أكد الإعلامي د. عمرو الليثي انه يقدم برنامجًا فى إذاعة الشرق الأوسط عن فتوات مصر وكيف كانت سمات فتوات مصر.. زمان، كانت الحارة المصرية تعرف الفتوة الحقيقى بالعدل قبل القوة، وبالرحمة قبل الهيبة.
أسماء مثل المعلم إبراهيم كروم، فؤاد الشامى، المعلم عفص، عرابى، حسنى الحلاق، خليل، زيدان، ومعهم المعلمة زكية ونجفة والفتيات شمس الدين وسماحة وجلال أحفاد عاشور الناجى
وأضاف الليثي لم تكن مجرد أسماء تُخيف، بل كانت تطمئن. كان الناس ينامون لأنهم يعلمون أن هؤلاء إذا اشتدوا اشتدوا على الظالم فقط، وإذا تدخلوا أعادوا الحق لأصحابه. الفتوة عندهم لم يكن من يرفع صوته، بل من يخفضه حين يسمع شكوى مظلوم، ولم يكن من يهدم بيتًا، بل من يقف أمام بابه حارسًا.
ولو عاد هؤلاء اليوم، وجلسوا على دكة قهوة يتابعون أخبار حارة بعيدة خلف البحار، يحكمها فتوة أشقر عالى الصوت يفضل الأسوار على الجسور، لعرفوا أن المعنى انقلب. فتوة يرفع شعار العظمة بينما يطارد الغرباء، يتحدث عن النظام بينما تُهدم البيوت وتُقتلع العائلات، ويقيس الرجولة بعدد من يخافه لا بعدد من يحتمون به. ولو سمعوا أنه خطف رجلًا وزوجته من وسط أهله فتوة دمر حارات كاملة، وأرهب معلميها، لقال إبراهيم كروم إن هذه ليست فتونة بل استقواء، ولأضاف فؤاد الشامى أن من يحرق الحارة ثم يعرض الوساطة لإطفائها لا يُسمى رجلًا عادلًا.
وكان المعلم عفص سيغضب أكثر حين يسمع عن الأطفال الذين تُركوا يموتون تحت الركام، لأن الفتوة الحقيقى يُعرف أولًا بحمايته للصغار. خليل سيقول إن دمعة طفل تهزم ألف خطاب قوة، وزيدان سيؤكد أن من يرى الجوع والخوف ولا يتحرك فقد تخلى عن أبسط معانى الرجولة. أما المعلمة زكية فستحكم بأن التاريخ لا يرحم.
لكن أخطر ما فى الحكاية، كما سيقول عرابى، أن هذا الفتوة لم يعد حتى صاحب القرار. فقد وقف مع صبيٍ ظالم، علمه وقواه ومنحه الغطاء حتى اشتد عوده، ثم اكتشف متأخرًا أن الصبى صار المتحكم، وأنه هو نفسه أصبح أسيرًا لرغبات من صنعه. حسنى الحلاق سيسخر قائلًا إن الفتوة الذى ينتظر إشارة من صبى لم يعد فتوة بل تابعًا، ونجفة ستضيف أن من يزرع الظلم بيده لا يملك أن يشتكى حين يحاصره.
وفى نهاية السهرة، سيتفق الجميع على أن الفتونة ليست لقبًا ولا استعراض قوة، بل سيرة تُكتب فى قلوب الناس. الفتوة الحقيقى، كما عرفته الحارة، رجل إذا حضر شعر الناس بالأمان، وإذا غاب افتقدوه. أما من يحكم بالخوف، ويترك الأطفال للموت، ويقود الخراب أو يُقاد إليه، فلن تذكره الحارات إلا كعبرة. لأن الجدعنة التى عاشوا عليها كانت بسيطة وواضحة: أن تنصر المظلوم، وأن ترحم الضعيف، وأن تبقى سيد قرارك لا أسيرًا لظلمٍ شاركت يومًا فى صناعته.