رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

قاعدة بيانات موحدة و«باركود» تعريفى.. نهاية زمن «عشوائية الدليفرى»


27-3-2026 | 11:09

.

طباعة
تقرير : منار عصام

لم يعد عمال التوصيل مجرد «دليفرى» يجوبون الشوارع من أجل إيصال الطرود، بل تحولوا إلى شريان حيوى يربط بين الأسواق والمستهلكين، ومع هذا التوسع الضخم فى ذلك القطاع برزت تحديات تنظيمية وقانونية تطلب تدخلاً عاجلا، ومن هنا تفتح وزارة العمل ملف هذه الفئة ضمن استراتيجيتها لدعم العمالة غير المنتظمة، فى خطوة تهدف إلى موازنة كفتى الميزان بين متطلبات السوق وحقوق العاملين الأكثر احتياجا.

 
 

فى هذا الشأن، أوضح عبدالوهاب خضر، المتحدث باسم وزارة العمل، أن الوزارة تعمل على قدم وساق لإيجاد قاعدة بيانات موحدة لهذه الفئة، فالمعلومات التى لديها استُقيت حتى الآن من خلال التواصل المباشر مع الشركات العاملة فى هذا المجال، والتى تؤكد أن أعدادهم كبيرة جدًا حيث قد يصل عدد العاملين فى شركة واحدة إلى أكثر من 30 ألف عامل، والوزارة أطلقت مؤخرا حملة رسمية لرعاية عمال الدليفرى بحضور كبرى شركات التوصيل فى مصر مثل: طلبات مصر، وأمريكانا، وأمازون، إلى جانب عدد من سلاسل المطاعم المصرية.

وعن أهداف الحملة، قال «خضر»: نستهدف من هذه المبادرة توفير بيئة عمل آمنة لعمال التوصيل وحمايتهم من المخاطر التى تواجههم فى الشارع، فهم يتعاملون مع الموتوسيكلات كآلات وكثيرًا ما يضطرون للسير عكس الاتجاه، مما يعرضهم لمخاطر جسيمة وغالبًا ما يكونون دون مهمات وقاية، والهدف الأول هو توفير مهمات الوقاية اللازمة (خوذ، وأكواع، وركب) للحد من الإصابات الخطيرة التى قد تؤدى إلى الوفاة نتيجة السقوط على الرأس، ويجرى حاليا التعاون مع شركة «طلبات مصر»، لعقد ندوات ولقاءات للتوعية بأهمية الحملة، كما تم توفير 4 آلاف خوذة ومهمة وقاية وتم توزيعها على العمال وأصدرت الشركة بطاقات تعريف للعمال تحمل بياناتهم وصورهم، ليتمكن المواطن من التعرف على العامل الذى يطرق بابه بسهولة.

وكشف المتحدث الرسمى لوزارة العمل عن جهود حثيثة لربط هذه الفئة بمنظومة التأمينات الاجتماعية والصحية، قائلًا: نحن فى تواصل مع وزارة التأمينات لتأمين العمال اجتماعيًا وصحيًا، كما تم مخاطبة الإدارة العامة للمرور لتكثيف الحملات التوعوية والرقابية فى الشارع وهناك مقترح تحت الدراسة لإنشاء صندوق تأمينى خاص بهم، وقد أبدت إحدى الشركات الكبرى استعدادها لدعمه.

كما أوضح أن نظام العمل يتنوع بين نظام اليومية أو نظام الأجر حسب عدد الطلبات، بالإضافة إلى أن الموتوسيكل قد يكون مملوكًا للعامل أو مؤجرًا له من الشركة، مما يجعل تنظيم أوقات العمل أمرًا مرتبطًا بالاتفاق التعاقدى مع الشركة، ولم تقتصر جهود الوزارة على الشركات الكبرى فقط، بل امتدت لتشمل المنشآت الصغيرة والمتوسطة مثل المطاعم المستقلة والصيدليات الكبرى التى تمتلك عمال توصيل خاصين بها، والوزارة تقوم بحملات تفتيشية على هذه المنشآت، وصاحب العمل هو المسئول المباشر عن توفير الحماية والتأمين للعاملين لديه.

وفيما يتعلق بإنشاء قاعدة بيانات شاملة، أكد «خضر» أن هناك مقترحات عديدة قيد الدراسة من خلال إدراج عمال التوصيل ضمن منصة العمالة غير المنتظمة أسوة بعمال المقاولات والمبانى، وكذلك دراسة ما إذا كان سيتم إنشاء منصة مستقلة لهم أو إدراجهم ضمن المنصة الحالية بفئة منفصلة لتجنب ازدواجية التسجيل، أما عن حماية المواطنين الذين يتعاملون مع عمال التوصيل، فإن بطاقة التعريف التى تم إصدارها تحمل باركودًا يمكن من خلاله التأكد من هوية العامل وهذه البطاقة تحمى صاحب المنزل أيضا فقبل فتح الباب يمكنه التأكد من بيانات العامل، وقد تم صرف 3 آلاف بطاقة بالتعاون مع شركة طلبات وسيتم تعميم التجربة على باقى الشركات.

وكشف «خضر» أن نجاح المبادرة يقاس بمدى التزام العاملين بقواعد السلامة والانضباط فى الشارع بحيث يختفى السير عكس الاتجاه، ويلتزم الجميع بارتداء مهمات الوقاية مع ضمان معرفة هوية عامل التوصيل قبل دخوله المنازل، وهنا الهدف هو الوصول إلى منظومة منظمة تشبه تطبيقات النقل الذكى تتيح للمستخدم الاطلاع على بيانات مقدم الخدمة بشكل كامل قبل التعامل معه، فالوزارة تعمل بالتنسيق مع مختلف الجهات المعنية لضمان توفير الحماية والرعاية اللازمة لهذه الفئة الحيوية من العمال.

وفى سياق حملة «سلامتك تهمنا» التى أطلقها وزير العمل لم تعد مهنة التوصيل مجرد وسيلة لنقل الطلبات، بل تحولت إلى نشاط مهنى يوفر فرص دخل مستقرة لآلاف الشباب مع توجه حكومى واضح لدعمهم وتعزيز مستوى الأمان أثناء العمل، حيث شهد قطاع التوصيل توسعًا ملحوظًا امتد ليشمل السوبر ماركت والصيدليات ومحال الخضروات والفاكهة وحتى المطاعم، وهو ما أدى إلى زيادة الطلب على العمالة بشكل مستمر، ويؤكد العاملون أن النشاط يشهد رواجًا متزايدا انعكس على ارتفاع ساعات العمل وتحسن مستوى الدخل، خاصة مع الإكراميات التى يقدمها العملاء فى بعض المناطق.

وفيما يتعلق بإجراءات السلامة، يحرص السائقون على الالتزام بارتداء الخوذ واستخراج التراخيص اللازمة، إلى جانب التقيد بقواعد المرور، باعتبارها عوامل أساسية لاستمرار العمل وكسب ثقة العملاء، وتتركز فترات الذروة غالبا خلال ساعات الليل مع مراعاة الجهات الأمنية لطبيعة المهنة لاسيما عند التزام العاملين بالزى الرسمى وإثبات الهوية، ومع زيادة الإقبال على المهنة ارتفعت أسعار الدراجات النارية خاصة الاقتصادية منها، بينما يلجأ بعض العاملين فى المناطق الضيقة إلى استخدام الدراجات الهوائية أو السير على الأقدام لتقليل النفقات التشغيلية.

وروى العشرات من شباب مصر الذين اختاروا مهنة التوصيل (الدليفرى) قصصًا يومية من المخاطر والتحديات، لكن مع إطلاق وزارة العمل المصرية مبادرة «سلامتك تهمنا» بدأت بوادر أمل تلوح فى الأفق لهذه الفئة التى طالما عانت من غياب الحماية القانونية والاجتماعية والدعم، بعد سنوات من غياب الحماية الكافية، حيث حكى محمد عبدالرحمن 28 عامًا، الذى يعمل فى المهنة منذ ثلاث سنوات، عن تجربته، موضحا أن تسلمه حقيبة الأمان من الوزارة كان بمثابة رسالة تقدير حقيقية، وأن العمل سابقًا كان يتم دون وسائل حماية كافية مثل الخوذ أو السترات العاكسة، ما كان يعرضهم للخطر بشكل يومى، وتوفير أدوات السلامة لا يقتصر على كونه إجراءً احترازيًا بل يعكس اهتمامًا بحياة العاملين وحرصًا على عودتهم سالمين إلى أسرهم، فهذه الخطوة تمثل بداية مهمة لتحسين أوضاع العاملين فى هذا القطاع».

أما كريم مصطفى، 34 عامًا، كشف أنه أصيب بوعكة صحية شديدة مؤخرًا، ليكتشف أنه خارج المنظومة الصحية بالكامل فلا تأمين صحى له ولا مكان بالمستشفى بلجأ إليه والمستشفيات الخاصة مرتفعة التكاليف والحكومى زحام وتأخير، وبعدما علم عن المبادرة الجديدة شعر بارتياح ورغب فى التسجيل ليكون له تأمين صحى، معتبرا أنها أفضل مبادرة مقدمة لهم.

لم تتوقف جهود الوزارة عند حدود المعدات الوقائية، بل تمتد إلى إعداد دليل شامل للسلامة وقواعد سلوك مهنية مصممة خصيصًا لعمال التوصيل، تتضمن ممارسات القيادة الآمنة ومعايير المعدات ووحدات التدريب وحقوق العمال كما يجرى التنسيق مع شركات التوصيل الكبرى لتنظيم ندوات توعوية حول قوانين المرور والسلامة على الطرق، وفى تطور تشريعى مهم دخل قانون العمل الجديد رقم 14 لسنة 2025 حيز التنفيذ فى سبتمبر 2025، ليحدث تحولًا جذريًا فى فلسفة إدارة العمل، حيث يعترف صراحة بالعمل عن بعد والوظائف القائمة على المنصات الرقمية مثل خدمات التوصيل ويضمن القانون الجديد للعمال الحماية من الفصل التعسفى، ويوجب حل النزاعات العمالية فى غضون ثلاثة أشهر.

ورغم التفاؤل تبقى نظرات الترقب حاضرة، فهذه هالة سيد، 41 عامًا، أرملة تعمل فى التوصيل لإعالة أبنائها الثلاثة، أكدت أن المبادرة جيدة وتتمنى رؤيتها على أرض الواقع، فوجود خط ساخن ومنصة إلكترونية للشكاوى أمر محمود جدا، أما سامى رضا، أحد سائقى دليفرى فى منطقة المعادى، أوضح أنه يعمل فى هذه المهنة منذ حوالى 20 سنة، فى البداية كانت المطاعم تشترى موتوسيكلات وتوظف ناس عليها لتوصيل الطلبات للبيوت، ثم ظهر شباب يعملون بشكل حر يقومون بشراء الموتوسيكل على حسابهم ويتم الاتفاق مع المطاعم على رسوم توصيل لكل طلب، ثم ظهرت شركات متخصصة زى «طلبات» وغيرها غيرت الدنيا كلها، قائلا: «الحقيقة إن المهنة دى محترمة ومربحة، فى الأيام العادية الدخل بيوصل من 5 لـ6 آلاف جنيه فى الشهر مع البقشيش، وحاليا مع مبادرة «سلامتك تهمنا» اللى عملها وزير العمل، الدعم زاد جدا وبيتم توزيع مهمات وقاية مجانية مثل الخوذات والسترات العاكسة التى تنار فى الظلام، وتم تسجيلنا فى قاعدة بيانات العمالة غير المنتظمة حتى نحصل على تأمين اجتماعى وصحي، ماجعلنا نشعر إن الدولة فعلاً تهتم بنا وبسلامتنا فى الشارع».

وأسهمت التطبيقات الإلكترونية مثل «طلبات» و«أوبر إيتس» فى إعادة تشكيل مهنة التوصيل، حيث توسعت لتغطى نطاقات واسعة من المدن ووفرت فرص عمل مرنة لآلاف الشباب كما تعلن سلاسل السوبر ماركت الكبرى عن رواتب تتراوح بين 3 و4 آلاف جنيه للوردية إلى جانب إكراميات يومية لا تقل عن 100 جنيه، وكشف خالد محمد (30 عامًا) من المعادى، أنه يعمل لساعات طويلة قد تصل إلى 16 ساعة يوميا موزعة بين عمله نهارا فى أحد السوبر ماركت وليلا فى مطعم، لتلبية احتياجات أسرته، والالتزام بالزى الموحد يمنح العملاء شعورا بالثقة مع حرصه على تطبيق إجراءات السلامة، ومبادرة وزير العمل ساعدته فى الحصول على معدات وقاية خففت من مخاطر العمل فى الشارع، أما أحمد على (32 عامًا)، الذى يعمل فى إحدى الصيدليات، أوضح أن الطلب على خدمات توصيل الأدوية والمستلزمات الطبية شهد زيادة ملحوظة، والمبادرة تمثل خطوة مهمة نحو دفع الشركات لتوفير التدريب ووسائل الأمان، بما يعزز شعور العاملين باهتمام الدولة بظروفهم.

وفى قطاع الخضروات والفاكهة، اتجهت العديد من الأسر إلى الاعتماد على خدمات التوصيل بدلًا من الذهاب إلى المتاجر، رغم بعض التحديات المرتبطة بجودة المنتجات، وبوجه عام تسهم حملة «سلامتك تهمنا» فى تقديم دعم ملموس للعاملين فى هذا المجال من خلال تعزيز إجراءات الحماية والتأمين، وتشجيعهم على الاستمرار فى العمل بثقة، بما ينعكس إيجابًا على استقرارهم وخدمة المواطنين بكفاءة وأمان.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة