فى معرض القاهرة الدولى للكتاب انتبه بعض القراء إلى وجود رواية عرضت لم يقم روائى بكتابتها، رغم وجود اسم المؤلف عليها بل كتبها أو ألفها الذكاء الاصطناعى، ثم الاكتشاف من خلال فقرة يطرحها الذكاء الاصطناعى على من وجه له الأمر أو السؤال عن الرواية، بأن هناك مشاهد أو نهاية أخرى يمكن أن يضعها وأن الذكاء هو الذى حدد اسم بطل الرواية «إياد» وبطلتها «روح»، وهكذا يصح التساؤل: هل يصبح الذكاء الاصطناعى منافسا لنجيب محفوظ وتوفيق الحكيم وطه حسين؟
واقعة معرض القاهرة، ليست الأولى فى هذا المجال، فى بغداد وقبل حوالى شهر من افتتاح معرض القاهرة تم إغلاق دار نشر، هى دار «ألوكا» بعد أن تبين أن عددا غير قليل من الأعمال التى أصدرتها الدار من روايات وكتب مؤلفة فضلا عن بعض الأعمال المترجمة، تعود إلى الذكاء الاصطناعى وأن أسماء المؤلفين والمترجمين على الأعمال، هى أسماء وهمية، أسماء لا يعرفها الكتاب فى العراق، ذهب أحد النقاد المدققين، إلى البحث حتى توصل إلى أن الأعمال لم يكتبها أفراد نعرفهم ولا مترجمون، بل هو «الذكاء الاصطناعى»، صار مؤلفا ومترجما.
المخاوف تزداد فى الأوساط الثقافية المصرية والعربية، بل وحول العالم كله من هذا التغلغل للذكاء الاصطناعى، وبات السؤال ملحًا: هل يمكن لذلك الذكاء أن ينافس وليم شكسبير .. جوته.. موليير.. راسين.. نجيب محفوظ.. طه حسين.. العقاد.. الجاحظ وغيرهم..؟!
فى عالم الصحافة والإعلام، نجد الأزمة نفسها، جريدة شهيرة بالإنجليزية فى باكستان وكذا فى لندن، نشرت تقريرا إخباريا، تبين أن الذكاء الاصطناعى هو الذى أعده، فقد نسى المحرر المسئول فى الصحيفة الباكستانية أن يحذف عبارة وردت فى نهاية التقرير، يقول فيها الذكاء إنهصصصص يمكن إعداد نفس التقرير فى مساحة أقل إذا رغب فى ذلك؟.
بعيدا عن الوقائع التى من هذا النوع، راحت بعض الصحف والوكالات الصحفية تقلص أعداد المحررين فى غرف وأقسام الأخبار، اعتمادًا على الذكاء الاصطناعى الذى يقوم بإعداد وكتابة التقارير الإخبارية وتحرير بعض الأخبار، الأمر الذى يؤدى إلى تقليص فرص العمل، ناهيك عن مسألة الكفاءة فى الأداء المهنى والإبداع فيها.
بعيدا عن هذه الجوانب، كشفت تحقيقات النيابة العامة فى القضية التى عرفت باسم «طفل المنشار» أن الصبى الذى قتل زميله فى مدينة الإسماعيلية وقطع جثته وألقاها فى أكياس من البلاستيك، قام وهو يخطط للجريمة بسؤال الذكاء الاصطناعى عن تنفيذ الجريمة دون أن يترك خلفه دليلا، وقدم له الذكاء خطة بكافة التفاصيل، صحيح أنه نصحه فى النهاية بعدم الإقدام على تنفيذها لكن بعد أن رسم له الخطة كاملة.
المخاوف تزداد من الذكاء الاصطناعى فى العديد من المجالات.
الأوساط الأكاديمية بها قدر كبير من القلق، أن يقوم الذكاء بديلا عن الباحثين بإعداد رسائل الماجستير والدكتوراه، المعروف أن رسالة الماجستير، تقوم فى المقام الأول على قياس قدرة الباحث على البحث والوصول إلى المادة العلمية وجمعها وتنسيقها فى إطار منهجى، وهذا يمكن أن يقوم بجانب كبير منه، الذكاء الاصطناعى بسرعة شديدة وسهولة، فضلا عن قدر من الدقة.
فى المجال الإبداعى ثمة مخاوف بين المشتغلين بالمسرح، أن تلجأ الفرق المسرحية إلى الذكاء وتتجنب المؤلفين، والأعمال الأدبية الراسخة، وفى دنيا الرواية هناك قلق حقيقى لأن بعض الأعمال خرجت فى الأسواق، كتبها الذكاء الاصطناعى.
من قبل كان واردًا أن يستعين الباحث أو الكاتب ببعض المساعدين، يساعدونه فى جمع بعض المواد توفيرًا للوقت وللجهد، ثم يستفيد هو بالمادة ويوظفها على النحو المناسب فى الدراسة أو العمل الإبداعى، وكثيرا ما ذكر بعض الكتاب الكبار أسماء مَن قاموا بمعاونتهم من باحثين مساعدين أو تلاميذهم، فى مجال الرواية التاريخية كان يكمن أن يلجأ الروائى إلى مؤرخ بعينه، يفيده فى شرح تفاصيل واقعة محددة يعتمد عليها، حتى فى الأعمال الدرامية كان هناك من يطلق عليه «المراجع التاريخى»، وفى الصحافة كان هناك الاستعانة بقسم أو مركز المعلومات بالصحيفة، يوفر المادة العلمية، وهذا عرف كان معمولا به فى كبريات الصحف حول العالم.
فى كتابه «خريف الغضب»، ذكر الراحل محمد حسنين هيكل، أنه استعان بالدكتور ميلاد حنا فى الفصل الذى كتبه عن الكنيسة القبطية ود.حسن حنفى فى الفصل الذى خصصه لجماعات الإسلام السياسى وهكذا.
ومعروف فى الأوساط الثقافية أن نجيب محفوظ قبل أن يكتب روايته «الكرنك» التقى فى مقهى رمسيس بعدد من الشبان الذين اعتقلوا سنوات الستينيات واستمع منهم عن تجربة الاعتقال وما تعرضوا له، هو نفسه ذكر ذلك فى عدد من الحوارات الصحفية.
لكن الضمير العلمى والنقدى وضع خطوطا فاصلة بين وسائل المساعدة للباحث أو الكاتب والمبدع وبين السرقة الأدبية والسطو العلمى... ليس ذلك فقط بل إن القوانين تعاقب على السرقات العلمية والأكاديمية والأدبية.
فى تاريخنا الثقافى تعرض الكاتب المبدع إبراهيم عبدالقادر المازنى إلى هجوم حاد لأن صفحة مترجمة من أحد الأعمال الأدبية تسللت إلى إحدى رواياته، ورغم أنه اعترف بملابسات الواقعة واعتذر عنها، ظلت الواقعة مرتبطة به، تطارده وغضت من قدره وقامته الإبداعية، وكان الشعراء العرب قديما إذا ثبت انتحالهم لقصيدة أو بيت فى قصيدة، قامت الدنيا ولم تقعد.
فى تاريخنا الأدبى خصومات عديدة شهيرة بسبب ذلك.. ونعرف أن طه حسين فى أزمة كتاب «الشعر الجاهلى» سنة 1926، أراد خصومه الحط من قدره فاتهموه أنه نقل رأيه فى انتحال الشعر الجاهلى عن المستشرق الإنجليزى «مرجليوث» ورغم أنه ثبت فيما بعد أن بحث مرجليوث وضع بعد محاضرات طه حسين، لكن ظل خصومه يرددونها، حتى كان عام 1978، حين أصدر د.عبد الرحمن بدوى كتابه المهم عن الشعر الجاهلى ونظريات الانتحال، وقد أثبت «بدوى» أن المؤرخين والنقاد العرب، هم أول من قالوا ذلك، وحددوا دوافع الانتحال خاصة ابن سلام، إلى هذه الدرجة كانت الحساسية من احتمال تطاير جملة من بحث أو كاتب لدى كاتب آخر، وحين أصدر توفيق الحكيم مسرحيته «حمار الحكيم» قامت الدنيا ولم تقعد، لأن أديبًا إسبانيًا سبق الحكيم، استعمل كلمة «الحمار» عنوانًا أدبيًا لأحد أعماله، اتهم الحكيم بسرقة الفكرة والعنوان، رغم أنه لم يكن هناك تشابه بين العملين.
رغم أن الدراسات العلمية أقرت ما يعرف بمنهاج «التأثير والتأثر» أى إمكانية تأثر كاتب بعمل معين أو كاتب آخر، قد لا يكون بالضرورة معاصرا له، وهذا ما يدرسه علم «الأدب المقارن»، مثل المؤثرات التى انتقلت من «رسالة الغفران» لأبى العلاء المعرى إلى «الكوميديا الإلهية» لدانتى.. ومثل استلهام توفيق الحكيم للأسطورة اليونانية «أوديب» التى حملت عنده عنوان «مأساة أوديب» وكذلك تأثير ثلاثية نجيب محفوظ فى عدد من كتاب القصة الذين جاءوا بعده، وفى مجال النقد كان هناك دائما الحديث عن «المؤلف الشبح» وهو ما يقال عن أنه كاتب ما، يأخذ عمل شاب مغمور، غير معروف، يغير فيه بعض الأشياء وينسبه لنفسه، وكانت هناك معايير نقدية واضحة ومحددة، كى يطلق هذا التعبير على عمل ما، سواء كان قصيدة شعرية أو رواية أو مسرحية.
الآن نحن بإزاء مؤلف ليس شبحا، هو ليس مجهولا، بل معروف لنا، ثم إنه حريص على أن يعلن عن نفسه، ويذكر الجميع بأنه موجود، حاضر.. إذ يترك خلفه بصمة واضحة، تقول إنه هو من كتب، وإنه مطيع، ينفذ الأوامر وإنه يمكن له تنفيذ غيرها، والسؤال: أين المشكلة هنا؟
الواقع أننا بإزاء أكثر من مشكلة، الأولى هل يمكن للذكاء الاصطناعى أن يكون منافسا، لن أقول بديلا، للكاتب العادى؟!
الثانية كيف نتعامل مع الموقف فى هذه الحالة، من المخطئ ومن الذى يجب أن يحاسب؟
مقولة إن الذكاء يهدد الكاتب مبالغ فيها، الكتابة حالة إنسانية، بكل تفاصيلها، الذكاء يكون أقرب إلى ما نقول عنه «حافظ مش فاهم» معلومات مخزنة يقوم باسترجاعها، وعلى العموم هذه مسألة سوف تحسمها الأيام، لكن المؤكد أن وجود وانتشار أعمال ليست لكاتب محدد بالاسم، يمكن أن تضعف الحياة الثقافية، الأعمال سوف تكون اجترارًا وتكرارًا لأعمال سابقة أو نسج أعمال مشابهة لها، تخلو من الإبداع التثقيفى، ولكن هذه الحياة قادرة دائما على الفرز والتمييز بين الإبداع الحقيقى والأعمال المسطحة.
المسألة الثانية، نحسم بالقواعد القانونية والتشريعات، العمل الذى يقدمه الذكاء لا يجوز اختراع اسم مؤلف له، ذلك نوع من التزوير والتدليس على القارئ.
الخطورة الحقيقية للذكاء الاصطناعى ليست فى المجال الثقافى ولا الصحفى، بل فى مجال الجريمة المنظمة والتزوير السياسى، وهذا خطر حقيقى خاصة إذا كانت المؤسسات المجتمعية هشة وضعيفة.
فى مجال الجريمة أمامنا واقعة «صبى المنشار» فى الإسماعيلية، صحيح أن الميل الإجرامى والنزوع إلى العنف والانتقام قوى لدى الطفل، ولذا طرح أسئلة على الذكاء لتنفيذ الجريمة، التى قرر هو القيام بها، ونفذها بالفعل بطريقته.
أما الجانب السياسى فقد انتشرت الأخبار والوقائع المنسوبة لسياسيين كبار، بالتزوير عبر الذكاء، كما حدث بالنسبة لأوراق المجرم الجنسى «إبستين» مع بعض الشخصيات العربية، وتبين أنها مفبركة بالذكاء والحادث أمامنا.
ومن يتابع حروب السوشيال ميديا وسيل الشائعات المنهمر، يلاحظ كيف يتم توظيف الذكاء فى فبركة تصريحات ومواقف لبعض المسئولين، بغرض خلق تيار من الكراهية والرفض للمؤسسة وللمسئول معًا، يحدث هذا فى مصر، كما فى دول أخرى عديدة.
إن تقنيات الذكاء الاصطناعى تستخدم فى الصراعات السياسية وتشويه الخصوم، بل تصفية سمعتهم.. هذا هو الخطر الكبير، وهذا يقتضى أمرين، على درجة عالية من الأهمية الأول.. وجود متخصصين، يمكنهم تدقيق ما ينشر ويروج له عبر الذكاء، سواء فى المجالات الأدبية والثقافية أو السياسية وغير ذلك.. هذا دور النقاد والمؤسسات الإعلامية والصحفية الرصينة..
الثانى أنه من الضرورى أن تقوم المجالس النيابية بسن التشريعات والقوانين التى تتعامل مع تلك الحالات وتردع من يستغلونها، ولا تترك الأمور للمصادفات تفعل أفاعيلها.
فى النهاية الذكاء الاصطناعى اختراع إنسانى، يجب أن يساعد الإنسان وييسر عليه بعض المهام فى جمع المواد العلمية وغيرها، لكن الاستخدام الشرير والسيئ له، هو الخطر، وهذا يعالج بتنمية الوعى والحس الأخلاقى لدى أفراد المجتمع وسن قوانين تحول دون الاستغلال السيئ والشرير له.