«ملايين على الأسفلت».. عنوان يمكن أن يختصر جزءًا كبيرًا من أزمة، كل أطرافها خاسرون، فـ«الاقتصاد» لا يحقق أى مكاسب تُذكر من مملكة «عمل التوصيل»، وعامل «الديلفرى» الذى يجوب شوارع المدن الكبرى لا يمتلك الحماية القانونية أو المظلة التشريعية التى يمكن أن توفر له «حياة كريمة»، وما بين الخسارة الوطنية والمكابدة اليومية، لا يزال هناك ملايين من الشباب الذين لم يجدوا أمامهم طريقًا لـ«مهنة شريفة» سوى عن طريق الحصول على دراجة هوائية أو نارية لتوصيل الطلبات، أملاً فى الحصول على «إكرامية» جيدة أو نسبة معقولة تعينهم على أمور الحياة.
فى قلب المدن المصرية الكبرى، وتحديدا وسط صخب القاهرة التى لا تنام، تتشكل لوحة يومية لا تغيب عن العين، عشرات الآلاف من الدراجات الهوائية والنارية تتسلل بخفة بين شقوق الزحام المرورى تحمل الشباب والشابات ومعهم صناديق محمولة على ظهورهم، يسابقون الزمن لتوصيل وجبة ساخنة أو دواء عاجل أو حتى وثيقة رسمية، فهؤلاء ليسوا مجرد «عمال توصيل» بالمعنى التقليدى، بل هم «تروس» المحرك الحقيقى لاقتصاد رقمى متسارع النمو، أصبح يشكل جزءًا لا يتجزأ من النسيج اليومى لحياة المصريين، ومع كل ضغطة زر على تطبيق الهاتف أو مكالمة تتكشف خلف هذه الخدمة البسيطة حكاية معقدة عن الفرص الاقتصادية الممزوجة بالمخاطر اليومية، والتحديات الاجتماعية التى تضع هذه الفئة غالبا خارج مظلة الحماية القانونية.
وفقًا للأرقام.. خلال أقل من عقدين من الزمان، قفز قطاع «الدليفرى» فى مصر من مجرد خدمة ملحقة بمطاعم الوجبات السريعة إلى مملكة متكاملة قُدرت فى عام 2022 بنحو 6 ملايين عامل، هذا الجيش الجرار يضم طيفًا واسعًا من طلاب وخريجين، وحتى أرباب الأسر يبحثون عن مصدر رئيسى أو حتى هامشى لمواجهة مصاريف المعيشة.
فى هذا الملف، نقتحم كواليس القرار الاقتصادى الذى يتخذه «الدليفرى» فى بداية رحلته من الاختيار ما بين الدراجة الهوائية والنارية باعتباره قرارا استراتيجيا يحدد صافى الربح فى نهاية اليوم باعتبارها «بوابة الدخول الآمنة» ومنخفضة التكلفة مما يفتح الباب لشريحة واسعة من الشباب للعمل دون ديون أو التزامات مالية ضخمة، وعلى الضفة الأخرى، تبرز الدراجة النارية كوحش للإنتاجية سرعة أعلى وتغطية لمساحات جغرافية أوسع وعدد «أوردرات» مضاعف، لكن هذا الإغراء المادى يأتى مثقلاً بتكاليف التشغيل من وقود وزيوت وتراخيص، فضلاً عن فاتورة «المخاطر» التى ترتفع مع كل كيلومتر إضافى يقطعه السائق وسط غابة من السيارات.
ورغم هذا البريق الاقتصادى والطفرة الرقمية، فإن الدليفرى يصطدم بواقع اجتماعى مرير، فالفجوة تتسع بين نمو القطاع وحماية العاملين فيه، ملايين «الطيارين» يعملون اليوم خارج منظومة التأمينات الاجتماعية بلا تعويض عن حوادث الطريق التى قد تقع فى لمح البصر وبلا مظلة صحية، فتوفير مظلة حماية شاملة لم يعد رفاهية يمكن تأجيلها، بل ضرورة إنسانية واقتصادية تشمل التأمين ضد العجز أو الوفاة، وبرامج السلامة المهنية التى تضمن استقرار أسر هؤلاء العمال وحمايتهم من السقوط فى بئر الفقر عند أول إصابة.
وفى هذا الملف، يضع خبراء الاقتصاد «روشتة» واضحة تلبى الحاجة الملحة لتأمين مستقبل عمال التوصيل، تتمثل فى إنشاء نقابات مهنية مُلمة بتفاصيل العمل، واعتماد نظام «الشركات المتخصصة» بدلاً من العمل المستقل العشوائى، فهذا التنظيم يعنى تسجيل العمال رسميا ومنحهم بطاقات تعريف مهنية، ودمجهم فى الاقتصاد الرسمى للدولة دون خنق هوامش ربحهم مع ضمان «الحد الأدنى من الكرامة المهنية» للعامل الذى هو حلقة الوصل الوحيدة بين التاجر والمستهلك.