رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

الشيخ محمد مصطفى المراغي الإمام المـجدد

10-3-2026 | 14:35

د. أحمد جلال السيد

طباعة
د. أحمد جلال السيد

كان الشيخ محمد مصطفى المراغي (1881-1945) مُصلحًا مصريًا بارزًا، وشغل منصب رئيس جامعة الأزهر مرتين، ومثّل حلقة وصل حيوية بين التراث الإسلامي ومتطلبات العالم الحديث. تتلمذ على يد محمد عبده، ودافع عن الواقعية مُقرًّا بأن انحطاط الإسلام متجذر في التقليد الأعمى، ودعا إلى حداثة الإسلام من خلال الاجتهاد.

وُلد الشيخ محمد مصطفى المراغي عام 1881، وتلقى تعليمه الابتدائي على يد والده، الذي كان عالمًا محليًا في مسقط رأسه المراغة بصعيد مصر، قبل أن ينتقل إلى الأزهر في القاهرة في سن الحادية عشرة، حيث سرعان ما أصبح تلميذًا مفضلًا لدى محمد عبده، مفتي الديار المصرية ورمزًا للفكر الإصلاحي الإسلامي عمومًا، وللإصلاح المؤسسي للأزهر خصوصًا. بعد تخرجه عام 1904، في سن مبكرة غير مسبوقة بلغت 23 عامًا، تولى أول منصب له (بناءً على توصية الإمام محمد عبده) قاضيًا في دنقلا والخرطوم (السودان). بعد فترة وجيزة قضاها في القاهرة في وزارة الأوقاف والأزهر، عاد إلى السودان عام 1908، وشغل منصب قاضي القضاة حتى عام 1919. وعند عودته إلى مصر، عمل مفتشًا ورئيسًا لعدد من المحاكم الشرعية، قبل أن يصبح شخصية عامة وشيخًا للأزهر ذا نفوذ وجاذبية.

وينتمي الشيخ المراغي إلى جيل المصريين الذين عاشوا فترةً من التحولات السياسية والفكرية العميقة داخل مصر وخارجها. فقد نالت مصر، التي كانت خاضعةً للاحتلال البريطاني عام 1882، استقلالها الرسمي عام 1922. وبعد عامين، ألغت الجمهورية التركية المُنشأة حديثًا الخلافة، مما أدخل العالم الإسلامي بأسره في أزمة هوية عميقة. وقد أحدثت هذه التغيرات تحولاتٍ عديدةً على المستوى الفكري أيضًا، كان أبرزها بالتأكيد التآكل المتزايد للسلطة الروحية للعلماء، والتراجع الكبير في مكانة مراكز التعلم العريقة ومناهجها الدراسية. نتج عن ذلك ظهور طبقة جديدة من المثقفين الدينيين والجمعيات، أبرزها جمعية الإخوان التي أسسها حسن البنا في مصر عام 1928. إلا أن هذا الوضع أثر أيضًا، ولو مؤقتًا، على مجالات أخرى من الأنشطة الدينية ودور القرآن الكريم في ظل هذه الظروف السياسية.

وكان محمد مصطفى المراغي، بصفته عالمًا وسياسيًا، شخصية محورية في معظم هذه التطورات.

كان الإمام محمد مصطفى المراغي يناضل في سبيل إصلاح مناهج الأزهر، وتحديد أهدافه بين تيارات متضاربة عنيفة من ملك مستبد، وأحزاب متناحرة، واحتلال أجنبي يفرض سلطانه، ولكنه على الرغم من هذا كله مضى في طريقه يقتحم العقبات ويخوض الشدائد، واضعًا استقالته في يده، يلوح بها أو يقدمها في الوقت المناسب. كان المراغي فقيهًا سنيًا لامعًا، انخرط بشكل متزايد في الساحة السياسية خلال المراحل الأخيرة من حياته. وخلال فترة رئاسته لجامعة الأزهر في ثلاثينيات القرن العشرين، أدخل المراغي تغييرات جذرية لضمان مواكبة خريجي العلوم الدينية لمتطلبات المجتمع المعاصر. ولقد سعى جاهدًا لإدراج العلوم الحديثة في المناهج الدراسية، متجاوزًا بذلك الفقه الديني التقليدي. أنشأ أقسامًا متخصصة للبحث والنشر والترجمة لتسهيل تبادل الأفكار بين العالم الإسلامي والغرب. وتحت تأثيره، تحوّل الأزهر إلى هيكل جامعي حديث ذي لوائح أكاديمية وإدارية رسمية.

استند نهج المراغي إلى واقع الاحتياجات الاجتماعية، لا سيما خلال فترة توليه منصب قاضي السودان الأكبر. ركّز على إعداد قضاة مُلِمّين بالمشكلات الخاصة بمجتمعهم بدلًا من الاكتفاء بالنصوص القانونية المجردة. بذل جهودًا كبيرة لإصلاح قوانين الأحوال الشخصية وحقوق الأسرة، داعيًا إلى تطبيق واقعي للشريعة يحمي تعليم المرأة وأدوارها الاجتماعية. خالف التقاليد بدعمه "الترجمة الدلالية" للقرآن إلى لغات أخرى للدفاع عن الإسلام والتواصل مع غير المسلمين. آمن المراغي بأن الإسلام، لكي يبقى في العصر الحديث، عليه أن يكون مرنًا.

رفض التقليد: 

عزا الشيخ المراغي الانحدار الفكري والسياسي للشعوب الإسلامية إلى التقليد، وحثّ على العودة إلى الاجتهاد. سعى إلى دمج مختلف المذاهب الفقهية الإسلامية لخلق إطار قانوني أكثر توحيدًا وعملية. أكد أن تعاليم القرآن الكريم متوافقة جوهريًا مع القيم الحديثة كالتعددية والبحث العلمي.

ومن مواقفه الشهيرة رفض طلب الملك فاروق إصدار فتوى تُحرِّم زواج الملكة فريدة بعد طلاقها منه، مؤكدًا: "أما الطلاق فلا أرضاه، وأما التحريم فلا أملكه، ولا يمكن للمراغي أن يحرِّم ما أحلّ الله"، موضحًا أن الحكم بالتحريم يخص زوجات الرسول ﷺ فقط، وهو موقف أغضب الملك، لكنه جسّد استقلالية الأزهر. ومن المواقف اللافتة في حياته رفضه الانحناء للملك جورج الخامس أثناء زيارته إلى السودان، حيث كان الشيخ المراغي يتولى منصب القضاء آنذاك، في تحدٍّ صريح للبروتوكول الاستعماري المفروض.

كما دعا الإمام المراغي إلى فتح باب الاجتهاد والعمل على التقريب بين المذاهب، كما أدخل إصلاحات بارزة في قضايا الأسرة، من أهمها صدور قانون الأحوال الشخصية في يوليو 1920م. وقد تضمن هذا القانون إقرار «الوصية الواجبة» لضمان حقوق أبناء المتوفى حال وفاة أبيهم في حياة جدهم، إلى جانب تعديلات جوهرية تخص أحكام زوجة المفقود، حيث خفّف مدة انتظارها في الحالات التي يُحتمل فيها الهلاك كالحروب والكوارث، بعد أن كانت القوانين تُلزمها بالانتظار سنوات طويلة.

عُرف الإمام الأكبر – رحمه الله – بمواقفه الحاسمة في قضايا الدين والدولة، ومنها خطبته الشهيرة: "هذه حرب لا ناقة لنا فيها ولا جمل"، رفضًا لمطلب بريطانيا من مصر إعلان الحرب على دول المحور عند اندلاع الحرب العالمية الثانية، ودعوته الملك والحكومة إلى إعلان القاهرة مدينة مقدسة تضم رفات آل البيت لتبقى بمنأى عن الهجوم. وتجلت نزاهته حين تعرض أثناء رئاسته للمحكمة الشرعية العليا لاعتداء بماء النار أصاب رقبته قبيل النطق بالحكم في قضية "هنري السكاكيني"، ورغم الألم أصدر حكمه ببراءة المتهم، وابتكر جلبابًا بلياقة عالية لإخفاء الحروق تحول لاحقًا إلى زي رسمي لمشايخ الأزهر.

قال عنه الشيخ الإمام عبد الحليم محمود: عالم ذكي، ذو شخصية خارقة، مهيب، صاحب رأي في العلم والسياسة، بليغ الأسلوب. وكان الجميع يقدرونه؛ فالإنجليز تعاملوا معه في السودان، ونزلوا على رأيه في بعض المواقف الهامة، والملك فاروق كان كثيرًا ما يستمع إليه ويحضر مجالسه العلمية في شهر رمضان ويأمر بإذاعتها، وينصره أحيانًا على بعض الأحزاب المناوئة له، والأحزاب تعرف له مكانته، ومن عاداه من رجال السياسة عرفوا له مكانته، وبخاصة بعد وفاته. وكان الإمام جريئًا في قول الحق وإن أغضب ذوي السلطان.

ولقد كتب حاكم السودان – أيام كان الشيخ الإمام المراغي فيه – إلى وزارة الخارجية الإنجليزية قائلًا: إن الشيخ المراغي يُعدُّ من دهاة العالم. وخلال ثورة سنة 1919م، وكان الشيخ الإمام المراغي بالسودان، كتبت صحيفة (التايمز)، وهي صحيفة بريطانية مشهورة: أبعدوا هذا الرجل، فإنه أخطر على بلادنا وحياتنا من ويلات الحرب.

الأعمال الجليلة التي قام بها الشيخ الإمام المراغي:

إنشاء لجنة الفتوى: شكّل الشيخ الإمام محمد مصطفى المراغي لجنة من كبار العلماء في 12 من جمادى الأولى سنة 1354هـ الموافق 11 من أغسطس سنة 1935م، تتكون من رئيس وأحد عشر عضوًا، منهم ثلاثة من فقهاء الأحناف، وثلاثة من المالكية، وثلاثة من الشافعية، واثنان من الحنابلة. وهذه اللجنة تجيب عن الأسئلة التي تتلقاها من الأفراد والهيئات وفقًا لمذهب معين إذا طلب السائل ذلك، أو وفق ما تقضي به القواعد المستمدة من الكتاب والسنة والإجماع أو القياس الصحيح إذا لم يقيدها السائل بمذهب خاص، مُراعيةً بذلك ما هو أرفق بحال السائل إذا قوي الدليل على مراعاته.

إنشاء قسم الوعظ والإرشاد: أنشأ الشيخ الإمام محمد مصطفى المراغي قسمًا خاصًّا سمّاه (الوعظ والإرشاد) لنشر الثقافة الإسلامية في الأقاليم سنة 1928م.

التطوير لجماعة كبار العلماء: 

في سنة 1911م أنشأ الشيخ سليم البشري (هيئة كبار العلماء)، وتتكون من ثلاثين عالمًا من صفوة علماء الأزهر، ليتفرغ كل منهم لإلقاء محاضرات علمية عميقة بحسب تخصصه في العلوم المختلفة، وهذه الدروس يحضرها العلماء والباحثون. فلما جاء الإمام المراغي غيّر اسمها إلى (جماعة كبار العلماء)، واشترط في أعضائها – إلى جانب الشروط القديمة – أن يكون العضو فيها من العلماء الذين أسهموا في الثقافة الدينية، وأن يُقدِّم رسالة علمية تتسم بالجدة والابتكار، وجعل أعضاءها ثلاثين عضوًا، وآثر بعضويتها أولي الكفاءات العلمية والأخلاق السامية حتى أصبحت أكبر هيئة دينية في العالم الإسلامي، وقد حلّ محلها الآن مجمع البحوث الإسلامية.

ورأى قبيل وفاته أن يُنشئ مراقبة خاصة للبحوث والثقافة الإسلامية تختص بالنشر والترجمة والعلاقات الإسلامية والبعوث العلمية والدعاة، فصدر قرار بإنشائها في يوليو سنة 1945م، ولم يمض على إنشائها شهر حتى لقي ربه.

يبقى إرث الشيخ المراغي شخصيةً بارزةً ساهمت في التوفيق بين ثنائية التقليد والتغيير، مما ضمن للأزهر الحفاظ على مكانته الدينية مع تبني النماذج التنظيمية والعلمية الحديثة.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة