في نجع القبيصات، بسوهاج حيث تتنفس أرض الصعيد برائحة النيل والطين والصلاة، وُلد الشيخ، وكأن الله أراد له منذ اللحظة الأولى أن يكون مختلفًا، لم يكمل شهره التاسع حين أطفأ ميكروبٌ صغير نور عينيه، فأشعل في المقابل نارًا في روحه لم تخمد حتى آخر نفس، كان ذلك الإطفاء هبةً بامتياز، فمن رحم الظلام وُلد صوتٌ طافح بالنور.
وهو واحدٌ من أعلام قرّاء القرآن الكريم، والابتهالات الدينية، في مصر والعالم الإسلامي، وممَن رسموا أسماءهم بحروف من ذهب داخل قلوب الجميع، وله بصمة صوتية واضحة تميز بها عن غيره، حياته القرآن، نشأ وتربى عليه، وعرف عنه، أنه «صاحب الحنجرة الذهبية»، الذي لقبه بـ «نساج المقامات الموسيقية»، و«ملك الإنشاد الديني» إنه «سلطان الإنشاد» الشيخ محمد عمران.
الابتهال رحلة بين الروح وخالقها
ولم يكن الطريق مرصوفًا بالورود، فقد جاء الشيخ محمد عمران إلى القاهرة طفلًا في العاشرة، لا يملك سوى حنجرة كأنها سُكبت من ذهب خالص، وقرآن محفور في قلبه آية آية، تتلمذ وتعلّم وعانى وصبر، حتى التقى بعالم المقامات الموسيقية فأمسك به من يده وسار، ليس مقلدًا ولا ناسخًا، بل صانعًا لبصمته التي لا تُزوّر ولا تُستنسخ، و أدرك أن الابتهال ليس مجرد كلمات تُغنَّى، لكنه هو رحلة بين الروح وخالقها، والصوت مجرد مركبة لتلك الرحلة، و فهم الجميع أن هذا الرجل ليس شيخًا عاديًا يردد ابتهالات، بل هو ظاهرة فنية روحية نادرة تجمع بين عمق العارف وموهبة الفنان وخشوع المؤمن في آنٍ واحد، فالشيخ محمد عمران رجلٌ أضاء موائد الرحمن بصوته كل رمضان، ومنح الإذاعة المصرية كنوزًا من الابتهالات والتواشيح
الميلاد والنشأة
ولد الشيخ محمد عمران في عام 1922م، في نجع القبيصات بمدينة طهطا بمحافظة سوهاج، وأتم الشيخ محمد عمران حفظ القرآن الكريم، في سن العاشرة على يد الشيخ عبد الرحيم المصري وكان في طفولته يحب اللعب.
وكان يأتي إلى دارالشيخ محمد عمران، الشيخ عبدالرحيم المصري ويقول له أتريد أن تهرب لتلعب وأنت الذي سأدخل بك الجنة، ثم جوده الئشيخ محمد عمران القرآن الكريم ععلى يد الشيخ محمود جنوط في مدينة طما،
دخل طريق الإنشاد بالصدفة، فقد ربطته علاقة قوية بالشيخ سيد النقشبندي، كان يأخذه معه في الحفلات الدينية، ويعلمه مبادئ الإنشاد.
وحضر محمد عمران إلى القاهرة قبل أن يتمم عامه الثاني عشر والتحق بمعهد القراءات بطنطا ثم التحق بمعهد المكفوفين للموسيقى، حيث تعلم أصول القراءات والإنشاد وعلم النغم والمقامات الموسيقية وفن الإنشاد الديني على يد سيد موسى الكبير، وحصل على الثانوية الأزهرية.
منشد الإذاعة المصرية
وكان الشيخ محمد عمران، يحب القراءة والاطلاع بحثًا عن لقمة العيش، وعمل في شركة حلوان للمسبوكات، فجعلته قارئًا للقرآن الكريم بمسجدها الكائن بموقع الشركة، وذاع صيته وانتشرت شهرته بين العمال، فتقدم بعد ذلك لاختبار الإذاعة المصرية في بداية السبعينيات بالقرن الماضي، وتم اعتماده مبتهلًا بعد نجاحه المتفوق والمتميز في امتحان الأداء.
وتم اعتماد الشيخ محمد عمران بالإذاعة المصرية، و منحته الإذاعة لقب المنشد، وسجل لها عددًا كبيرًا من الأناشيد والتواشيح، والابتهالات منها: أسماء الله الحسنى وأدركنا يا الله، مع الشيخ سعيد حافظ وعمل بعض التترات للمسلسلات الدينية وسجل أيضًا دعاء الصالحين وابتهالات أخرى عدة.
الشيخ محمد عمران شغوفا بالعلم والمعرفة
وخبرة الشيخ محمد عمران لم يأخذها من مجالسيه فقط، وذلك تبعا لما ذكره ورواه عنه أبناء الشيخ ومن عاصروه فقد كان شغوفا بالعلم والمعرفة، ومكتبته فى منزله بها ما يزيد على عشرة آلاف شريط كاسيت جميعها لأهل القرآن والموسيقى.. وهى الزاد الذى نهل منه الشيخ عمران الذى لم يحفل بامتلاك أية أموال أو عقارات مثل أهله الذين جاءوا للتجارة بالقاهرة، لكنه كان يمتلك «جهاز سانيو» لتسجيل وسماع القرآن والموسيقى بأنواعها.
و لحن للشيخ محمد عمران، موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب، والملحن والموسيقي سيد مكاوي والمحلن والموسيقار حلمي أمين، وأنشد محمد عمران وشارك في الغناء للعديد من البرامج الدينية الغنائية وفي الاحتفالات بالمولد النبوي وآل البيت والأمسيات والمناسبات التي أقيمت بدار الأوبرا المصرية.
تميز الشيخ محمد عمران بصوته الرائع وأسلوبه الفريد في التعبير عن معاني الآيات، و كان يُبدع في تلاوته في الحفلات الخاصة أكثر من الإذاعة، وتميز بحرية أكبر في الأداء.
أجمع المحللون لعلوم الموسيقى والغناء على أن محمد عمران هو صاحب الطفرة الكبرى فى تنويع المقامات، فسماه بعضهم سفاح المقامات لقدراته الهائلة فى تطويع الأداء حسب معانيها، عبر مقامات موسيقية مختلفة ونادرة أحيانا، فهو أحد القلائل بعد سيد درويش الذين استخدموا مقام التكريز على سبيل المثال.. لذلك تظل ألبومات وسهرات الشيخ مدرسة مهمة للمطربين.
وقال المطرب المعاصر بها سلطان أنه محب كثيرًا لصوت الشيخ محمد عمران، وهندسته وأن أستاذة الأول هو «صوت محمد عمران».
ورحل الشيخ محمد عمران عن عالمنا، عندما وافته المنية في 6 أكتوبر 1994م، وكأنه اختار يوم النصر ليودعنا فيه، وسيبقى أثره وصوته بيننا ما حيينا في ذاكرة ووجدان الشعب المصري والعربي والإسلامي، فقد وترك وراءه إرثًا غنيًا من التلاوات والأناشيد الدينية، ، أثرى المكتبة الإسلامية بتلاواته وأعماله الفنية، مما جعله رمزًا في مجال الإنشاد الديني وتلاوة القرآن الكريم.
الشيخ محمد عمران .. صوت متفرد يتجدد قبل كل فجر في رمضان
وارتبط المسلمون في كل مكان بالابتهالات الدينية، خاصة في شهر رمضان المبارك الكريم، فهي تهدئ النفس وتمنحها السكينة والاطمنئان، وعرف المصريون الابتهالات بالتواشيح وأحبوها واعتادوا على سماعها في وقت السحور، خاصة قبل رفع آذان الفجر، ميقات الإمساك عن الطعام؛ لبدء صوم يوم جديد، وكان الشيخ محمد عمران وسيبقى هو من أهم وأبرز وأكبر المبتهلين والقراء من التراث الديني المصري، الذي ظل خالدًا بيننا، وقدّم الشيخ محمد عمران الكثير من الابتهالات، منها «شهر الصيام على الأيام قد فضلًا» الابتهال الشهير «ياسيد الكونين، جئتك قاصدًا، أرجورضاك»، و«يارب عفوك ورضاك» ، و« أنت الذي لما رُفعت إلى السماء» ، و «وليلة القدر وفيه الله فضلها عن ألف شهر»
ورغم رحيل الشيخ محمد عمران عن عالمنا بجسده، ستبقى صوته من الأصوات التي تحمل الله في طياتها لا تموت، بل تتحول إلى فجر يتجدد كل رمضان، وإلى سكينة تسكن القلوب حين يشتد بها القلق.