رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

«راوتر شيخ البلد».. ندوة لمناقشة المجموعة القصصية لعاطف عبيد بمعرض الكتاب

29-1-2026 | 17:16

جانب من الفعاليات

طباعة
فاطمة الزهراء حمدي

استضافت قاعة ملتقى الإبداع، ضمن فعاليات معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته السابعة والخمسين، ندوة نقدية لمناقشة المجموعة القصصية «راوتر شيخ البلد» للقاص عاطف عبيد، وأدارتها الناقدة الدكتورة نانسي إبراهيم، وشارك في مناقشتها كل من الباحث والروائي والأكاديمي الدكتور زين عبد الهادي، والكاتب والإعلامي الدكتور محمد الباز.

 

وفي مستهل الندوة، أكدت الدكتورة نانسي إبراهيم، مدرس الأدب والنقد الحديث بكلية الآداب جامعة قناة السويس، أن «راوتر شيخ البلد» ليست مجموعة قصصية تقليدية، بل تجربة فارقة لا تقوم على الصنعة بقدر ما تعتمد على روح الكتابة، مشيرة إلى أن النصوص ترصد الأجواء المحيطة بالقرية المصرية من الداخل والخارج، وتعكس أحوال العالم وانعكاساته على القيم والشخصيات.

 

وأوضحت أن المجموعة تنطوي على مفارقة لافتة بين عالم القرية وعالم «فيسبوك» والتقنيات الحديثة، مؤكدة أنها لا تتعامل مع الفلاح بوصفه بسيط التفكير، بل على العكس، تقدمه باعتباره كائنًا يمتلك ذكاءً وخبرة عالية نابعة من علاقته بالأرض، ومن تراكم معرفي متصل بهويته وتمسكه بها.

وأضافت أن هذا التناقض لا يحمل إدانة بقدر ما يكشف عن الجماليات الخفية في هذا العالم، حيث تؤثر التكنولوجيا والضرورة في الجميع، سواء في المدينة أو القرية.

 

وتطرقت إلى مسيرة الدكتور عاطف عبيد، مؤكدة أنه قاص غير غريب عن المشهد الثقافي، ويُعد متخصصًا في نظم المعلومات، ويعمل مستشارًا في وزارة المعرفة، وأستاذًا بجامعة حلوان، والمشرف العام على مكتبة العاصمة. وقد صدر له من قبل مجموعتان قصصيتان هما «سماوي» و«السيدة كاف»، قبل «راوتر شيخ البلد»، التي تضم 31 قصة قصيرة ترصد التحولات التي يشهدها الريف المصري.

 

وأشارت إلى أن المجموعة تنطلق من قناعة فنية مفادها أن القصة لا تدّعي نقل الواقع بحرفيته، بل تقتطع جزءًا من الحياة وتعيد تشكيله فنيًا، في ضوء مقولة محورية تتكرر دلاليًا داخل النصوص: «أوله شرط وآخره دهشة».

 

ومن جانبه، رحب الدكتور زين عبد الهادي بالحضور وبالدكتورة نانسي إبراهيم والدكتور محمد الباز، معربًا عن سعادته بمناقشة هذه المجموعة للمرة الثالثة، بعدما كتب عنها وناقشها من قبل، مؤكدًا أن «راوتر شيخ البلد» لا يمكن تصنيفها ضمن طبقة واحدة، بل تفتح عالم القرية المصرية بكل مستوياته، من الأطفال إلى الكبار، ومن البسطاء إلى الأكثر تعقيدًا.

 

وأوضح أن علاقته بعاطف عبيد تعود إلى منتصف التسعينيات، حين ناقشه في موضوعات تتعلق بالذكاء الاصطناعي، مشيرًا إلى أن هذه الخلفية العلمية لا تكشف وحدها عن العمق الثقافي والإنساني الذي تحمله المجموعة.

وأضاف أن عاطف عبيد كان يحكي له بعض القصص من «راوتر شيخ البلد» هاتفيًا في ساعات متأخرة من الليل، ليضع المستمع في حالة استعداد للسخرية والدهشة، واصفًا إياه بـ«أمير قصص الفلاحين».

 

وأكد أن المجموعة تجمع بين الأنثروبولوجيا الثقافية والكوميديا السوداء، وتعيد تقديم القرية المصرية بوصفها كيانًا حيًا، لم تتغير شخصيته الجوهرية رغم دخول التكنولوجيا، بل اكتسب أدوات جديدة يستخدمها بدهائه الخاص.

وأشار إلى أن الفلاح في هذه القصص لا يقل ذكاءً، بل يمتلك قدرة على التحايل والفهم والتكيف، وهو ما يظهر في القصص التي توظف الراوتر، والسيرفر، واليوتيوب، والواتساب، والإنستاباي، داخل سياق يبدو ساخرًا لكنه عميق الدلالة.

 

وتوقف عند البعد الإنساني في المجموعة، خاصة الصراعات داخل الأسرة الواحدة، وعلاقة الأب بالزوجتين، والخلافات التي تنتهي على نحو يفاجئ القارئ بتماسك العائلة، مؤكدًا أن الكاتب يضع يده على جوهر الشخصية المصرية، بما تحمله من تناقضات، وسلطة أبوية، وروح فكاهية، وحزن دفين.

كما أشار إلى أن المجموعة تمثل جسرًا بين الماضي والحاضر، حيث يمكن للباحثين وعلماء الاجتماع والسياسة استخدام النصوص كمادة خام لدراسة المجتمع الريفي المصري كما هو اليوم، بعيدًا عن الصور النمطية القديمة، مؤكدًا أن الكاتب يقدم تصويرًا واقعيًا وذكيًا للتفاعل بين الإنسان والتكنولوجيا داخل القرية.

 

وأضاف أن كل قصة في المجموعة مبنية على قاعدة «أوله شرط وآخره دهشة»، مما يجعلها سهلة القراءة لكنها غنية بالمعاني، بحيث يستطيع القارئ اكتشاف حقيقة الحياة في الريف المصري من خلال نصوص قصيرة لكنها عميقة التأثير.

 

أما الدكتور محمد الباز، فأعرب في البداية عن سعادته بما قدمه عاطف عبيد للمكتبة العربية، مؤكدًا أنه تلقى المجموعة عبر أربعة مستويات من التلقي: الصديق المحب، والقارئ، والباحث، ثم الصحفي.

 

وأكد أن إحدى أهم ملامح المجموعة هي الجمع بين دهاء الفلاح ودهاء التكنولوجيا، موضحًا أن الكاتب يضع القارئ منذ البداية أمام عتبة نصية واضحة، ثم يقوده إلى دهشة محسوبة، حيث لا تأتي المفاجأة من الحدث وحده، بل من آليات التفكير التي تحكم الشخصيات.

 

وأشار إلى أن القرية في «راوتر شيخ البلد» ليست قرية متخيلة أو منقرضة، بل قرية موجودة الآن بكل تفاصيلها اليومية، من «منادي القرية» الذي يضع على لسانه حكمًا فلسفية ساخرة، إلى مشاهد مثل إعلان موت العمدة، أو المفارقات المرتبطة بالحياة والموت، حيث تختلط الحكمة الشعبية بالعبث، ويتحول الحدث البسيط إلى تأمل عميق في معنى السلطة والهيبة.

 

وأوضح أن الكاتب ينجح، من خلال القصص القصيرة والومضات السردية، في إيصال فكرة أن الحياة في جوهرها حظوظ، مستشهدًا بنماذج لشخصيات متعلمة تمتلك أدوات التكنولوجيا، لكنها لا تملك بالضرورة قدرة السيطرة على مصائرها، في مقابل فلاح بسيط يبدو أكثر فهمًا لمسارات الحياة.

 

وأكد أن المستوى الثاني من تلقي المجموعة يهم الباحثين، حيث يمكن اعتبارها مادة خام لدراسات اجتماعية وسياسية حول الريف المصري المعاصر، الذي لم يعد يشبه الريف الذي تقدمه السينما، ولا القرية الرومانسية القديمة، بل كيانًا متغيرًا يعيش داخل تناقضاته.

 

وأضاف أن الاستخدام الطبيعي للتكنولوجيا داخل النصوص، مثل المصاعد، وماكينات الصراف الآلي، والتطبيقات البنكية، يعكس وعيًا سرديًا بأن الأدوات لا تحمل قيمة في ذاتها، بل في طريقة استخدامها، مشيرًا إلى أن الإنسان الريفي لا يتعامل مع التكنولوجيا بوصفها معجزة، بل كوسيلة يمكن تطويعها وفق احتياجاته.

 

وفي المستوى الرابع، أوضح الباز أن التلقي الصحفي للمجموعة يكشف عن ذكاء بنائي واضح، حيث تبدأ القصص بشرط وتنتهي بدهشة، بلغة سهلة وسلسة لا تعيق القارئ ولا تثقله بالمصطلحات، حتى وإن استعانت بمفردات من البيئة الريفية، وهو ما يشكل –على حد تعبيره– نقلة في الكتابة عن الريف والفلاحين.

 

وأوضح أن عاطف عبيد لا يكتب عن الفلاح من الخارج، بل من داخل الحكاية، حيث يبدو جالسًا وسط شخصياته، يروي، ويسخر، ويتأمل، دون افتعال أو خطابية، موجهًا الشكر له على هذا العمل الذي يحمل قيمة أدبية وعلمية في آن واحد، ويستحق إعادة القراءة.

 

ومن جانبه، قال الكاتب وحيد الطويلة إن مجموعة «راوتر شيخ البلد» لا يمكن قراءتها باعتبارها حكايات اجتماعية فقط، بل هي نصوص مشبعة بدلالات سياسية واقتصادية، ومتعلقة بطبائع البشر التي لم تتغير، وعلى رأسها طبائع السلطة، التي تظل ثابتة حتى في أكثر العصور حداثة.

 

وأوضح أن اختيار القرية في المجموعة ليس اختيارًا بريئًا أو حنينًا إلى الماضي، بل اختيار واعٍ، لأن القرية تمثل نموذجًا مكثفًا للمجتمع، تظهر فيه السلطة والعلاقات والهيمنة بشكل أكثر فجاجة ووضوحًا، ضاربًا مثالًا بقصة «مفرمة الموبايلات القديمة»، معتبرًا إياها مشهدًا شديد القسوة والدلالة، حيث تصطف طوابير طويلة من الناس يحملون هواتف قديمة من كل الأنواع والألوان والماركات، ليتم إلقاؤها جميعًا في كتلة واحدة ضخمة تُفرم بلا تمييز.

 

وأشار إلى أن هذا المشهد لا يتحدث فقط عن مخلفات التكنولوجيا، بل عن تفتيت البشر أنفسهم وخلطهم وإعادة تشكيلهم، في مشهد رمزي يرتبط بالمشروعات، والصور المعدلة، و«تلقيح الناس ببعضهم البعض»، في إشارة إلى العبث بالوعي والهوية.

وأكد أن هذه القصة تحديدًا أثارت شجنه، خاصة لما تحمله من قسوة تجاه الإنسان البسيط وضياع الفرد داخل المنظومة.

 

وتوقف الطويلة عند مشهد آخر وصفه بالأشد قسوة، وهو مشهد شخصية عبد العاطي، الذي يقطع علاقته بالجميع، لا يتحدث مع أحد، ويخاصم أبناءه، ثم يطلق زوجته، ويعيش وحيدًا في بيته، متصالحًا مع عزلته، وكأنه يعلن اكتفاءه بنفسه ووحدته. وأوضح أن الكاتب …