القاهرة صاحبة مبادئ راسخة، وقيم متأصلة لا يهزها ريح ولا تحركها عواصف، وتدير السياسة بشرف، ولها وجه واحد، وعمرها لن تكون ذيلًا لأحد، كما يشير الرئيس السيسى من فترة لأخرى فى رسالة لكل من يهمه الأمر إقليميًا ودوليًا، فالجمهورية الجديدة شغلها الشاغل هو حماية دولة المؤسسات والحفاظ على مقدرات الشعوب لقطع الطريق على الراغبين فى نشر الفوضى، وضرب أمن المنطقة تارة بالتنظيمات الإرهابية المصنوعة عن سبق إصرار وترصد، وتارة بحروب الوكالة من خلال الحركات الانفصالية، ناهيك عن ماكينة الشائعات وطوفانها المدمر عبر اللجان الإلكترونية متعددة المنابع الحقيرة، متنوعة الأغراض الخبيثة، وفى كل مرة عند التفتيش عن أصحاب المصلحة تتجمع الشواهد، وتتجه أصابع الاتهام نحو الصهيونية وأداتها الشيطانية دولة الاحتلال من أجل تحقيق وهم إسرائيل الكبرى، وزاد من المأساة السيطرة المريبة من كهنة الماسونية على جنبات دائرة صناعة القرار فى الولايات المتحدة الأمريكية خلال السنوات الأخيرة، مما جعل واشنطن تسير كتابع لتل أبيب، وفى عدة مواقف ينصاع الأمريكيون للرغبات الإسرائيلية الشريرة بغرابة شديدة، ومنها الدعم السياسى والعسكرى لحرب غزة رغم الرفض الشعبى والرسمى فى غالبية الدول على المستويات كافة، ثم الوقوع فى فخ ضرب إيران، وهو مستنقع لن تخرج منه واشنطن سالمة أبدًا مهما كانت خسائر طهران، فالهيبة الأمريكية كأكبر قوة عسكرية تتآكل بالضربات الإيرانية على وحدات الجيش الأمريكى وقواعده، مع تداعيات اقتصادية فادحة، والخوف من تمدد الصراع بدخول جبهات أخرى لتصبح حربًا إقليمية شاملة، وهو ما تحاول الدولة المصرية وشركاؤها الإقليميون والدوليون وأد شرارته بالمفاوضات غير المباشرة بين الأمريكيين والإيرانيين تمهيدًا للجلوس وجهًا لوجه بين الجانبين.
وفى الحرب الإيرانية، تتابع جهود القاهرة مع كل الأطراف الفاعلة، وعلى جميع المستويات لخفض التصعيد الخطير فى المنطقة، ووقف دوامة الصراع الذى تتسع بؤرته يومًا وراء يوم، وتنتشر شرارته من دولة إلى أخرى مع تعدد الخصوم، وتنوع اللاعبين فى المشهد سواء فى السر أو العلن، ويزيد الطين بلة غياب العقلانية عن المعسكرين المتحاربين سواء الأمريكيين والإسرائيليين من جهة أو الإيرانيين وأذرعهم العسكرية من الجهة الأخرى، فلا سقف واضح لأهداف ترامب ونتنياهو ولا ثقة فى أية تصريحات أو وعود، فهما يقولان الشيء وعكسه تمامًا، أما مسؤولو طهران فيبالغون فى قدراتهم رغم التدمير الهائل فى عموم البلاد واستهداف القادة على الدوام، والغريب والمريب هو مواصلة خطيئة الاعتداء على الدول العربية وانتهاك سيادتها رغم التعهدات المتلاحقة من مسؤولى طهران باحترام دول الجوار، وبالطبع استمرار هذا الصراع الكارثى ينطوى على مخاطر جسيمة على الأمن الإقليمى والعربى فضلًا عن تداعيات اقتصادية هائلة سيكتوى الجميع بنارها، وبلغة الأرقام، تشير دراسة حديثة للبرنامج الإنمائى للأمم المتحدة إلى أن خسارة الدول العربية من تلك الحرب نحو 200 مليار دولار، مع ارتفاع معدل البطالة الإقليمى بنسبة 4 نقاط مئوية، مما يعنى فقدان 3.6 مليون وظيفة، ووقوع نحو 4 ملايين شخص فى براثن الفقر، وهذا ما يدفع القاهرة للتحرك فى مسارات دبلوماسية لحصار الأضرار، ومنع انفجار المنطقة، وإفساد المؤامرات الشريرة ضد العواصم العربية لصالح أوهام مجرم الحرب نتنياهو.
ولا يكاد يمر يوم واحد منذ بدء الهجمات الأمريكية الإسرائيلية على إيران فى 28 فبراير الماضي، وما تبعها من رد طهران السريع، إلا ويجرى الرئيس السيسى اتصالات ويقوم بمباحثات مع مختلف الزعماء وقادة الدول من أجل بحث تطورات الأوضاع الإقليمية الراهنة، وتكثيف الجهود المصرية لوقف الحرب، بالوساطة بين المسؤولين الأمريكيين وصناع القرار فى إيران، وتوظيف مكانة القاهرة وثقة الأطراف فيها مع الشركاء الإقليميين لتهدئة التوتر تمهيدًا للمفاوضات وإنهاء الحرب، مع ضرورة احترام سيادة الدول العربية الشقيقة، وهو ما يتم التأكيد عليه باستمرار باعتباره قناعة مصرية لا تراجع عنها حفاظًا على الأمن القومى العربي، واستقرار الشرق الأوسط كله بل والاستقرار العالمي، والمجال هنا لا يتسع لسرد تفاصيل جهود الرئيس السيسى وما تقوم به الدولة المصرية فى الوساطة لإنهاء الحرب الإيرانية، لكنى سأكتفى بالرسالة التى وجهها الرئيس خلال مشاركته فى فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولى للطاقة «إيجبس 2026» فى نسخته التاسعة، بحضور دولى رفيع المستوى، إلى الرئيس الأمريكى ترامب باسم الإنسانية ومحبى السلام لإيقاف هذه الحرب، وقال الرئيس السيسي: «لا أحد يمكنه إيقاف الحرب الجارية إلا فخامتكم، وأحدثكم باسمى واسم الإنسانية ومحبى السلام، وأنتم فخامة الرئيس محب للسلام.. من فضلك فخامة الرئيس ساعدنا فى إيقاف هذه الحرب.. وأنت قادر على ذلك»، كما أشار الرئيس السيسى إلى سابق ندائه للرئيس ترامب إبان الحرب على قطاع غزة، آنذاك من أن الرئيس ترامب هو الوحيد القادر على وقف تلك الحرب، وهو ما أسفر عن انعقاد قمة شرم الشيخ للسلام وتبنى خطة الرئيس ترامب للسلام التى أنهت الحرب.
والسؤال الذى يطرح نفسه بقوة هنا: هل يستطيع الرئيس السيسى إعادة المشهد الذى حدث فى الثالث عشر من أكتوبر 2025 بمدينة شرم الشيخ، وكان من مكاسبه توقيع وثيقة وقف حرب غزة برئاسة مصرية أمريكية رغم كل المؤامرات الإسرائيلية لإفشال هذا المسار، وتكرار هذا الإنجاز لصالح السلام والأمن الإقليمى والدولي، ووقف نزيف الاقتصاد العالمي، بالتوصل إلى اتفاق إنهاء حرب إيران بمبادرة مشتركة بين السيسى وترامب؟ بنظرة عميقة، هذا الأمل ليس مستحيلاً، لأن مصر هى الدولة الوحيدة فى المنطقة التى تستطيع تقريب وجهات النظر بين واشنطن وطهران، فى ظل علاقاتها الاستراتيجية مع أمريكا، بحكم أن القاهرة صمام أمان المنطقة وقدرتها الشاملة على مجابهة أية تحديات، مع ما تتمتع به من ثقة الإيرانيين، باعتبار نجاحها منذ عدة شهور فى كسر جمود المفاوضات بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتوصل لاتفاق استئناف التعاون بين الجانبين، وهو اتفاق تاريخى ما كان ليحدث إلا بدعم القيادة المصرية، ولو أحسن صناع القرار فى إيران توظيف هذا الاتفاق ما كانت وصلت الأمور إلى ساحة الحرب المدمرة.
وفى إطار تحجيم توابع هذه الحرب، والسعى بكل السبل لإطفاء نيرانها، جاءت جولة الرئيس السيسى إلى الأشقاء فى الدول الخليجية من الإمارات وقطر إلى السعودية والبحرين تأكيدًا على تضامن مصر ودعمها الكامل لدول مجلس التعاون الخليجى فى ظل الأوضاع الإقليمية الراهنة، وتجديدًا لموقف مصر الثابت فى إدانة ورفض الاعتداءات الآثمة وغير المبررة على أراضى الدول الشقيقة ومحاولات النيل من أمنها واستقرارها ومقدرات شعوبها، مع استعراض الاتصالات المصرية المكثفة الرامية إلى خفض التوتر وإنهاء الحرب، نظرًا لتداعياتها الخطيرة على أمن واستقرار المنطقة ومقدرات شعوبها، فضلًا عن آثارها الاقتصادية، واستعداد مصر لتقديم كافة أوجه الدعم للأشقاء لأن أمن الخليج العربى هو امتداد للأمن القومى المصري، وهنا يجب التوقف أمام نقطة محورية فى غالبية التحركات المصرية مع الأشقاء العرب، وهى بحث سبل تعزيز العمل المشترك لاحتواء التوتر الراهن وتكريس مفهوم الأمن العربى الجماعى باعتباره من أهم دروس حرب إيران، فالدول الخليجية لا ناقة لها ولا جمل فى هذا الصراع لكنها تضررت من الطرفين، وهو ما يجعل من تفعيل اتفاقية الدفاع العربى المشترك، وتدشين قوة عربية ضرورة قومية لصون الأمن العربى بأيدٍ عربية خالصة.
وتنفيذًا للتوجيهات الرئاسية، وسيرًا على الموقف المصرى الراسخ بالوساطة النزيهة فى مواجهة الأزمات وتبريد الصراعات، تأتى مشاركة د. بدر عبد العاطى وزير الخارجية والتعاون الدولى والمصريين بالخارج، فى المشاورات التى استضافتها العاصمة الباكستانية إسلام آباد، مطلع هذا الأسبوع لتدشين حوار مباشر بين الولايات المتحدة وإيران لخفض التصعيد ومنع اتساع الصراع ونطاقه والعمل على احتوائه، بمشاركة وزراء خارجية مصر وباكستان والسعودية وتركيا، لبحث تطورات التصعيد العسكرى وجهود خفض التوتر فى الإقليم، مع استمرار التنسيق والتشاور الوثيق حفاظًا على الأمن القومى العربي، وللتوصل إلى حل دبلوماسى ينهى الحرب ويعيد الاستقرار والأمن للمنطقة.
صحيح أن هذا التحرك الرباعى لن ينهى الحرب فى ظل مبالغة كل طرف من المتحاربين فى شروطه مع تبادل الضربات القاتلة فى العمق خصوصًا بين طهران وتل أبيب، إلا أن تلك الوساطة بالتنسيق بين وزراء خارجية مصر وباكستان وتركيا والسعودية بمثابة خطوة ضرورية لبحث سبل تعزيز التنسيق المشترك إزاء التطورات المتسارعة والتصعيد العسكرى الخطير الذى تشهده المنطقة، والعمل على تغليب الدبلوماسية ولغة الحوار كسبيل رئيسى لاحتواء الأزمة وتداعياتها الوخيمة على أمن واستقرار المنطقة، مع التوافق على تحركات ودور «الرباعية» لخفض التصعيد واحتواء التوتر، وتشجيع تدشين مسار تفاوضى بين الولايات المتحدة وإيران لتحقيق التهدئة وتجنيب المنطقة الانزلاق إلى حالة من الفوضى الشاملة.
ولا تتوقف جولات واتصالات وزير الخارجية مع نظرائه فى دول شتى إلى جانب مسؤولى المنظمات الأممية والدولية لتناول التطورات المتسارعة والتصعيد العسكرى الذى تشهده المنطقة، والجهود المبذولة لخفض التصعيد الإقليمي، والتأكيد على ضرورة مواصلة تكثيف الجهود لخفض التصعيد بشكل فوري، وتغليب المسار الدبلوماسى واللجوء إلى الحوار لحماية المنطقة من الانزلاق نحو فوضى شاملة غير محسوبة العواقب، واستعراض الجهود والاتصالات المكثفة التى تضطلع بها مصر، بالتنسيق الوثيق مع شركائها الإقليميين، لدفع وإنجاح مسار المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، لنزع فتيل الأزمة الراهنة وتجنيب الإقليم والعالم تداعيات كارثية، وتجديد إدانة مصر القاطعة لاستمرار الاعتداءات التى تستهدف الدول الخليجية والأردن الشقيقة، وتأكيد تضامن مصر الكامل ووقوفها جنبًا إلى جنب مع دول الخليج العربى والأردن فى مواجهة أية تهديدات تمس أمنها واستقرارها وسيادتها، مع تناول التداعيات الاقتصادية الواسعة للحرب على الاقتصاد العالمي.
حمى الله مصر وشعبها وقيادتها
ومؤسساتها الوطنية من كل سوء