رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

فى ذكرى ميلاده..100 فيلم ومسيرة لا تنسى فى حياة «العبقرى» بشارة واكيم

28-3-2026 | 14:09

فى ذكرى ميلاده..100 فيلم ومسيرة لا تنسى فى حياة العبقرى بشارة واكيم

طباعة
ناصر جابر
تمر علينا ذكرى ميلاد أحد أعمدة الفن المصرى فى الزمن الجميل هذا الشهر، وهو الفنان «بشارة واكيم» الفنان الذى لم يكن مجرد وجه مألوف على الشاشة، بل كان ظاهرة ثقافية وإنسانية فريدة؛ هذا الرجل الذى استبدل «روب المحاماة» بملابس الشخصيات الفنية، وحول مأساة حياته الشخصية إلى ضحكات مجلجلة ملأت دور العرض من المحيط إلى الخليج، ثم أصبح جوكر الفن بسبب موهبته الفذة فى تقمص جميع الأدوار التمثيلية سواء الكوميدية أو التراجيدية أو الدرامية لذا حرصت مجلة « الكواكب» على الدخول فى كواليس حياة هذا العبقرى لنتعرف على تفاصيل حياته الفنية والعائلية فى السطور التالية.
النشأة والثقافة في الخامس من مارس عام 1890، وفى حى «الفجالة» العريق بالقاهرة، وُلد «بشارة إلياس يواقيم» لعائلة ميسورة الحال، والذى لم تكن طفولته عادية، فقد نشأ فى بيئة تجمع بين الانضباط التعليمى الفرنسى وبين التجارة التي تمتد خيوطها إلى بلاد الشام، فوالده، كان تاجراً كبيراً للأقمشة، وغرس فى ابنه روح الالتزام، لكن بشارة الصغير انجذب لشيء آخر وهو عالم الفن الكبير. بسبب احتكاك عائلته الدائم بالتجار من الشام، أتقن بشارة اللهجة الشامية ببراعة مذهلة، لدرجة أن الجمهور والنقاد في بداياته لم يصدقوا أنه «ابن حى الفجالة»، بل اعتقدوا لسنوات طويلة أنه فنان غير مصرى أو أنه جاء من دمشق أو بيروت، هذه القدرة على تقمص الجنسيات المختلفة كانت أولى شواهد عبقريته التمثيلية التي ستنفجر لاحقاً. من فرنسا إلى خشبة المسرح تلقى «بشارة» تعليمه فى مدارس فرنسية بمصر، وهى المدارس التى كانت تخرج صفوة المجتمع وقتها، ثم وافق على رغبة والده والتحق بكلية الحقوق، وتخرج فيها حاملاً درجة الليسانس.. لم يكن بشارة طالباً عادياً، بل كان نابغاً لدرجة ترشيحه وقتها لبعثة دراسية إلى فرنسا لاستكمال دراساته العليا فى القانون. كانت أحلام العائلة ترى فيه وزيراً أو سفيراً، لكن عام 1914 حمل معه مفاجأة غيّرت وجه التاريخ وحياة بشارة؛ فقد اندلعت الحرب العالمية الأولى، وتوقفت البعثات، وانغلق العالم على نفسه، اضطر بشارة للعمل محامياً فى «المحاكم المختلطة»، وكان يترافع باللغة الفرنسية بطلاقة تثير الإعجاب.. لكن خلف هذا الوقار القانونى، كان قلبه يخفق مع كل تصفيق يسمعه من بعيد لفرقة «جورج أبيض» أو «سلامة حجازى» وغيرهم من نجوم الفن والمسرح، بعد عامين فقط، اتخذ بشارة قراره الانتحارى بمقاييس عصره حيث خلع «روب» المحاماة إلى الأبد، ليرتدى قناع الممثل المحترف الموهوب. مجلس تأديب عائلى ثم اعتراف بموهبته كان الفن فى مطلع القرن العشرين يُنظر إليه كدرجة أقل اجتماعيا، وحين علمت عائلته أنه اعتزل مهنة المحاماة المرموقة ليعمل «مشخصاتياً» كما كان يطلق على نجوم الفن آنذاك، اشتعلت المواجهات واكتشفوا أنه يتسلل ليلاً لحضور لقاءات الشيخ سلامة حجازى، فاجتمعت العائلة فى «مجلس تأديب» عاجل، وقامو بفرض رقابة لصيقة عليه من ثلاثة رجال أشداء لمنعه من الخروج من المنزل، وانتهى الصراع بطرد بشارة من منزله، وتبرؤ والده منه، بل وفسخت خطبته من الفتاة التى كان يحبها، ليجد نفسه وحيداً فى مواجهة العالم، لا يملك سوى موهبته وإيمانه بأن الفن هو رسالته السامية، ولم تلن قسوة الأب إلا بعد سنوات، حين ذهب سراً لمشاهدة ابنه على المسرح.. وحين رأى الجمهور يقف احتراماً وتصفيقاً لابنه، اندفع الأب بدموعه نحو خشبة المسرح، واحتضن بشارة أمام الجميع صائحاً بفخر: «بشارة ده ابنى»، ليكون هذا الاعتراف هو أعظم جائزة نالها بشارة فى حياته. فلسفة العزوبية عاش بشارة واكيم 59 عاماً دون أن يطرق الزواج بابه، أو دون أن يسمح هو للزواج بالدخول إليه، وكانت وراء هذه العزلة قصة عاطفية فى الماضى، الصدمة الأولى كانت رفض «بنت الجيران» له لأنه ترك المحاماة واتجه للفن، والصدمة الثانية كانت حبه غير المتبادل لإحدى الفنانات الكبار وقتها، التى تزوجت من غيره وظل هو يحمل جرحه فى صمت، وهو ما تحول إلى «فوبيا» من الزواج، لدرجة أنه كتب مقالاً شهيراً بعنوان «لن أتزوج ولو شنقونى»، كان يرى فى الزواج «نهاية للهدوء»، ويستشهد دائماً بدعاء والدته عليه فى لحظات غضبها: «روح إلهي يبتليك بجوازة تهد حيلك»، هرب بشارة من الزواج إلى دفء عائلة شقيقته الأرملة، حيث عاش معها وساعد فى تربية أبنائها، معتبراً إياهم أبناءه، وأوصى لهم بكل ثروته قبل رحيله. رحلة المائة فيلم لم يكن بشارة واكيم مجرد «ممثل مساعد» أو «سنيد»، بل كان «جوكر» السينما المصرية فى أربعينيات القرن الماضى، فإذا نظرت إلى قائمة أعماله، ستجد أنه شارك فى صياغة تاريخ السينما منذ بداياتها الصامتة وصولاً إلى عصرها الذهبى. حيث أثرى الفنان القدير المكتبة الفنية العربية بكثير من العطاء، حيث تشير المصادر التاريخية والتوثيقية إلى أن رصيده الفنى تجاوز 100 فيلم سينمائى، بالإضافة إلى عشرات المسرحيات التى قدمها مع كبرى الفرق المسرحية فى ذلك الوقت، هذا الرقم الضخم حققه خلال مسيرة لم تتجاوز 26 عاماً فقط، منذ أول فيلم صامت له عام 1923 وحتى وفاته عام 1949. بدأ بشارة واكيم فى عصر السينما الصامتة بفيلم «برسوم يبحث عن وظيفة» (1923)، ثم انطلق فى الأربعينيات ليصبح القاسم المشترك فى معظم أفلام تلك الحقبة.. ومن شدة غزارة إنتاجه، كان يشارك فى أكثر من 10 أفلام فى العام الواحد أحياناً، ومن أشهرها: الأفلام الكوميدية: (لعبة الست، سى عمر، لو كنت غني، سر طاقية الإخفاء). الأفلام الاستعراضية والغنائية: (غرام وانتقام، قلبى دليلى، عنبر، ليلى بنت الفقراء). ومن الأفلام التي جسد فيها الشخصية الشامية: (عريس من إسطنبول، بسلامته عايز يتجوز). عشرات العروض بالمسرح أما المسرح فقد كان «بيته الأول»، وقد شارك في عدد هائل من الروايات المسرحية مع فرق عملاقة، أهمها: - فرقة رمسيس (يوسف وهبي): قدم معها روائع عالمية ومصرية مترجمة. - فرقة نجيب الريحانى: شارك فى أنجح مسرحياتها مثل (حسن ومرقص وكوهين) و(الدنيا لما تضحك). - فرقة منيرة المهدية وجورج أبيض. من أشهر مسرحياته التى هزت جنبات المسرح ضحكاً: - مسرحية «حسن ومرقص وكوهين»: التي جسدت الوحدة الوطنية بأسلوب ذكى. - مسرحية «الدنيا لما تضحك»: وهى المسرحية التى شهدت معاناته مع المرض، ورغم ذلك لم يخذل جمهوره لليلة واحدة. الوفاء حتى النفس الأخير لم يكن الفن لبشارة واكيم مجرد مهنة، بل كان هو الهواء الذي يتنفسه.. فى أواخر حياته، وأثناء وقوفه على المسرح بجانب العملاق نجيب الريحانى فى مسرحية «الدنيا لما تضحك»، أصيب بشلل مؤقت أثّر على حركته، ورغم تحذيرات الأطباء بضرورة الراحة التامة، كان يرفض المكوث فى الفراش، قائلاً: «المسرح هو الذى يشفينى». استمر «واكيم» فى العطاء حتى فى لحظات الضعف، وحين شعر بأن ذاكرته بدأت تخونه ولم يعد يحفظ النصوص كما كان، تأثرت علاقته بالريحانى قليلاً، فانتقل لفرقة أخرى ليثبت لنفسه وللعالم أنه لا يزال قادراً على العطاء، وفى الثلاثين من نوفمبر عام 1949، أسدل الستار على حياة هذا العبقرى، رحل بشارة واكيم وهو فى التاسعة والخمسين من عمره، والمفارقة الحزينة أنه فارق الحياة وهو ممسك بأوراق مسرحية جديدة كان يقرأها استعداداً لتقديمها، مات والضحكة لا تزال ترتسم على وجوه الملايين بسببه، بينما كانت عيناه تنظران إلى نصٍ لم يكتمل، لتنتهى رحلة «الأعزب الأشهر» الذى وهب حياته وماله وقلبه لفنٍ لم يخذله يوماً.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة