رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

الإمام صفى الدين أحمد بن علوان.. الشاعر البليغ والسياسى الشجاع (2-3)


6-3-2026 | 13:41

.

طباعة
بقلـم: د. محمود مالك علوان

إنَّ عبقرية الإمام صفى الدين أحمد بن علوان تكمن فى قدرته على نقل التوحيد من «المحراب» إلى «الميدان» عبر ثلاثة أركان أساسية تجعل من الإيمان قوة دافعة للحياة، لا مجرد طقوس تؤدى، الركن الأول: التجرد والاعتماد على الله، فتطبيق التوحيد يعنى ألا يلتفت القلب إلى الأسباب، مهما بدت قوية، وأن يظل معلقاً بالله وحده، فهو القائل فى رسائله: «إذا رأيتَ السبب فاشهد مسبب الأسباب، وإذا رأيتَ الخلق فاشهد الخالق»، فالمؤمن الحق هو من يرى يد الله فيما وراء كل سبب، فلا يتعلق بالأسباب الظاهرة، بل يتعلق بمسببها، الركن الثانى: التوحيد فى الأخلاق، إذ يرى الإمام أن سوء الخلق هو نقصٌ فى التوحيد؛ فمن وحّد الله حقاً، رحم خلقه، لذا كان تصوفه «أخلاقياً» بامتياز.

 

لم يكن التصوف عنده مجرد وجد ورقص، بل كان سلوكاً عملياً يتجلى فى حسن المعاملة، ورحمة الخلق، والرفق بالعباد، فالذى يوحّد الله فى قلبه لا يمكن أن يؤذى خلق الله، لأن رؤيته لله فى كل شيء تملأ قلبه محبة للجميع، الركن الثالث: الشجاعة فى قول الحق، وهى ثمرة التوحيد الكبرى؛ حيث لا يداهن الموحد سلطاناً، ولا يخاف فى الله لومة لائم، فمن أيقن أن الله هو النافع الضار، والمعطى المانع، هانت فى عينه سلطة السلاطين، ولم يعد يخشى فى الله لومة لائم، وهذه الشجاعة هى التى ستتجلى بوضوح فى مواقفه السياسية، حيث تحول التوحيد من مجرد عقيدة فى الضمير إلى قوة دافعة للتغيير والإصلاح فى المجتمع.

وهنا تكمن عبقرية ابن علوان الفريدة: لم يقتصر على الجانب الروحى، بل جعله وقوداً للعمل الاجتماعى والسياسى، فكان يرى أن الإيمان الذى لا يدافع عن المظلومين إيمانٌ ناقص، والتوحيد الذى يصمت عن الظلم توحيدٌ أجوف، لقد كان ابن علوان أشجع المدافعين عن الشعب؛ حيث غلب البطل السياسى فيه على التصوف الصامت، فكاشف أمراء عصره بحقوق الرعية بكل شجاعة، ومن ألمع رسائله وأكثرها تأثيراً ما جرى بينه وبين الملك عمر بن على بن رسول، مؤسس الدولة الرسولية، حيث خاطبه بقصيدة تهز العروش، وتجعل من الشعر صرخة مدوية فى وجه الظلم، لا مجرد كلمات تقال: «فانظر إليهم فعين الله ناظرة / هم الأمانة والسلطان مؤتمن // عار عليك عمارات مشيدة / وللرعية دور كلها دمن // لا تفرحن بجمع المال كيف أتى / حاشا وعقلك عقل راجح رصن». بهذه الكلمات النارية، حوّل الشعر من أداة مديح وتمجيد للسلطان إلى بوصلة أخلاقية وسيف فى وجه الظلم، وأثبت أن الإيمان الذى لا يغضب للمظلومين هو إيمان أجوف، وأن الكلمة التى لا تتحول إلى موقف هى كلمة ميتة، وكما يقول الشاعر عبدالله البردونى فى وصفه: «لقد نذر نفسه ودمه للشعب قرباناً لحماية إنسانيته»، متخذاً المباشرة فى سياساته بديلاً عن التقنيع فى صوفياته، لقد كان يقول لتلامذته: «إذا سكت العالم عن الظلم، صار شيطاناً أخرس» وهكذا، لم يكن تصوفه عزلة عن هموم الناس، بل كان نبعاً للثورة على الظلم، وقوة دافعة للإصلاح الاجتماعى، ونموذجاً رفيعاً للعالم الربانى الذى لا يسكت عن الباطل.

ولم يقتصر عطاؤه على الميدان السياسى فحسب، بل امتد ليشمل الميدان الأدبى، فقد سمى ابن علوان «جوزى اليمن» لبلاغته الفائقة، ولما امتلكه من قدرة على صياغة المعانى الروحية فى قوالب لغوية بديعة، ويؤكد الدكتور عبدالعزيز المقالح أنه «أول من كتب المبيتات والمربعات فى اليمن»، ممثلاً نقلة نوعية فى الشعر الحمينى والعامى، ومؤسساً لتراث شعرى شعبى رفيع، لم يقف ابن علوان عند حدود اللغة الفصحى، بل كتب بالعامية اليمنية أيضاً، معتبراً أن الروح واحدة وإن اختلفت الألفاظ، وأن الحكمة ضالة المؤمن يلتقطها حيث وجدها وبأى لغة نطقت، كان أول من كتب «المبيتات» و«المربعات» فى اليمن، معبراً عن خلجات الوجدان بلغة الناس البسطاء، ليصل إلى قلوبهم مباشرة دون حواجز، لقد رأى أن الحب الإلهى لا لغة له سوى لغة القلب، وأن العبودية لله لا تحتكرها لغةٌ دون أخرى، فكان شعره ترجمة لوجدانه، وفيضاً من روحه، ونافذة يطل منها على عالم الملكوت، ومن صلواته ومناجاته التى تذيب القلوب وتخاطب الرب بلغة العاشقين: «إلهي.. أنت الواحد الذى لا يُدرك كنهه، والموجود الذى لا يغيب عن عين بصيرة، اللهم إنى أوحدك بذلى لعزك، وبفقرى لغناك، صلاتى إليك هى ذوبان روحى فى أنوار قدسك»، ومن مبيتاته الشعرية الفائقة التى تلامس شغاف القلب، وتجسد فلسفته الصوفية الرفيعة: «عين المعانى.. سر المثانى / لحن المغانى.. أوتار قانون // معانى الحب سقياها.. لمن يعطى عطاياها / معانيها مغانيها.. ورياها حمياها»، هذه المبيتات الخالدة تعبر عن حالة وجدانية صوفية راقية، حيث تذوب الكلمات فى معانى الحب الإلهى، وتصبح الألفاظ أنغاماً تتردد فى فضاء الروح، وتجسد فلسفته فى أن المعانى الإلهية هى المعانى الحقيقية التى يأوى إليها القلب.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة