تربص وتيه وأمان بفقدان الوعى.. نخرج ونشتبك ونهزم وننتصر.. غير قانعين بما وصلت إليه أيدينا.. نحلم بالجديد والمزيد دون استطاعة أو مقدرة.. ربما كان جنونا لكنه الأمر المريح مما أصبنا من سنوات العبث والامتلاء والفراغ.. عابر تارك مغادر.. كل هكذا فى رحلة تتشابه فى ظاهر القالب واختلاف فى تفاصيل الرحلة.. كل مثل الكل وعليه أن يكون للآتى مستقبلا وللماضى مودعا.. قاتل ومقتول.. قاطع للطريق يستأنس وينعزل.. ضربت عليه الحياة وعليه أن يحمل جميلا يحاول أن يوفيه رغم أن له عند الحياة الكثير!.
بارتجاف وخوف من الهزيمة.. نركب أجسادنا لتصحو أرواحنا بقرع يثبت أننا على قيد الحياة.. تناغم وعقاب وتنافر وتعاسة.. لحظات ميلاد وموت.. تولد الذات أو تموت رغم بقائها على قيد الحياة.. فى علاقة بالزمن رغم سريانه دون أن يعبأ بك.. تحلم بمرور من بوابته بمظهر وحلية وهيئة تليق.. تمنحك الوجود دون أن تموت نفسك.. مع زمن محايد لك ولغيرك يسير ويمضى ويتراكم فى ثوانٍ ودقائق وساعات وسنوات محسوبة على الجميع.. فى عداد تُستوفى أعمار ونرحل.. لكنك من الغباء تحاوره وتلقى إليه بالعتاب والسلام وتعتبره كائناً حياً يتفاعل معك!.. الحقيقة أنك تتفاعل مع نفسك وذاتك لخلق وجود يتناسب مع تناميك مع عداد الزمن.. قد تستوعب مبكرا، وتخلق ذاتا تتشكل وتتغير من خلالها هى نفسها.. وقد تمر عليك الساعات وتخلق منك التبعية والوهن إلى أن تصل للموت سواء كان نفسيا أو زمنيا.
والمؤكد أن علاقاتنا بذواتنا الواضحة أو المعتمة هى التى تجعلنا ننجح وننطلق نحو الحياة بمفهومها الصحيح.. لا نتأثر إلا من أنفسنا وليس بأنفسنا.. بأهوائها وغرائزها بما تخلق من أعباء وعراقيل.. تمنعنا من الاستمتاع بالحياة وتحرمنا من الهدوء والسلام النفسي.
وغالبا العموم من البشر يقضون حياتهم من خلال علاقاتهم بالعالم الخارجى وليس بانعكاس ذواتهم الحقيقية على العالم الخارجى.. فتتكون لديهم صور مشوهة تمنعهم من التأقلم والنجاح.. فيصبحون فى منطقة ظلامية لا يستطيعون الخروج منها.. لا يرون ذواتهم الحقيقية بمتطلباتها وقدراتها.. وبالتالى لم يستطيعوا إشباعها إلا بخيالات مريضة والتعلق بتدخل الزمن دون جهد كافٍ!.. بتصورات قاصرة تتمحور بجمود يحرمها من الحياة.. تهاجمها الصدمات دون فهم أو تجاوز.. أسيرة لها.. أو ربما واصلت طريق الصدمات واحدة تلو الأخرى.. قاصرة دون فرض نفسها على واقع سواء كان أشخاصا أو أشياء.. فاحتدام الصراع يرجع لجهلنا بذواتنا وتشبثتا بخوض سباق لتحقيق نصر مصحوب بألم نعتبره الثمن.. والغريب أننا لا نحسن التعامل حتى مع النصر بانعاسكه على ذواتنا!.. وكأننا ريبوتات جبلت على الدفع والتدافع خوفا من التلاشى!.. فى مواجهة جبروت الواقع بقانون الغابة.. دون خيار الاعتزال خوفا من مهاجمة الكائنات البشرية حتى ولو كنا فى صومعة داخل جبل محصن.. فالأصل هو الفهم والإدراك دون تزاحم مع الزمن.. فالزمن لا يزاحمنا.. مجرد مرور حتى آخر المطاف خصما من رصيد العمر وما يرتبط به من صحة ووهن وضعف.. فيستوجب علينا أن نحيا بذوات حقيقية دون عبث حتى ولو كان وهما عليه أن يكون مدروسا يصيب هدفا.. فالذوات الحقيقية لا تصنع بالزيف ولا تهدأ حتى ولو كان مخدرا ولو لبعض الوقت.
هزال وجفاف وكذب من فرط صراع وإنكار وحرب لذوات أدمنت الدوار والحلم بمطر السماء.. بفيض يصيب ويصيب لتحظى بحلم الانعتاق.. تحاصره الظنون وتهواه القلوب رغم فطنة العقول.. معجزة تحيى الظنون فى لحظة أخير قادم ولو تبقى يوم!. لروح ما زالت تحلم بالبصمة.. بالهوية خلف أيام انقضت.. صارت تتمسك بما تبقى من خلف تفاصيل وهم وانهيار دون بعد أو حد.. بمدّ يُجاوز الجزر فى غرور صارخ.. صرنا نستجدى النصر بغياب وجفاف وعناد.. ربما كان العناد هو وقودنا لنستمر موهومين مصارعين مهما قابلنا ومهما واجهنا.. لأحلام تتعمد مراوغتنا.. تملؤنا الهموم وتشتد بنا الحيرة.. نتعمد الانتظار لانقشاع الغمة ونطلق متى ومتى؟!.. مستأنسين الزمن وراجين تغيير وجهته.. مدفوعين ننتظر منْ يمسك بأيدينا لزمن ويقذف بنا لتلقى قدرا.. ربما كان حتفا وربما كان غير ذلك!.
مشجب الزمان يجعلنا فى أمل وترقب وحذر بدق مفاجئ لأبوابنا.. ربما استقبلنا ما ساقه إلينا بحفاوة وامتلكنا أمرنا!.. ولا عجب فالجميع يتحسس الخير السهل.. هبة معها ربما قتلنا الوقت أو قتلنا حتى نصل لما نريد.. نجلس وننام ونمضغ الساعات والأيام وننسج من الخيال ما يعيننا على البقاء على حالة الأمل والاستعداد دون خيبة رغم الحذر والخوف!.. ندعو وندعو أن يكون!.. تعمى أبصارنا إلا من رؤيته قادما.. يغلبنا الظن بالأفضل مع قادم الأيام ولا نعرف ما يمر وما يقطع من ساعات.. ويصبح القريب والبعيد ليس بمسافة بل بأزمان.. ببطء وتعب وثقل على أمل أن يتحقق لنا ما نريد.. دون حل غير الانشغال والتشاغل لتمرير الزمن.. ربما بسبب اعتيادنا تكرار مرات الفشل أو كان نتيجة استسهال وكسل.. فيركن الإنسان لحالة الجمود ظانا أنها الطريقة المثلى.. ربما كانت الوحيدة أو الأقرب لتكوينه الواهم.. أو الذى يدعمه تكرار الحوداث المحيطة بوصول الكسالى بضربة حظ.. أو كان العكس بوجود منْ سعى وجاهد ومنْ خلفه منطق مقبول للتفاعل مع حركة الزمان.. مقاوما الموت النفسي إذا ما ركن للراحة وانتظر جود الزمان.. حتى ولو مات حسرة وشوقا بعجز عن الولوج لهدفه .
لكننا غالبا نتناسى ونكرر إلقاءنا بأنفسنا للزمان يتلقفنا.. لا يرانا ولا يسمعنا فنسقط تحت عجلاته.. يكمل ويلقى كل شىء خلفه.. وخلفه منْ ظل واقفا أو ميتا أو حتى راكضا وراءه !.. ويبقى الزمن يقفز ويمر والحمقى يلوحون ينادون.. ويغمضون أعينهم متمنين قدومه بهدية عطاء!
وماذا إذن بيننا وبين بوابة الزمان؟!. هو العمر الذى يعبر ويمر ليستوفى فى ساعة مكتوبة.. سيادة وقوة على مر عهود.. تتابع دون مقدرة لأحد على دفع أو توقيف.. يأتى ويرحل ويأخذ بأذيال توقيتاته وبين أسنانه قوانا وساعات وأياما.. حاملين ذكريات بالتواريخ والأرقام.. منحنى تصاعدى لقمة بعدها تؤخذ كل الأشياء والشخوص فى تهاوٍ إيذانا باكتمال دورة الحياة فى اتجاه حياة أخيرة.
تبالى أو لا تبالى.. ما شأنك بأفعال الحياة.. ثرثار حمل سرا غير كفء!.. فى تعاقب لفصول تصالح وتشتاق.. تحب الشتاء وتكره الصيف!.. بخريف يرسم نهايات الأشياء وذكرى عليها أن تموت بموت أصحابها.. وربيع صاخب بجديد ليس لك مكان به!.. ترتبط بأشجان وأفراح.. تقترب بلهفة لموعدها.. بأوعية فارغة عسى أن يملؤها.. نفضح أنفسنا بعشق وكره!.. هراء بذاكرة تحمل لتحيا بلب يحاكى ما مضى بلا جديد على مسار الترحال.. فى تكرار وكأن العمر حقبة واحدة تتكرر مهما طالت الأيام.. يكفينا من المعرفة والأناس والأشياء مرة واحدة لنعتاد نفس الأحوال.. نقيد الحنين لماضٍ.. بورد نودع ونستقبل مهما طال الامتداد.. نحن كما نحن!.. نحيا مرة واحدة وعلى القادم أن يكون حتى ولو كان المأساة عينها!.. لا يهم بعد الزمان فالأمل بالقرب يملؤنا وإن طال أمد الأنتظار! .
نأمل القريب بعد رحيل البعيد عنا.. هجرة دائما نشد الرحال لها أيا كان العهد.. نسأل الحال ودوام الحال وما نلبث أن نرجو عودة الحال وإن كان من المحال!.. مهما حملنا من أوهام وحذر وتحسسا لموطئ أقدامنا بجهد الزمان.. عقول قاصرة وقلوب عامرة بالفراغ وذوات هشة تلونها ما تكشفه الأيام.. غلبت عليها شقوتها بفيض عاهة وإعاقة.. بالجنون كل مصاب.. فى رجاء يتغير كل ما كان.. ولو كان لا شىء!.. عشق لمجهول على جناحه نتمنى أن نطير.. وإن أسقطنا نلاحقه علَّ المأمول أن يكون فى زمن غير الزمن براحة عبر أزمان تخون.. نعقد العهد ونكتب ميثاقه من طرف واحد ونرجو من الزمن القبول.. يرهقنا النداء ويشبعنا الصراخ ويُصيبنا الدوار .
نُسارع إليه ليلقانا.. يهدهدنا ونرجوه أن تقع عيناه علينا وتوقف برحمة.. نردد ألا تسمع صوتنا ونحيبنا ونحن منْ أهدينا حياتنا لك؟!.. أتذكرنا أم أنت من النسيان صنيعة وفى المرور مهارة وبالغدر طبعك.. عالق بك راغب هناء وسلام.. على حافتك مرهونا والآن صرت مجنونا.. دون باقٍ أناوره ولا رصيد يمنحنى الركوض.. حركات وحركات أغلقت عليها المنافذ.. الرأس مثقل والنفس متقطع وأنا كما أنا أريد موقعا منك.. تبسم من ثغرك.. أريد ولا تريد؟!.. أيها التلقائى فى الانضباط حتى فى الزحام والشح والجوع والخطأ.. أرجوك وترفضنى!.. أبكى وتفرح!.. وأنا مازلت الأبله فى اشتياق للهفة اللقاء.