «تسيء لصورة المجتمع» ولا تعكس الواقع الإحصائى الفعلى للجرائم، مشددة على أن إعادة نشر هذه الأنماط الإجرامية يمثل اعتداءً على خصوصية الضحايا وأسرهم، ويضر بالصالح العام.
واختتم البيان، بالتأكيد على الحظر فى جميع وسائل الإعلام المسموعة والمرئية، وكذلك جميع الصحف والمجلات القومية والحزبية اليومية والأسبوعية، المحلية والأجنبية، أيا كانت، وكذلك المواقع الإلكترونية وغيرها من النشرات، والشبكات الخاصة بالتواصل الاجتماعى بشبكتى المعلومات الدولية والمحلية، وذلك لحين انتهاء التحقيقات فيها، عدا البيانات التى تصدر من مكتب النائب العام.
وتزامنًا مع قرار «النيابة العامة»، قرر المجلس الأعلى للإعلام مخاطبة الجهاز القومى لتنظيم الاتصالات لاتخاذ الإجراءات اللازمة لحذف هذه المقاطع المصورة من جميع منصات التواصل الاجتماعي، أينما تم نشرها بالمخالفة لهذا القرار، وتكليف الإدارة العامة للرصد بالمجلس بمتابعة تنفيذ هذا القرار.
نقابة الصحفيين هى الأخرى كانت حاضرة فى المشهد، حيث شدد الكاتب الصحفى خالد البلشي، فى بيان له، على أنه «لتكن البداية من الصحافة نفسها من خلال حملة لضبط الأداء المهني. هذا التزام علينا جميعًا. لنبدأ معًا عبر إعلان التزام جماعى بتطبيق الأخلاقيات المهنية، وإقرار مواثيق وأطر وأكواد للتناول المهني، والتوسع فى تدريب الزملاء عليها، وعلى التناول المنضبط والملتزم بالمعايير المهنية الصارمة. وبمحاسبة مهنية ونقابية لمن يخالف المعايير المهنية».