رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

البرشامة الضائعة

11-2-2026 | 15:38

محمد السيد

طباعة
محمد السيد

قصة إنسانية لا يتخللها أي مؤثرات درامية استعطافية لأنها من الواقع، عندما قررت اتخاذ قرار التحرك من الفراش، كان القرار وليد تفكير عميق فخطواتي اليومية داخل المنزل محدودة، لأن عداد الطاقة لدي ينفد سريعا. 

أحاول الحفاظ عليها كما يحاول الموظف الحفاظ على إجازاته ليكمل بها حتى آخر العام، أو كما نحاول الحفاظ على شرطة الشحن الأخيرة لحين الوصول للمنزل، هكذا أنا أقتصد في حركتي أخزن مجهودي وأدخر ما تبقى من طاقة لوقت قد أكون فيه جالسا بمفردي و أحتاجها أكثر من أي وقت آخر للذهاب للحمام.

اتخذت القرار للقيام ولم يبق سوى التنفيذ ساعدتني إحدى بنات شقيقاتي في تحضير أدوات النهوض، أمسكت  بالعكاز صديقي الدائم، فهو يحفظ الطريق إلى الحمام أكثر مني، وهو خير رفيق لخطواتي إذا خانني عمودي الفقري وفي طريق العودة للفراش قابلتني ابنة أختي تمد يدها لي صارخة" برشامة إيه دي يا خالو"؟! بسرعة ودون تفكير التقطتها من يدها وابتلعتها فورا، ارتبكت "استنى مش كنا نشوفها من أنهي دواء صحيح أنا وجدتها على سريرك، بس مش عارفة نوعها إيه وسط عشرات الأدوية اللي بتاخدها يوميا، ولأنني في وقت الألم أكون متسرعا في أخذ المسكنات، فربما سقطت مني دون أن أنتبه.

 قلت لها بهدوء متعب" مش هتفرق كتير أنا كده كده مش ملتزم بالجرعات، والدكتور قال لي آخد العلاج مع بداية الألم علشان ما أدخلش في اكتئاب، ضحكت وتركتني دون أن تنظر إلي.

جلست بعدها أفكر كيف يمكن لبرشامة صغيرة أن تربك بيتا كاملا؟! وكيف أصبح الألم روتينا حتى إننا نفقد دهشتنا منه، ونفقد معه حرصنا؟ أدركت أن البرشامة لم تكن تائهة وحدها، بل نحن جميعا تائهون بين الألم والتأقلم، بين الاعتماد على الدواء والاعتماد على الصبر.

في تلك اللحظة أدركت أن المرض لا يقاس بعدد الأدوية، بل بعدد المرات التي نحاول فيها أن نعيش حياة عادية رغم كل شيء، وأن القوة الحقيقية ليست في الوقوف دون ألم، بل في النهوض كل مرة ونحن نعرف مسبقا أن الألم لن يرحل، ومع ذلك نتحرك.

أما البرشامة فربما كانت مسكنا وربما لم تكن لكن المؤكد أنها كشفت لي حقيقة واحدة، أن الإنسان أحيانا لا يحتاج دواء جديدا، بقدر ما يحتاج يدا تمتد نحوه، وسؤالا صادقا ونظرة لا تضحك وتمر بل تبقى.

ومع مرور الوقت تعلمت أن أتعامل مع جسدي كجار عنيد، لا يمكن طرده ولا إرضاؤه بالكامل، أسايره أتحايل عليه، وأحيانا أتنازل له، أعرف حدوده أكثر مما أعرف حدود البيت نفسه، وأحسب خطواتي بدقة، ليس خوفا من السقوط فقط، بل خوفا من أن أستهلك ما تبقى من قدرتي على الاحتمال.

و في هذا العالم الصغير الذي يتحرك بين السرير والحمام والكرسي، تصبح التفاصيل البسيطة إنجازا يستحق التقدير، ويصبح الوقوف لدقائق نصرا صامتا لا يصفق له أحد.
وأحيانا لا يكون الألم هو الأصعب بل اعتياده، أن تستيقظ كل يوم وأنت تعرف مسبقا ما الذي ينتظرك، دون مفاجآت ودون أمل كاذب في تحسن سريع ومع ذلك تستمر، لأن الاستمرار نفسه مقاومة، ولأن الحياة مهما ضاقت مساحتها تظل تستحق أن نتمسك بها.

ربما تكون البرشامة التائهة مجرد تفصيلة عابرة، لكنها تركت أثرها، ذكرتني بأننا لا نبحث عن الشفاء الكامل بقدر ما نبحث عن لحظة راحة،  أدركت أن البرشامة التائهة لم تكن دواء ضاع عن علبته، بل كانت أنا إنسانا تائها بين جسد يخذله كل يوم، وروح تحاول ألا تستسلم، برشامة بلا اسم واضح مثل أيام تمر بلا تعريف دقيق هل هي جيدة أم سيئة؟ مؤلمة أم محتملة؟ نبتلعها كما نبتلع الوقت، على أمل أن تخفف شيئا لا نعرف له موضعا محدددا.

ربما لا تشفينا البرشامات من كل وجع لكنها تمنحنا هدنة قصيرة مع الألم، مثل كلمة طيبة أو ضحكة عابرة، أو يد تمتد دون سؤال، وحين تتوه البرشامة، نفهم أن العلاج الحقيقي لا يسكن الأقراص الصغيرة وحدها، بل يسكن في الصبر و المحاول والمرور  بالطريق وإن كان محفوظا بالعكاز فمازال  الأمل للنجاة متجدد.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة