احتفلت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) باليوم العالمي للغة اليونانية، من خلال أمسية ثقافية وموسيقية أقيمت مساء أمس /الاثنين/، بمقر المنظمة بباريس، وذلك احتفاء وتكريما لثراء هذه اللغة الحية المميزة التي تطورت عبر العصور.
فقد أعلنت منظمة اليونسكو، وفقا لقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 71/328 بشأن التعدد اللغوي، وأهمية التنوع اللغوي، اعتبار يوم 9 فبراير من كل عام يوما عالميا للغة اليونانية، وذلك عقب القرار الذي تم اتخاذه في المؤتمر العام الأخير لليونسكو بشأن اللغة اليونانية ومساهمتها في الثقافة العالمية.
وأقيمت مساء أمس أمسية ثقافية وموسيقية، بمقر المنظمة بباريس، تضمنت فقرات لقراءة قصائد ونصوص باللغة اليونانية، بالإضافة إلى فقرات موسيقية ممتعة لاقت تفاعلا كبيرا من قبل الحاضرين.
وبهذه المناسبة، أكد الدكتور خالد العناني، المدير العام لليونسكو، في كلمة له، أن هذا اليوم يمثل لحظةً فارقة، فللمرة الأولى، يُحتفى باللغة اليونانية في جميع أنحاء العالم بالشكل الذي تستحقه، من خلال اليوم العالمي للغة اليونانية.
وقال إن اختيار التاسع من فبراير ليس من قبيل الصدفة، فهو يوافق ذكرى وفاة الشاعر يونيسيوس سولوموس الذي لا تزال قصيدته "ترنيمة إلى الحرية"، التي أصبحت الآن النشيد الوطني لليونان وقبرص، "تحمل أصواتكم وتطلعاتكم إلى العالم".
وأضاف أن جوهر اللغة اليونانية يكمن في قدرتها على التواصل مع الثقافات الأخرى وإثرائها .. كما أن ثراء اللغة اليونانية لا يُقاس بتاريخها فحسب، بل أيضا بقدرتها الدائمة على النقل والتفسير والمشاركة حتى يومنا هذا.
وفي رسالة وجهها بمناسبة اليوم العالمي للغة اليونانية، قال الدكتور العناني "تحيي اليونسكو في ٩ فبراير أول احتفال ﺑﺎليوم العالمي للغة اليونانية. ويمثل هذا اليوم العالمي، الذي اختير ﺗﺎريخ الاحتفال به تخليدا لذكرى الشاعر ديونيسيوس سولوموس، مناسبة للتذكير بالتحام اللغة اليونانية بفكرة الحرية والإبداع والكرامة الإنسانيةٌ، وبأنها لغة من أقدم اللغات التي استمر وجودها بلا انقطاع من العصور القديمة إلى يومنا هذا، علما بأن اللغة اليونانية المحكية نشأت منذ أربعين قرنا، واستحدثت الكتابة اليونانية منذ مايناهز الخمسة و الًثلاثين قرنا من الزمن".
ولفت إلى أن اللغة اليونانية تتبوأ موقعا مميزا بين لغات العالم، فهي لغة أساسية انبثقت منها ألفاظ كثيرة مازالت ذات دلالة على حقول فكرية عريقة، مثل لفظ "لوغوس" ولفظ "فيلوسوفيا" للتفكر في العالم، ولفظ "ديمقراطيا" التي تعنى بتنظيم حياة الجماعة، وكلمة "هيستوريا" التي تتناول نقل الذاكرة.
وتابع أن اللغة اليونانية ظلت حية لأنها تطورت وتحولت وتحاورت مع سائر اللغات والثقافات، وقد تركت بصمتها على مر القرون في العديد من اللغات منها اللاتينية والسلافية، وكذلك في اللغة العربية والفارسية والقبطية، "وهو مايذكرنا بأن وجود لغة ما لايتعارض مع وجود غيرها من اللغات، إنما اللغات تتلاقى وتتفاعل ويثري بعضها البعض الآخر".
وأكد الدكتور العناني في رسالته أن الاحتفاء ﺑﺎللغة اليونانية ينطوي أيضا على تكريم اليونان التي تعد من دولة من الدول الأعضاء المؤسسة لليونسكو، والتي ظلت ملتزمة برسالة المنظمة استنادا إلى إيمانها الصريح بكون الثقافة والتراث واللغات منافع مشتركة للبشرية.
وختم رسالته قائلا "وما تعزيز التعددية اللغوية وحماية اللغات القديمة واللغات المعرضة لخطر الاندﺛﺎر، ودعم الجهود الرامية إلى نقلها للأجيال الشابة، إلا تأكيد لحق جميع الشعوب في التفكير والإبداع والتعبير كل بلغته .. فلنؤكد معا بمناسبة الاحتفال باليوم العالمي للغة اليونانية، هذا الإيمان ﺑﺄن إحياء اللغات إنما هو إحياء الحوار والتعارف والأمل".
من جانبها، أكدت وزيرة الثقافة اليونانية، لينا ميندوني، التي حضرت الحفل، أن اللغة اليونانية، وعلى مدار تاريخها الطويل، تطورت لتصبح لغة عالمية انتقلت من الأمة اليونانية إلى البشرية جمعاء، وليس فقط لأن بعضا من أعظم أعمال الحضارة الإنسانية كُتبت باليونانية، ولا لأنها أثرت مفردات اللغات الأخرى، موفرة أرضا خصبة لأعظم إنجازات الفكر البشري في العلوم والتكنولوجيا والفنون، بل أيضا لأن اليونانية أدمجت ونشرت في أرجاء الأرض قيما خالدة أصبحت حجر الزاوية للحضارة والديمقراطية. هذه قيم صمدت لقرون رغم التحديات التي واجهتها، ولا يزال الدفاع عنها واجبنا الأسمى اليوم".
وتابعت "يُعد قرار اليونسكو اعتبار التاسع من فبراير يوما عالميا للغة اليونانية اعترافًا وتقديرا لهذه العالمية. إنه يوم رحيل شاعرنا الوطني، ديونيسيوس سولوموس الذي استخدم اللغة اليونانية لتكريم نضال اليونان من أجل التحرر الوطني، وللتعبير عن التوق الإنساني العالمي لأسمى غاية وهي الحرية، مضيفة أن اليونانيين اليوم هم الورثة الأوفياء لهذا التراث الحي الذي لا يُقدر بثمن.
هذا وتضمن الحفل، الذي نظمه الوفد اليوناني الدائم لدى اليونسكو، فقرات موسيقية وغنائية باللغة اليونانية لاقت إعجابا واسعا وتفاعلا كبيرا من الحاضرين.