رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

يخوض معركة إنقاذ شباب العالم من الجماعات المتشددة.. مرصد الأزهر.. «رادار» الوسطية بـ 13 لغة


27-3-2026 | 11:00

.

طباعة
جولة: أميرة صلاح عدسة: نسمة السهيتى

بين جدران مرصد الأزهر لمكافحة التطرف تدار معركة من نوع خاص سلاحها الكلمة وهدفها العقل، حركة لا تهدأ على مدار الساعة، يسابق عشرات الباحثين الزمن لرصد وتفكيك الدعاية المتشددة قبل أن تجد طريقها إلى عقول الشباب، لا يتوقف العمل عند حدود المراقبة بل يتحول إلى مختبر فكرى لصياغة ردود علمية تفند خطاب الكراهية بلغات الأرض قاطبة.

خلية نحل تعمل بـ 13 لغة مختلفة يواجه الباحثون من خلالها الآلة الدعائية للتنظيمات المتشددة، فيقومون بتحليل الخطاب التحريضى وتفنيده بمنهجية علمية دقيقة، فهذا الدور الحيوى فى حماية الوعى المجتمعى والعالمى لم يعد مجرد رد فعل بل أصبح استراتيجية استباقية لبناء خطاب دينى مستنير، وهذا الجهد المتواصل لم يعد مجرد استجابة وقتية لتهديدات قائمة بل تحول إلى استراتيجية استباقية تهدف إلى بناء وعى مجتمعى أكثر صلابة، وإرساء خطاب دينى مستنير قادر على مواجهة التحديات المعاصرة، ومن خلال هذا الدور يسهم المرصد فى إعادة تشكيل الوعى العام عبر تقديم نموذج معرفى يوازن بين الأصالة والانفتاح ويحصن المجتمعات من الوقوع فى براثن الأفكار المتطرفة قبل أن تتحول إلى واقع يصعب احتواؤه.

 

 

وأوضحت الدكتورة رهام سلامة، مديرة مرصد الأزهر الشريف لمكافحة التطرف، ملامح استراتيجية المرصد فى مد جسور الحوار مع العالم ومواجهة التطرف فى فضاءات السوشيال ميديا والمنصات الرقمية، مؤكدة أن المرصد يمثل أحد أهم أدوات الأزهر فى مواجهة الفكر المتشدد على المستوى العالمى، وذلك منذ إنشائه عام 2015 والذى جاء استجابة لتزايد نشاط التنظيمات المتطرفة على شبكة الإنترنت ومحاولاتها استقطاب الشباب عبر منصات التواصل الاجتماعى، فالمرصد بدأ عمله بسبع لغات، قبل أن يتوسع ليعمل حالياً بثلاث عشرة لغة عالمية، وهذا التوسع يعكس إدراك الأزهر لأهمية التواصل مع الشعوب بلغاتها المختلفة، خاصة فى ظل حقيقة أن نحو 80 فى المائة من مسلمى العالم لا يتحدثون العربية.

وأضافت أن الهدف الأساسى لمرصد الأزهر هو مكافحة الفكر المتطرف وبناء الوعى الرشيد والحفاظ على الأمن الفكرى للفرد والمجتمع، ويتبع المرصد بشكل مباشر مكتب فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر ما يمنحه مصداقية كبيرة فى تقديم خطاب دينى معتدل يستند إلى منهج الأزهر القائم على الجمع بين العقل والنقل، ويعتمد المرصد فى عمله على رصد وتحليل الخطاب الصادر عن التنظيمات الإرهابية بمختلف لغاتها، بما في ذلك الإصدارات الإعلامية التابعة لها والمواد الدعائية التى تستخدمها تلك التنظيمات لنشر أفكارها، حيث يعمل الباحثون على تحليل هذه المواد وتفنيد ما تتضمنه من مفاهيم مغلوطة قبل الرد عليها بشكل علمى رصين.

ونوهت إلى أن عمل المرصد لا يقتصر على الرصد والتحليل فقط، بل يعتمد أيضاً على ما يعرف بـ«القوة الناعمة» فى مواجهة التطرف، من خلال إصدار تقارير ودراسات دورية، إضافة إلى المشاركة في برامج إعلامية تناقش قضايا التطرف وخطاب الكراهية، فضلاً عن متابعة ظاهرة الإسلاموفوبيا وأوضاع الأقليات المسلمة فى الخارج، حيث إن الجماعات المتطرفة تعتمد بشكل كبير على الفضاء الرقمى في عمليات التجنيد، ويتم استقطاب نسبة كبيرة من العناصر عبر مواقع التواصل الاجتماعى، وهو ما دفع المرصد إلى تعزيز جهوده لمواجهة هذا النوع من التجنيد الإلكترونى والتصدي للمحتوى المتطرف على الإنترنت.

كما أشارت «سلامة» إلى أن المرصد أطلق عدداً من المبادرات الميدانية الهادفة إلى التواصل المباشر مع الشباب، من بينها مبادرة «اسمع واتكلم» التي انطلقت عام 2018، واستهدفت طلاب الجامعات المصرية فى أكثر من 15 جامعة، معتمدة على أسلوب حوارى مبسط يتناسب مع لغة الشباب، بعيداً عن الأساليب التقليدية فى التوعية، وكذلك مبادرة «اعرف أكثر» الموجهة لطلاب المدارس، خاصة المدارس الدولية، والتى تستهدف الفئة العمرية من 12 إلى 15 عاماً بهدف تصحيح المفاهيم الدينية وبناء وعى مبكر لدى الطلاب يحصنهم من الأفكار المتشددة، وإلى جانب مبادرة «ركائز الوعى» التى تقدم تدريبات للشباب من سن 18 إلى 30 عاماً لمساعدتهم على التمييز بين المعلومات الصحيحة والمضللة على الإنترنت.

واستعرضت جانباً من التعاون الدولى الذى يقوم به المرصد، مؤكدة أنه يقدم برامج تدريبية لعدد من الأئمة والدعاة فى دول مختلفة، من بينها الصومال، بهدف دعم جهود مواجهة الفكر المتطرف هناك، كما أن المرصد يسعى إلى مواكبة التحولات الرقمية المتسارعة من خلال الاستفادة من تقنيات الذكاء الاصطناعى فى عمليات الرصد والتحليل، إضافة إلى العمل على تطوير تطبيقات رقمية تسهل وصول الباحثين والجمهور إلى الردود العلمية والفتاوى فى وقت سريع.

وحذرت «سلامة» من جملة التحديات التى تعترض عمل المرصد، من بينها محاولات اختراق منصاته الرسمية، إلى جانب تهديدات يتعرض لها العاملون من قبل جماعات متطرفة، فضلا عن حملات تشويه تستهدف خطاب الأزهر عبر محتوى مفبرك باستخدام تقنيات «التزييف العميق»، مؤكدة أن توليها مسؤولية الإشراف على المرصد، كأول امرأة تتقلد هذا المنصب داخل الأزهر يضع على عاتقها مسؤولية مضاعفة، وأن التصدى للتطرف لا يمكن أن يقتصر على الإجراءات الأمنية وحدها، بل يستلزم جهداً فكرياً وثقافياً متواصلاً، قائمًا على الحوار وتعزيز الوعى المجتمعى.

مواجهة التطرف

أما الدكتور علاء صلاح، مشرف وحدة البحوث والدراسات بمرصد الأزهر لمكافحة التطرف، فقد أكد أن مواجهة الفكر المتطرف لم تعد تقتصر على الجهود الأمنية فقط، بل أصبحت معركة وعى وفكر تُخاض في الفضاء الرقمى، ويعمل بالمرصد نحو 100 باحث وباحثة من خريجى أقسام اللغات الأجنبية، ويتولى هؤلاء الباحثون رصد وتحليل ما تبثه التنظيمات المتطرفة عبر الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعى، إلى جانب متابعة إصدارات مراكز الدراسات المعنية بقضايا التطرف والإرهاب الفكرى، بهدف تفكيك هذا الخطاب وتصحيح المفاهيم المغلوطة ونشر الفهم الصحيح للإسلام القائم على الوسطية والاعتدال.

وأشار إلى أن عمل المرصد يمر بعدة مراحل، تبدأ بترجمة المواد الصادرة عن الجماعات المتطرفة، ثم تصنيفها وتحليلها لفهم الرسائل التى تحملها، وصولًا إلى إعداد ردود علمية عليها بوسائط متعددة مقروءة ومسموعة ومرئية، وترجمتها إلى لغات مختلفة للوصول إلى جمهور أوسع، فيما تقوم وحدة البحوث والدراسات برصد القضايا الفكرية والاجتماعية والظواهر السلبية داخل المجتمع، والعمل على معالجتها من خلال الدراسات والبحوث والمقالات الفكرية والحملات التوعوية التى تسهم فى رفع مستوى الوعى المجتمعى، ومن بين الدراسات التى أعدتها الوحدة: «العنف فى المجتمع.. الأسباب والحلول»، و«الطائفية والتطرف.. منطلقات متشابهة ومصير محتوم»، و«الجامعات فى مواجهة التطرف.. تصور مقترح لسبل المكافحة»، إلى جانب تقارير ومقالات تناولت قضايا اجتماعية وفكرية متعددة.

وأضاف أن رصد الخطاب المتطرف فى العصر الرقمى يعتمد على الجمع بين الأدوات التقنية المتقدمة والرؤية التحليلية للباحثين المتخصصين، حيث تُستخدم تقنيات الذكاء الاصطناعى وتحليل البيانات فى تتبع الكلمات المفتاحية وأنماط التفاعل وتحليل المحتوى، بينما يتولى الباحثون فهم السياقات الدينية والثقافية واللغوية التى قد يتخفى خلفها هذا الخطاب، حيث إن الجماعات المتطرفة طورت خطابها خلال السنوات الأخيرة، فبعد أن كان مباشرًا وصداميًا أصبح أكثر تمويهًا، إذ تلجأ إلى استخدام مفردات إنسانية عامة وتوظيف قضايا عادلة مثل حقوق الإنسان أو قضايا المظلومين، إلى جانب الاعتماد على لغة عاطفية والرموز والمحتوى غير المباشر، واقتطاع النصوص الدينية من سياقاتها لخدمة أفكار متطرفة.

وأوضح «صلاح» أن الفضاء الرقمي أصبح أحد أهم أدوات تجنيد الشباب إذ تبدأ الجماعات المتطرفة غالبًا بمحتوى عام غير صدامى قبل الانتقال تدريجيًا إلى خطاب أكثر تشددًا، وصولًا إلى التواصل الفردى المباشر عبر منصات التواصل الاجتماعى أو تطبيقات المراسلة المشفرة، وهذه الجماعات تعتمد في ذلك على أساليب نفسية وفكرية تستهدف التأثير فى الشباب، مثل ترسيخ الشعور بالمظلومية، وتبسيط الواقع المعقد، وخلق ثنائية «نحن مقابل هم»، وإيهام الشاب بامتلاك الحقيقة المطلقة، إضافة إلى استغلال الحماس الدينى والرغبة فى الانتماء، وتفكيك الخطاب المتطرف يتطلب كشف الانتقائية فى توظيف النصوص الدينية وبيان مقاصد الشريعة التى تقوم على حفظ النفس والعقل والكرامة الإنسانية، مشددًا على أن مواجهة التطرف لا تكون إلا بالفكر والعلم والحجة.

وبين أن تقارير مرصد الأزهر تسهم فى رفع مستوى الوعى المجتمعى وتقديم قراءة تحليلية للاتجاهات المتطرفة، ما يجعلها مرجعًا مهمًا للباحثين وصناع القرار فى فهم الظاهرة والتعامل معها، فالتصدى للتطرف مستقبلًا يتطلب تعزيز المقاربة الفكرية الوقائية، والاستثمار فى التعليم والإعلام الرقمى، وبناء خطاب دينى معاصر قادر على مخاطبة الشباب بلغتهم وفهم تحديات عصرهم، وعلى الشباب أن يعى أهمية التمسك بالوعى والعلم والحوار والرجوع إلى أهل الاختصاص، وعدم الانسياق وراء الأفكار التى تدّعى امتلاك الحقيقة المطلقة وتغلق باب النقاش وتزرع الكراهية بين الناس.

معركة وعى

ومن جانبه، أكد الدكتور محمد العوضى، المشرف على وحدة الرصد باللغة الألمانية، أن عمل الوحدة يمتد ليغطى ألمانيا والنمسا وسويسرا، ولا يقتصر الدور على متابعة الأخبار بل يشمل رصد أوضاع المسلمين وتحليل تفاعلاتهم داخل هذه المجتمعات متعددة الثقافات، فالمهمة الأساسية تتمثل فى تفكيك الخطاب المتطرف سواء الصادر عن جماعات متشددة تدّعى الانتماء للإسلام أو عن تيارات اليمين المتطرف التى تصاعدت فى السنوات الأخيرة ووجهت خطابًا عدائيًا تجاه اللاجئين والمهاجرين، مشيرا إلى أن الوحدة رصدت مؤخرًا مظاهرات فى ألمانيا تروج لفكرة «الخلافة»، وهو ما أثار حالة من الجدل داخل المجتمع الأوروبى، فالمرصد يتعامل مع مثل هذه القضايا من خلال تقديم قراءة علمية توضح أن الخلافة نموذج تاريخى للحكم، وليس الصيغة الوحيدة الملزمة فى العصر الحديث، مشددًا على أهمية مراعاة السياقات الزمنية والسياسية.

وقال: إنه لا تتوقف مهام الوحدة عند القضايا الفكرية الكبرى، بل تمتد إلى متابعة التحديات اليومية التى تواجه المسلمين فى أوروبا، مثل قوانين الحجاب، وقضايا الاندماج، والتربية داخل المدارس، حيث يسعى المرصد إلى تقديم رؤية أزهرية معتدلة تراعى التوازن بين الحفاظ على الهوية الدينية ومتطلبات الاندماج فى المجتمعات الغربية، فالتحول المتسارع فى أدوات الجماعات المتطرفة، التى باتت تعتمد بشكل متزايد على الفضاء الرقمى فى استقطاب الشباب، أصبح يشكل خطرا، فهذه الجماعات انتقلت من المنصات التقليدية إلى تطبيقات أكثر تعقيدًا مثل «تليجرام»، بل وامتدت إلى استغلال الألعاب الإلكترونية التفاعلية، مثل «روبلوكس» أصبحت ساحة غير مرئية لمحاولات الاستقطاب، حيث يمكن أن يتعرض الأطفال لتواصل غير مباشر مع عناصر متطرفة، تبدأ بعلاقات افتراضية بريئة قبل أن تتحول تدريجيًا إلى محاولات لغرس أفكار متشددة.

وأشار العوضى إلى تجربة ناجحة تمكن فيها المرصد من استعادة أحد الشباب الذى تأثر بالفعل بهذا النوع من المحتوى، بعد تدخل استمر لفترة من خلال جلسات حوارية أعادت تصحيح مفاهيمه، فمواجهة هذا النوع من التطرف تتطلب أدوات جديدة، تتماشى مع طبيعة الجيل الحالى، والمرصد يعتمد على إنتاج محتوى رقمى قصير وسريع، مثل الفيديوهات المختصرة والرسائل المباشرة، للوصول إلى الشباب بلغة يفهمونها، حيث يحرص الباحثون على التواصل المباشر مع الشباب داخل الجامعات بأسلوب بسيط وقريب من واقعهم بعيدًا عن الطابع الرسمى التقليدى.

ونوه إلى أنه رغم ما يبذله المرصد من جهود فإنه لا يزال يواجه تحديات تقنية ولوجستية، أبرزها تأثير خوارزميات منصات التواصل الاجتماعى التى تعوق انتشار المحتوى التوعوى، إلى جانب الحاجة إلى موارد تمويلية أكبر تُمكّنه من الوصول إلى شرائح أوسع من الجمهور، ولمواجهة هذه التحديات يحرص المرصد على تعزيز حضوره الميدانى عبر تنظيم ورش عمل وندوات فى الجامعات ومختلف المحافظات، بالتعاون مع الجهات المعنية، موجهًا رسالة إلى أولياء الأمور بضرورة متابعة استخدام الأبناء للإنترنت والألعاب الإلكترونية من خلال التوعية والمشاركة لا المنع، فالأسرة تمثل خط الدفاع الأول فى مواجهة الفكر المتطرف، بالتوازي مع الجهود المؤسسية التى يبذلها المرصد لنشر الفكر الوسطى بعدة لغات على مستوى العالم.

خطاب الوسطية

وفى السياق ذاته، أوضح الدكتور محمد المحمدى، مشرف وحدة اللغة الأوردية بالمرصد، بأن معركة التصدى للتطرف لا ترتبط بلغة بعينها وإنما تقوم على فهم عميق لطبيعة الفكر المتطرف باعتباره أيديولوجية عابرة للحدود والثقافات، فالمرصد يحرص على مخاطبة كل مجتمع بلغته الأصلية لضمان وصول الرسائل التصحيحية بشكل مباشر وفعال إلى الجمهور المستهدف، فبعض الجماعات المتطرفة تعتمد على توظيف النصوص الدينية خارج سياقها، مستغلة ضعف إتقان اللغة العربية لدى بعض المجتمعات المسلمة، وهو ما يؤدى إلى سوء فهم دلالات لغوية دقيقة فى النصوص الشرعية، ويفتح المجال أمام تشويه المفاهيم الدينية وتوجيهها لخدمة خطاب العنف، مبينا أن التركيز على اللغة الأوردية يأتي انطلاقًا من اعتبارات جغرافية وتاريخية، حيث تعد منطقتا باكستان وأفغانستان من أبرز بؤر نشأة التنظيمات المتطرفة التى امتد تأثيرها إلى مناطق مختلفة من العالم، كما أن الأوردية تُعد من أكثر اللغات انتشارًا فى شبه القارة الهندية، وهو ما يمنحها أهمية خاصة فى جهود المواجهة الفكرية.

وفيما يتعلق بطبيعة القضايا التى تتعامل معها وحدة الرصد باللغة الأوردية، قال «المحمدى»: إنها تتلقى العديد من التساؤلات المرتبطة بقضايا اجتماعية ودينية، خاصة ما يتعلق بتعليم المرأة وعملها، وهى موضوعات تثير جدلًا واسعًا فى بعض المجتمعات، كما تتصدى الوحدة لحملات التضليل المرتبطة بقضايا صحية، مثل الادعاءات التى تروج لتحريم التطعيم ضد شلل الأطفال، وهى أفكار أدت فى بعض الحالات إلى استهداف الفرق الطبية، وعمل المرصد لا يقتصر على الرصد فقط بل يشمل تحليل الخطاب المتطرف وتفكيكه وكشف أساليب التلاعب بالمصطلحات الدينية واللغوية، مثل التمييز بين مفاهيم القتال والمقاتلة، وفى أدواتها التقنية والإعلامية، إذ تعتمد بشكل كبير على تطبيق تليجرام لنشر محتواها، خاصة ففى المناطق التى لا ينتشر فيها استخدام منصات أخرى مثل فيسبوك، فيما تصدر بعض هذه الجماعات مجلات دعائية بلغات مختلفة، من بينها مجلة «نافاي غزوة هند» الصادرة بالأوردية، والتى تحاول توظيف نصوص دينية وتاريخية لإضفاء شرعية زائفة على خطابها.

وحول أثر عمل المرصد، كشف «المحمدى» عن أنه منذ انطلاقه في عام 2015 نجح المعهد في تحقيق حضور دولى ملحوظ إذ يستقبل زيارات رسمية من شخصيات رفيعة المستوى، من بينها رئيس أركان الجيش الباكستانى، كما يرتكز فى عمله على دراسات ميدانية ينفذها باحثوه فى عدد من الدول، مثل باكستان والهند، بما يسهم فى فهم البيئات الاجتماعية والثقافية التى تنشط داخلها الجماعات المتطرفة، ففهم جذور الظاهرة يتطلب النظر إلى السياق التاريخى للمنطقة حيث أسهمت مرحلة ما بعد الاستعمار البريطانى فى تأجيج الصراعات بين المسلمين والهندوس ما أدى إلى تقسيم شبه القارة إلى الهند وباكستان، ثم لاحقًا إلى انفصال بنجلاديش، وهى تحولات ساهمت فى ظهور جماعات مسلحة عدة، من بينها تنظيم القاعدة وتنظيم داعش وطالبان باكستان إضافة إلى جماعات أخرى، والمرصد يتابع عشرات التنظيمات في تلك المنطقة بشكل جيد.

وفي سياق الجهود الميدانية، أوضح «المحمدى» أن المرصد لا يكتفى بالعمل البحثى والإعلامي، بل يمتد نشاطه إلى الجانب التوعوى المباشر من خلال تنظيم محاضرات ولقاءات مع الطلاب الوافدين فى مدينة البعوث الإسلامية، خاصة غير المتخصصين فى العلوم الشرعية، بهدف تحصينهم فكريًا قبل عودتهم إلى بلدانهم، حيث إن مواجهة الفكر المتطرف لا تقتصر على تفنيد النصوص، بل تشمل أيضًا تفكيك الأساليب النفسية التى تعتمد عليها هذه الجماعات، مثل خلق ثنائية «نحن وهم»، وصناعة ما يسمى بـ «القدوات الوهمية»، حيث يتم تقديم قادة التنظيمات كنماذج بطولية، فى حين يعمل المرصد على كشف زيف هذه الصورة، وإبراز النموذج الحقيقى الذى يمثله النبى محمد فى احترام الإنسان والحفاظ على كرامته، إلى جانب تصحيح القراءة المجتزأة لبعض الوقائع التاريخية التى يتم توظيفها لإثارة العنف والكراهية.

وعن آليات العمل داخل الوحدة، قال «المحمدى»: إن الفريق يقوم برصد وتحليل مختلف أشكال المحتوى المنشور باللغة الأوردية، سواء كان مكتوبًا أو مسموعًا أو مرئيًا، عبر المواقع الإخبارية والمنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعى، مع التركيز على الخطاب المرتبط بالتطرف والكراهية والشائعات، وتحليل أبعاده الثقافية وتأثيره على الجمهور، فنطاق عمل الوحدة يشمل جغرافيًا جميع المناطق الناطقة بالأوردية، وفى مقدمتها باكستان والهند، بالإضافة إلى المناطق الحدودية فى أفغانستان، وبنجلاديش التى كانت الأوردية منتشرة فيها قبل الانفصال، وتعتمد الوحدة على منهجية دقيقة فى تفكيك الخطاب المتطرف.

ونوه إلى أن الوحدة تسهم أيضا فى إعداد دراسات وتقارير تحليلية، إلى جانب المشاركة فى مشروعات ترجمة مهمة من بينها ترجمة كتاب «التطرف الإلكترونى: الأسباب والمظاهر وسبل المكافحة» إلى اللغة الأوردية، وكذلك ترجمة حلقات برنامج «فكر» الذى يُبث على إحدى القنوات الفضائية المتخصصة تمهيدًا لإصداره فى كتاب، نظرًا لأهمية موضوعاته مثل «الإلحاد من منظور نفسى» وتأثيرها المتوقع في المجتمعات الناطقة بالأوردية، ومواجهة الفكر المتطرف لا ترتبط بلغة بعينها لأن الفكر فى جوهره أيديولوجية عابرة للحدود واللغات، ولذلك يحرص المرصد على مخاطبة المجتمعات بلغاتها الأصلية حتى يصل التصحيح إلى الجمهور المستهدف مباشرة، وبعض الجماعات المتطرفة تعمل على اقتطاع نصوص دينية من سياقها الصحيح وإعادة توظيفها بما يخدم أهدافها، كما يحدث في تأويل آيات الجهاد بسورة التوبة بصورة مجتزأة، مستغلة ضعف إتقان اللغة العربية لدى بعض المجتمعات المسلمة، وهو ما يؤدي إلى غياب الفهم الدقيق للفروق اللغوية في النصوص، ويفتح المجال أمام تحريف المفاهيم الدينية وتوجيهها نحو تبرير العنف.

أخبار الساعة