بالنسبة للزبون الأمر لا يتعدى «ضغطة زر»، لكن على الجانب الآخر هناك الآلاف من عمال التوصيل يخوضون سباقًا مع الزمن على الطريق، هذا القطاع الذى انفجر نموًا بفضل الاقتصاد الرقمى وتحول إلى ملاذ لآلاف الشباب، لكن خلف هذا النمو المتسارع تكمن حقيقة قاسية، فهؤلاء الذين يحملون رفاهية المجتمع على أكتافهم يسقطون غالبا خارج شبكة الحماية الاجتماعية، بلا تأمين يحميهم من مخاطر الطريق، ولا مظلة صحية تضمن لهم مستقبلاً آمنًا.
لم يعد «الدليفرى» مجرد مهنة عابرة، بل تحول إلى ركيزة أساسية فى الاقتصاد الرقمى الجديد، ومع تضاعف أعداد العاملين فى هذا القطاع برزت إلى السطح أزمة العمالة التائهة، فآلاف الطيارين اليوم يفتقرون لأبسط ضمانات الأمان الوظيفى؛ عمالة غير منتظمة تواجه مخاطر الطريق بعيدا عن سجلات التأمينات الاجتماعية ومنظومات الرعاية الصحية.
وفى هذا السياق، قال الدكتور محمد فتحى، خبير الحماية الاجتماعية: إن «الوقت قد حان لتبنى رؤية شاملة تعيد تنظيم هذا القطاع وتوفر للعاملين فيه مظلة حماية متكاملة، فطبيعة عمل عمال التوصيل تجعلهم أكثر عرضة لمخاطر الطريق، خاصة مع ضغط الوقت وكثافة الحركة المرورية وساعات العمل الطويلة، حيث يعد التعرض للحوادث أحد أبرز التحديات اليومية التى تهدد مصدر دخلهم الوحيد؛ إذ إن إصابة العامل أو تعرضه لحادث قد تعنى توقف دخله بشكل فورى، ما يضع أسرته أمام مخاطر اقتصادية واجتماعية جسيمة، ومن هنا تبرز الحاجة الملحة إلى توفير منظومة تأمين شاملة تغطى مخاطر العمل، بحيث تتضمن تعويضات عادلة للعامل وأسرته فى حالات الإصابة أو العجز أو الوفاة، كما تمنحهم شعورًا بالاستقرار أثناء أداء مهامهم».
وأشار خبير الحماية الاجتماعية إلى أنه لا يمكن التعامل مع العاملين فى قطاع توصيل الطلبات باعتبارهم فئة واحدة، فالمهنة تستقطب شرائح متعددة من المجتمع؛ فهناك مَن يمارسها كمصدر دخل إضافى بجانب عمله الأساسى لتحسين مستوى معيشته، وهناك مَن يعتمد عليها اعتمادًا كاملاً كمهنة رئيسية، إضافة إلى فئات شابة تدخل سوق العمل من خلالها بسبب محدودية الفرص المتاحة فى قطاعات أخرى.
وأضاف أن «بعض الحالات تشير إلى انخراط قُصّر فى هذا المجال، وهو ما يثير مخاوف تتعلق بالحماية القانونية والاجتماعية لهذه الفئة، لذلك، يجب ضرورة إجراء حصر شامل لجميع العاملين فى هذا القطاع، بهدف تحديد احتياجاتهم بدقة ووضع سياسات متدرجة تراعى اختلاف ظروفهم، فتقنين أوضاع عمال التوصيل يمثل نقطة الانطلاق نحو بناء منظومة مستدامة؛ إذ يسهم إدماجهم فى الاقتصاد الرسمى فى تحسين جودة الخدمات وتعزيز الاستقرار الاجتماعى».
«د. محمد»، شدد على أنه يمكن تحقيق ذلك عبر إنشاء نظام تسجيل مبسط يتيح للعاملين الانضمام إلى برامج التأمين الاجتماعى والصحى دون تعقيدات بيروقراطية، مع منحهم بطاقات تعريف مهنية تساعد على تنظيم العلاقة بينهم وبين شركات التطبيقات والمنصات الرقمية، كما يبرز دور هذه الشركات كشريك أساسى فى منظومة الحماية، من خلال المساهمة فى تمويل برامج التأمين وتوفير تدريب مهنى وإجراءات سلامة تضمن تقليل المخاطر.
كما نبه «فتحي» بضرورة تصميم برامج تأمين مرنة تتناسب مع طبيعة العمل غير التقليدية، بحيث تعتمد على اشتراكات صغيرة قابلة للتدرج وفق مستوى دخل العامل، مع دعم حكومى يضمن شمول أكبر عدد ممكن من العاملين فى هذا المجال، كما يمكن إنشاء صندوق تكافل خاص بعمال التوصيل، يهدف إلى تقديم مساعدات عاجلة فى حالات الحوادث أو الظروف الطارئة، بما يعزز الشعور بالأمان ويحد من الآثار الاقتصادية المفاجئة التى قد تواجههم.
وأضاف خبير الحماية الاجتماعية أن «أهمية الحماية الاجتماعية لا تقتصر على الجوانب المادية فقط، بل تمتد إلى البعد النفسى والاجتماعى، فالكثير من العاملين فى العمالة غير المنتظمة يعيشون حالة دائمة من القلق بشأن المستقبل، نتيجة غياب الاستقرار الوظيفى وعدم توفر شبكة أمان تحميهم فى أوقات الأزمات، وهذا القلق ينعكس بدوره على استقرار الأسرة؛ إذ إن المرض أو التعطل عن العمل قد يعنى فقدان مصدر الدخل الوحيد، وتوفير رعاية صحية وتأمينات اجتماعية شاملة يسهم فى تخفيف الضغوط النفسية وتعزيز شعور العامل بالكرامة المهنية، ما ينعكس إيجابًا على جودة أدائه ومستوى التزامه بالطريق والعمل».
كذلك، أكد «فتحى» على أهمية إطلاق برامج تدريبية متخصصة تركز على السلامة المهنية والقيادة الآمنة، خاصة أن تقليل معدلات الحوادث يمثل هدفًا رئيسيًا لأى سياسة تنظيمية ناجحة، ويمكن أن تشمل هذه البرامج على دورات إلزامية للعاملين الجدد، إلى جانب تقديم حوافز للعاملين الملتزمين بمعايير السلامة، مثل تخفيض رسوم التأمين أو منح مزايا إضافية، مع ضرورة مواجهة ظاهرة عمل الأطفال فى هذا المجال عبر تشديد الرقابة ووضع ضوابط واضحة تضمن عدم استغلال القُصّر، وتوفير بدائل تعليمية وتدريبية تساعد الأسر على تجاوز الضغوط الاقتصادية دون الاعتماد على تشغيل أبنائها فى أعمال محفوفة بالمخاطر.
ونوه بأنه يبقى تنظيم قطاع التوصيل السريع اختبارًا حقيقيًا لقدرة السياسات الاجتماعية على مواكبة التغيرات الحديثة فى سوق العمل، وبينما يواصل هذا القطاع النمو بوتيرة متسارعة، تظل الحاجة ملحة إلى تدخلات مدروسة تضمن ألا يتحول التوسع الاقتصادى إلى مصدر هشاشة اجتماعية، بل إلى فرصة لتعزيز الحماية والعدالة الاجتماعية.