فمن المعروف أن ثقافات الأمم تتشكل من وحى ما تبثه الأعمال الفنية، خاصة المسلسلات الاجتماعية التى تخاطب كافة أفراد الأسرة المصرية والعربية، فهناك أعمال خالدة فى ذاكرة المشاهد المصري، والتى لن ينتصر عليها شبح النسيان مهما طال بها أمد البقاء فى الأذهان، فهى بصمة خالصة للحياة داخل البيوت المصرية، فمن منا يستطيع أن يسطو النسيان على ذاكرته فى غفلة من الزمان لكى يمحو منها تعلقه بأعمال الكاتب الكبير الراحل أسامة أنور عكاشة، صاحب البصمة الغائرة فى وجدان الشارع العربي، الذى كان ينتظر من عام لآخر متابعة مسلسلاته الرائعة مثل «الشهد والدموع»، و«ليالى الحلمية»، و«أرابيسك»، وغيرها من أعماله الفنية البناءة التى كان يلتف حولها جموع المصريين لمتابعة ما غرسته هذه الدراما الراقية من قيم داخل أعماق النفس البشرية، بعيدًا عن رسائل الوعظ والتلقين، لكونها تحتكم لضمير المشاهد فى الحكم على إبداع هذا الكاتب العظيم، الذى يشاركه فى هذه الحالة الإبداعية الكاتب الكبير محمد جلال عبد القوي، الذى علم المشاهدين أسمى معانى الحب والرومانسية من خلال مسلسلاته الخالدة، أمثال «المال والبنون»، و«الليل وآخره»، و«نصف ربيع الآخر»، و«غوايش»، وغيرها من الأعمال التى ما زالت تعلق بالوجدان والأذهان.
فهذان المبدعان «عكاشة وعبد القوى» علما جمهورهما إرهاصات فكرية ومغازى إنسانية ترتبط بالواقع المصري، الذى يتسم بأخلاق «ولاد البلد» من سلوكيات حميدة تتضمن مفاهيم الرجولة والشهامة والنخوة، إلى أن مرت الدراما المصرية بكبوة أخلاقية فى ظل غياب القدوة الحسنة، ما تسبب فى تسيد مسلسلات العنف والبلطجة على شاشات التليفزيون، والتى انعكست آثارها على سلوكيات بعض الشباب داخل الشارع، لأن نجوم هذه الأعمال أساءوا لمظاهر حياة المصريين، وشوهوا صورة الشخصية المصرية برؤية فنية هابطة تحيد عن أصل مكنونها الطيب من التسامح والتصالح مع الآخرين، إلى أن أمر الرئيس السيسى بتشكيل لجنة مسؤولة عن إصلاح حال الدراما المصرية، فظهرت على الساحة من جديد دراما المسلسلات الاجتماعية بما تحمله أفكارها المتميزة من مثل عليا ومبادئ، فعاود الجمهور الالتفاف حول شاشات التليفزيون المختلفة فى مشهد بليغ للدراما الاجتماعية الهادفة، التى جددت عهدها مع الجمهور مرة أخرى بعد طول غياب، فجعلتهم ينفرون من مسلسلات دراما «بير السلم» التى كانت مادة ثرية لارتكاب الجرائم من باب تقليد البعض لأبطالها فى الواقع..!
لكننا فى هذا العام شاهدنا عددًا من أفخم الرؤى الإبداعية لبعض كتاب مسلسلات الدراما المصرية الأكفاء، الذين جعلوا الشارع المصرى يستعيد توازنه بالحديث عن القضايا الهامة التى تناولتها مسلسلاتهم، ومنها مسلسل «على كلاي»، الذى كتبه محمود حمدان وأخرجه محمد عبد السلام، حيث تناول هذا المسلسل «شخصية البطل الشعبي»، الذى يتصف بكل سمات الرجولة من شهامة ونخوة، بعيدًا عن مسلسلات العنف التى سبق للنجم أحمد العوضى تقديمها من قبل، امتثالًا لتوجيهات الرئيس السيسي، الذى يفتخر بانتمائه لأعرق الأحياء الشعبية والتاريخية، حى «الجمالية”.
نجح هذا المسلسل فى غرس نموذج البطل القدوة داخل نفوس الأطفال من خلال شخصية «على كلاي»، بطل الشارع الذى يحترمه الجميع من منطلق حبهم له، لكونه يمتلك قدرًا كبيرًا من الجدعنة والمروءة ويدافع عن المقهورين وينتصر للحق دائمًا، ما أضفى على هذا المسلسل سمة الطابع الشعبي، فضلًا عن أن براعة نجوم هذا المسلسل فى تجسيد أدوارهم به جذبت الجمهور لمتابعته بشغف، ومن الذين برعوا فيه النجمة «درة»، التى فاجأت الجميع بتألقها للمرة الأولى فى أدوار الشر من خلال دور «ميادة»، التى ألقبها بـ«ميادة الكيادة»، حيث تفوقت «درة» فى هذا المسلسل بما تكنه من ضغائن وكره على كيد «زليخة» لسيدنا يوسف، بانتقامها مع طليقها «على كلاي» لأنه فضل عليها غريمتها «روح»، كما طل علينا الوجه الجديد الفنان الشاب «عمر رزيق»، ابن المخرج الراحل رزيق البهنساوي، بإطلالة متميزة بأدائه لدور «سيف»، بالإضافة إلى تألق الفنان محمد ثروت هو الآخر فى الجمع ما بين خفة ظله بالمسلسل وكونه شريرًا ينتقم من عائلة «منصور الجوهري» فى شخص ابنتهم «همت»، زوجته، ما جعلنى أراه امتدادًا لفناننا الكبير الراحل توفيق الدقن.
بلا شك أيضًا أن المسلسل الإنسانى «حكاية نرجس»، تأليف كل من عمار صبرى وسامح علاء ومحمد إسماعيل أمين، وإخراج سامح علاء، كان من أجمل مفاجآت الدراما الاجتماعية، حيث أبدعت فيه النجمة الشابة ريهام عبد الغفور، مؤكدة صحة المثل القائل بأن «ابن الوز عوام»، لأنها تفوقت على نفسها، حيث استطاعت رغم قسوة ما قدمته من خطفها للأطفال، إلا أن أداءها الممتع ونظراتها المعبرة وإيماءاتها المؤثرة جعلت الجمهور يتعاطف مع أفعالها المرفوضة، حيث أجبرت هذا الجمهور بشكل غير مباشر على أن يلتمس لها العذر فى نوازعها المرضية نحو رغبتها فى الأمومة، وكأن لسان حالها أراد أن يقول لهم إن وجودها كأنثى مرهون بادعائها أنها أم، حتى لو كلفها هذا الادعاء أن تقوم بخطف الأطفال، كما أن النهاية المأساوية لـ«نرجس» جعلتها تكسب تعاطف ودموع الجمهور مع مصيرها الدموى فى مشهد النهاية بالانتحار ندمًا على ما اقترفته من معاصٍ فى حق ابنها بالتبنى «يوسف»، الذى قامت بخطفه، فكان حبيس شعوره بالضياع لفقدانه الإحساس بالانتماء لأسرة وشعوره بالعزوة..!
كانت دوافع نرجس غير السوية فى البداية هى المحرك الرئيس فى ارتكابها لجريمة خطف الأطفال هى وزوجها «عوني»، الذى أبهرنا بأدائه المرعب الفنان المبدع حمزة العيلي، الذى يذكرنى أداؤه لدور المحب المعاق جسديًا ونفسيًا، والمسير وفقًا لرغبات نرجس، بجيل العظماء أمثال محمود المليجى وعبد الله الغيث وغيرهما من رموز وأعلام الوسط الفني، فكان تعليق حمزة العيلى عندما أخبرته بذلك تليفونيًا بأن بدايته المسرحية جعلته يكتسب خبرة تمكنه من أداء الشخصيات المركبة بكل سلاسة ويسر.
مسلسل «حكاية نرجس» ألقى الضوء على مشكلة إنسانية تعبر عن قصة واقعية ألهبت مشاعر المجتمع بقسوتها، وفى الوقت نفسه جعلت الجمهور يتعاطف مع شعور البطلة المزمن فى رغبتها وميولها لإشباع ما ينقصها بسبب عدم قدرتها على الإنجاب، فى رسالة شديدة المعنى لهذا المجتمع الذى تراه بأنه لن يمنحها صك الاعتراف بها إلا من خلال إنجابها الأطفال وحصولها على لقب «أم»..!
حتى لو كانت دوافعها مرفوضة اجتماعيًا ومنبوذة إنسانيًا، إلا أن هذا المسلسل نجح فى تجسيد صورة الضعف الإنسانى من خلال أحلام امرأة كان يعايرها الجميع بأنها عاقر، فخدعتهم بأوهام أنها حامل فى مخدة..!
حتى تستريح من مطاردة الأقاويل ونظرات الاستهجان من أقرب الناس إليها، والتى تمثل نوعًا من العقاب النفسى لذنب لم تقترفه، ألا وهو عدم قدرتها على الحصول على هوية أنوثتها فى نظرهم بعدم قدرتها على امتلاك نعمة الإنجاب القدرية التى لم يمن بها الخالق عليها، وليس معنى ذلك أن المسلسل يبرر لنرجس جرائمها، ولكنه يعرض مبررها النفسى أمام ما تواجهه من ضغوط اجتماعية تلطم وجدانها مع كل كلمة سخيفة تسمعها من المحيطين بها، لذا أرى أن هذه النوعية من المسلسلات تلعب دورًا مؤثرًا فى إعادة صياغة المفاهيم المغلوطة داخل المجتمع، فتصحح مساره وتقوم مسيرته نحو تفهمه الصحيح لبعض القضايا الإنسانية والاجتماعية التى ترتكب باسمها بعض الجرائم.
على الجانب الآخر، كان من أهم مسلسلات الدراما الاجتماعية ذات الصبغة الرومانسية مسلسل «كان يا ما كان»، الذى يحمل عنوانه أغنية شهيرة للمطربة السورية الكبيرة ميادة الحناوي، التى اتسمت أغانيها بالحس العاطفى المتفرد، ومنها أغنية «كان يا ما كان»، التى ارتبطت بذكريات ومسامع ووجدان الجميع، لذا يبدو أن مؤلفة هذا المسلسل شيرين دياب استثمرت نجاح هذه الأغنية بإسقاطها على أحداث مسلسلها، الذى يتصف بالجاذبية والاختلاف لما يطرحه من فكرة الصراع ما بين لوعة الحب والتمرد عليه من زوجة لم تعبأ بتوابع اتخاذها لقرار الانفصال عن زوجها المغلوب على أمره، الذى جسده باقتدار النجم الكبير ماجد الكدواني، وكأنه يقدم لنا بأدائه المعبر كشف حساب لمسيرته وتاريخه الفنى من خلال هذا الدور الرائع، الذى تأرجح فيه أداؤه بين المحب المستسلم لأقداره القاسية وبين نزعته فى الحفاظ على صورته كرجل يثأر من غدر طليقته ضمن أحداث هذا المسلسل الذى لمس كل قلب جريح من غدر من وقع خطأً فى حبهم.
المسلسل فى مجمله يناقش أهم القضايا الاجتماعية المصيرية التى تتعلق بأسس اختيارنا للشريك داخل «صفقة العمر» التى يظن أنها صفقة نجاته الرابحة والأبدية من الوحدة والعزوبية تحت مسمى «الحياة الزوجية»، حيث شبه تراثنا الشعبى حظوظنا فيها بالبطيخة، فإما أن تكون ذات مذاق حلو مستساغ، أو قد تكون هذه البطيخة ماسخة «قرعة»..!
فيستحوذ علينا الندم، سجان ذكرياتنا، مع هذا الشريك المخالف المتمرد على حبنا الذى لا يستحقه، لأنه يسعى فقط خلف مصلحته، ظنًا منه بأنه قدم سلسلة من التنازلات لكى تستمر هذه الحياة الأقرب إلى سجن انفرادى يعيش داخله وحده منزوع الإرادة والاختيار.
لعبت مشاعر ماجد الكدوانى دوراً هاماً فى هذا المسلسل، من خلال أدائه المخضرم لدور الزوج والأب، فى التأثير على المشاهدين، خاصة مجاريح العشق والهوى مثله، إذ نجح فى أن ينقل حتى فى صمته أثناء أدائه لبعض مشاهده بالمسلسل إحساسه بالقهر من قسوة زوجته التى أعلنت عليه العصيان فجأة رغم معاملته الطيبة لها، فقررت أن تفارقه طمعًا فى البحث عن السعادة مع زوج آخر، علمًا بأن الكدوانى كان يطمح للعيش السلمى داخل بيته مع زوجته التى يعشق ظلها وابنته التى تردد نبضات قلبه اسمها، لكن تأتى الرياح بما لا تشتهى السفن، إلا أن هذه الزوجة عاشت مرارة الشعور بأنها غير سعيدة لأن زوجها دللها زيادة عن المألوف، فانقلبت عليه بعد أن بذل المزيد من الجهد والعطاء لكى يرضيها، إلا أن إحساسها بأنها تنعم عليه بالاستمرار معه فى الحياة الزوجية، بعد أن انعدم منسوب حبها له، ما جعلها تعيش حالة من الجفاء العاطفى معه، لأنها أصبحت تراه بأعين أمها المستغلة، الحية الشمطاء، التى أفسدت عليها شعورها بالرضا، بأن تبتز زوجها فى الحصول على المزيد من المكاسب منه، مثل شرائه لسيارة خاصة لها وهدايا ومصوغات ذهبية، إلا أن كل هذه الغنائم لم ترض أطماعها، خاصة مع تزايد إحساسها بأنها تتنازل وتتفضل عليه بأنه مجرد زوج لها يشاركها فقط الحياة بالعيش تحت سقف واحد..!
لكن مؤلفة هذا المسلسل نجحت فى التخلى عن الانحياز لهذه الزوجة المتمردة، والتى أراها كالقطة الهاربة من دفء العيش مع من يربيها لتخرج إلى معترك الحياة، فتقع فريسة لأطماع من يريد أن يصاحبها ويدخل معها فى علاقة محرمة يرفضها المجتمع، بل إن المؤلفة جعلتها امرأة تفتقد لأهلية الاعتراف بها أمام المجتمع من قبل حبيبها الأول، الذى عرض عليها أن يتزوجها عرفيًا فى الخفاء حفاظًا على مشاعر أولاده، بل إنه قام بإخفائها عنهم بشكل مهين داخل الدولاب عندما زاروه، حتى ينجو من السقوط من نظرهم بوجودها فى حياته، خشية أن يشعروا بأن اهتمامه بهم قد انصرف إليها، وكأن القدر ينتقم منها بسبب تمردها على الحياة السوية فى كنف زوجها وابنتها، كما أن لسان حال المؤلفة يريد أن يقول من خلال سردها لهذه المواقف المحرجة التى تعرضت لها بطلة مسلسلها بأنه كان ينبغى عليها بذل المزيد من التضحيات من أجل الحفاظ على بيتها وأسرتها، لأن شعورها المتزايد بأنها تعيش حالة من الصراع النفسى بتقديمها التنازلات من أجل الاستمرار فى حياتها الزوجية سيجعلها تصل حتمًا إلى ما آلت إليه من مآسٍ الفراق، لأن بذل التضحيات يدعم الحياة الزوجية ويحافظ على بقائها، عن شعور الزوجة بكونها تجبر على تقديم تنازلات فتصل إلى حافة الانهيار، وعلى رأى المثل «اللى ما يرضاش بالخوخ يرضى بشرابه»..!
بالإضافة إلى أن المسلسل استعرض عدة علاقات اجتماعية، منها الخطيب المستغل والبنت المنحرفة التى ترفض الارتباط بمن تعيش معه المساكنة، تلك الظاهرة الاجتماعية المستحدثة على مجتمعنا والمرفوضة دينيًا واجتماعيًا، إلا أنه يُحسب لهذا المسلسل أنه قام بدور توعوى لظاهرة خراب البيوت بانتشار الطلاق والتفكك الأسري، لعل وعسى أن يراجع أطراف هذه القضية الخطيرة أنفسهم قبل الاختيار أو اللجوء إلى الفرار من قيود الرباط المقدس «الزواج»..!