خلال أقل من عقدين، قفزت عمالة التوصيل فى مصر من نشاط محدود إلى قطاع يضم نحو 6 ملايين عامل، وفق تقديرات حديثة مدفوعة بنمو متسارع للتجارة الإلكترونية وتغير سلوك المستهلكين، هذا التوسع لم يقتصر على مطاعم الوجبات السريعة كما كان فى البداية، بل امتد ليشمل مختلف السلع والخدمات من الأدوية والمنتجات الغذائية إلى المستندات والخدمات الحكومية، مدعومًا بانتشار التطبيقات الرقمية ومنصات الشراء الإلكترونى.
وبينما سجل قطاع التوصيل أحد أعلى معدلات النمو داخل الاقتصاد الرقمى، برزت مفارقة لافتة؛ إذ يعمل جزء كبير من هذه القوة العاملة خارج الإطار الرسمى، ضمن فئة العمالة غير المنتظمة التى تفتقر إلى التأمينات الاجتماعية والرعاية الصحية، ففى مقابل آلاف العاملين تحت مظلات شركات منظمة، يقف ملايين آخرون فى دائرة غير محمية رغم كونهم الركيزة الأساسية التى يقوم عليها هذا القطاع سريع التوسع.
هذه الأرقام تعكس واقعا مزدوجا «قطاع يتضخم بوتيرة غير مسبوقة مقابل فجوة متسعة فى منظومة الحماية»، ما يطرح تساؤلات ملحة حول قدرة السياسات الحالية على استيعاب هذا النمو وضمان حقوق العاملين فيه.
فى هذا الإطار، أكد الدكتور محمد أنيس، الخبير الاقتصادى، أن الأصل فى سوق العمل هو شمول جميع العاملين بمظلة الحماية الاجتماعية دون استثناء، وعمال التوصيل يندرجون بوضوح ضمن هذه الفئة بما يجعل إدماجهم فى منظومة التأمين والرعاية حقا أساسيا لا يحتمل الجدل أو الاختلاف حوله، ولا بد أن يتم ضبط تشريعى سواء فى قانون العمل أو غيره من التشريعات بما يضمن عدم تحايل أصحاب الأعمال للتهرب من إدماج العاملين ضمن منظومة الحماية الاجتماعية، على أن تكون هذه الحماية شاملة وتضم التأمين الصحى، باعتبارها حقا إنسانيا واجب التطبيق لا يحتمل التأجيل، فعمالة التوصيل ليست جديدة على المجتمع المصرى لكنها لم تبلغ هذا الحجم من الانتشار من قبل، وتعود بداياتها مع ظهور مطاعم الوجبات السريعة، إلى جانب وجودها بشكل محدود فى بعض الأنشطة البسيطة مثل محال البقالة والخضار والفاكهة داخل نطاقات سكنية ضيقة قبل أن تتسع بشكل لافت مع تطور السوق.
وتابع «أنيس»: الفرق الأساسى الآن يكمن فى حجم التوسع الكبير لعمالة التوصيل، فبعضهم يعمل لدى شركات شحن كبرى أو محلية ولديهم عقود عمل ومظلة حماية اجتماعية، بينما يمارس آخرون عملهم دون أى عقود أو تأمينات أو مظلة حماية، وهؤلاء يندرجون غالبا تحت تصنيف العمالة الخارجية «Outsourcing» وفى هذه الحالة، يظل عمال التوصيل بلا حماية فعلية نظرًا لوجود ثغرات قانونية تجعل حقوق العاملين فى هذا التصنيف غير مضمونة، وهذا ما يجب إصلاحه بشكل عاجل.
كما نوه بأن عمالة التوصيل تمثل عنصرا حيويا لدعم الاقتصاد الرقمى، فتوسع هذا الاقتصاد يتطلب زيادة أعداد العاملين فى هذا القطاع ففى ظل التحول الرقمى واتساع نطاق التجارة الإلكترونية داخل السوق المحلى أصبح الاعتماد على قوة عاملة كبيرة فى التوصيل أمرا ضروريا لضمان وصول المنتجات والخدمات إلى المستهلكين بكفاءة، ومع تزايد المعاملات عبر منصات وتطبيقات الشراء الإلكترونى يصبح وجود عمال توصيل قادرين على تسليم المنتجات للمستهلكين أمرا لا غنى عنه، وبالتالى إذا أردنا توسيع حجم التجارة الإلكترونية داخليا، فلا بد من توسيع دائرة عمالة التوصيل مع ضمان جميع حقوقهم المادية ودمجهم فى منظومة حماية اجتماعية شاملة.
وأشار الخبير الاقتصادى إلى أن القانون لا يستهدف فئة معينة من العمالة بقدر ما يختص بتصنيف محدد، وعمالة التوصيل تندرج ضمن تصنيف أوسع يعرف بالعمالة الخارجية، وهو تصنيف لم تحظَ التشريعات المصرية بالاهتمام الكافى تجاهه، والقوانين بحاجة إلى تجديد لتواكب أنواع العمالة الجديدة التى ظهرت مع التطور التكنولوجى والتحول الرقمى مثل عمالة التوصيل وضمان شمولهم فى منظومة الحماية الاجتماعية.
وعن طرق تنفيذ برامج الحماية لهذه الفئة، أكد أن آليات التنفيذ تختلف من دولة إلى أخرى، فالتجربة فى الولايات المتحدة الأمريكية تختلف عن بريطانيا أو الدول الإسكندنافية مثل فنلندا والدنمارك والسويد، وتختلف أيضا عن دولة الإمارات، لذلك لا يمكن ببساطة استنساخ أى نموذج أجنبى، بل يجب تكييفه بما يتناسب مع الظروف المحلية فى مصر، ويرجع ذلك إلى أن تنفيذ المبدأ يتبعه حدود تطبيقه وهنا حدود التطبيق هو القدرات المالية، وبالتالى فإن تطبيق هذه المظلة يعتمد على موارد كل دولة وقدرتها على التحمل، فمن الممكن أن يسهم مجتمع الأعمال فى تمويل برامج الحماية لعمال التوصيل، لكن يجب أن يتم ذلك بطريقة لا تضغط على هوامش الربح بشكل كبير حتى لا تتحول التكلفة إلى المستهلك مباشرة وترفع معدلات التضخم.
من جانبه، أوضح الدكتور خالد الشافعى، الخبير الاقتصادى، رئيس مركز العاصمة للدراسات والأبحاث الاقتصادية، أن عمالة التوصيل هى أحد عناصر التجارة الإلكترونية فى الاقتصاد الرقمى، ودونها يختل ميزان هذا الاقتصاد حتى إنه يفتقد لعنصر مهم قد يتسبب فى تراجع وتوقف مكاسب هذا الاقتصاد السريع، فعمالة التوصيل هى حلقة الوصل بين البائع والمستهلك فى التجارة الإلكترونية، ودون هذه الحلقة المهمة لن تتنامى وتتطور التجارة الإلكترونية أحد أهم أعمدة الاقتصاد الرقمى، ومن هنا وجب تقنين وتضبط وتنظيم العمل بهذا القطاع.
وأكد «الشافعى» أن ضبط وتقنين أوضاع عمال التوصيل يمثل خطوة حيوية لتوفير مزيد من فرص العمل لشريحة كبيرة من الشباب والكبار بما يحقق دخلاً ماديًا مناسبًا، وفى الوقت ذاته يمنحهم مرونة فى أوقات العمل والمناطق الجغرافية التى يعملون فيها، فهذه العمالة لا تتطلب مهارات معقدة، فتعلم قيادة السيارات أو الموتوسيكل يكفى لتأهيل الفرد للعمل كعامل توصيل، ما يسهم فى خفض معدلات البطالة وهو مؤشر إيجابى للاقتصاد.
وأضاف أن عمالة التوصيل تمثل عنصرا أساسيا فى التوسع بالاقتصاد الرقمى الحر عبر تطبيقات ومنصات الشراء الإلكترونى، حيث يبدأ الكثير من الأفراد مشروعاتهم الخاصة عبر هذه المنصات وتصبح آلية التوصيل مسئولية عمال التوصيل، ما يجعل نجاح هذه المشروعات جزئيا مرتبطًا بهم، وهذا ينعكس بدوره على زيادة معدلات التجارة الإلكترونية وارتفاع حجم الإنتاج فى الاقتصاد الرقمى.
كما أشار إلى أن التوسع فى أعداد عمالة التوصيل يواجه ثلاثة تحديات رئيسية: أولها غياب حصر شامل لأعداد العمالة، وثانيها أن أغلب العاملين لا يمتلكون عقود عمل أو تأمينات اجتماعية، وثالثها تحديات مادية مثل انخفاض العائد أو الإكراميات مقابل ارتفاع تكاليف المعيشة، إضافة إلى غياب تشريعات تنظم علاقة العامل بصاحب العمل فى هذا المجال، ومعالجة هذه التحديات أمر ضرورى لضمان توسع التجارة الإلكترونية وتعزيز الاقتصاد الرقمى.