رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

«على المقبرة أن تكتب روايتها الأولى قبل أن تنتحر»


24-1-2026 | 18:20

.

طباعة
بقلـم: د.عادل ضرغام

لا يمكن أن أقول إن ما أقدمه فى هذا المقال يمكن أن يكون قراءة لديوان «على المقبرة أن تكتب روايتها الأولى قبل أن تنتحر» للشاعر والكاتب محمد حسنى عليوة، الصادر حديثا عن دار صفصافة للنشر، ولكن هى بعض إشارات يمكن أن تسهم فى الاقتراب من نصوص الديوان خاصة أن نصوص الديوان بها شيء من الرؤية الخاصة والمناحى المعرفية، خاصة فيما يخص رسالة الشاعر/ بالوطن / ومفهوم الوطن، ومفهوم الهوية الممتد، وربما أطرح فى ذلك السياق مجموعة من الأسئلة تتعلق بالديوان، وبالكتابة، وبمفهومها الذى يتغير من فترة إلى أخرى كما تجلّى فى نص حنظلة، ذلك المفهوم المتحرك للمحو والإضافة والتعديل حسب الوعى الثقافى.

 

الكتابة الشعرية فى هذا الديوان ليست كتابة سهلة، بل هى كتابة تدخلنا إلى مجالات معرفية كثيرة، يكشف عن هذه المناحى المعرفية مجموعة من الأشياء، منها أن هناك كماً كبيراً من التصديرات والإهداءات، فهناك إهداء أول، وإهداء ثان، وهناك- أيضا- تصديرات للكتابة الشعرية أو للديوان، وتصدير لكل نص، ويمكن أن تتم قراءة الديوان من خلال هذه التصديرات فقط، دون اللجوء إلى النصوص، فالوقوف عند التصديرات والإهداءات، ومجمل الملاحق النصية الموازية، يمكن أن يكون كافياً للوصول إلى قراءة دالة لهذا الديوان، وربما تصل إلى النتائج التحليلية ذاتها، فكل هذه التصديرات مهمة لفهم الديوان، ولفهم منطلقاته المعرفية.

أما الجزئية الثانية فتتمثل فى شعور القارئ للديوان أن هناك ميلاً للاشتغال على الاستعارة بعيدة الأطراف، فالشاعر يعتمد على تقاليد الشعر العربى، فى كون الاستعارة محور الشعر، وأداة الحضارة، فلم تشده الدعوة إلى التقرير أو إلى الجملة البسيطة، وكل ذلك له دور فى جعل الشعر فى هذا الديوان يتشابك مع ما هو ذاتى وجمعى ووجودى وسياسى، الديوان به الكثير من الاتكاء على المعرفة، وقارئ الديوان سوف يلاحظ هذا الوجود المعرفى، وسوف يدرك تنوّعه، ويدرك ارتباطه بمجالات عديدة، منها ما هو دينى، وما هو تاريخى، وفلسفى وفنى وأدبى.

أعتقد أنه من الأخطاء الجسيمة التى يمكن أن يرتكبها الكثير من النقاد هى محاولة التعامل مع هذا الديوان بأدوات قديمة، قائمة أو مشغولة بالتصنيف أو الوقوف أمام موضوعات القصائد، وأغراضها وفق التحديد النقدى، أو فى الاتكاء على البحث عن المعنى الواضح، بوصف المعنى أو الدلالة هى كل ما فى الشعر من جمال، فالأفضل من وجهة نظرى فى الاقتراب من هذا الديوان أن يتم تناوله على حالته الذى جاء عليها، بمعنى أن نبحث عن الأثر الذى يتركه فينا دون تحديد ودون الوقوع تحت سطوة التقسيم.

يمكن أن أشير إلى أن هذا الديوان يشتغل على التماهى بين الفردى والذاتى والجماعى، وهو يوجّه القارئ نحو كتابة مركبة لا تستطيع أن تفصل بينهما، وإذا حاول الناقد أن يحدد ويقسم هذه الكتابة الشعرية فأعتقد أنه سيقتل روح الشعر، وإذا حاول أن يقف مع كل خروج فى رسم الصور الجزئية أو المجهرية مع كل حالة سوف ينتهى به الأمر إلى التقسيمات الكثيرة والتناول الجزئى، مما يؤدى إلى ترهل عملية التناول النقدى، ويجعلها تناولا أقرب إلى الجزئية.

الأمر يحتاج إلى مداومة القراءة حتى يتولد الأثر الفنى داخل الناقد، ربما يكون من المجدى فى قراءة هذا الديوان أن يقف الناقد عند حالات التماهى التى تتم على مدار نصوص الديوان بين المسيح بكل ما يجاور من معان ودلالات شخصية المسيح عليه السلام والشاعر، وربما يكون من المجدى – أيضاً – أن نتوجّه نحو تأمل هذا التناظر، وأن نحاول أن ندرك ما المقصود بالمخاطب الأنثى الموجودة فى كل نصوص الديوان وهل هى امرأة فعلاً أم أن الدلالة المادية هنا تشكل حضوراً لكيان أكبر، كيان يتعاظم على المحدودية المادية، ليجدل دلالات أو رموزا متشابكة، أم أن الأمر قائم فى الأساس على حالة من الوحدة بين المرأة وهذا الكيان الأكبر، وأعتقد أن المنطلق فى هذا الأمر يمكن أن يكون قائماً على مجموعة من الألفاظ التى تتحرك من دلالتها الجزئية إلى دلالتها الأيقونية التى تصل بها إلى حدود الرمز.

إن حضور أسماء البلدان مثل (بغداد) و(الفسطاط وطليطلة) يفتح الباب لتصور تؤكده النصوص فى تحديد طبيعة المخاطب أو المخاطبة، بالإضافة إلى استخدام لفظتى (الأطلال والطلول) بشكل لافت للنظر فى نصوص الديوان، هذا كله كاشف عن توجيه دلالة الديوان نحو توجّه معرفى خاص، فى الديوان ثمة علاقة ملتبسة بين صاحب الصوت السارد فى النصوص، والمخاطبة التى يتم التوجه إليها فى كل الجزئيات والطبقات والحالات.

وحين تقول إن المخاطب أو المخاطبة الأنثى فى كل النصوص هو الوطن أعتقد أن هذا يكون تبسيطاً مخلّا، لأن الأمر فى النصوص الشعرية ليس بهذه البساطة، أو بهذا التحديد الخطّى الصارم، القصائد فى هذا الديوان تقدم قراءة موغلة فى القدم للحالة المصرية التى فى حياتها وموتها تحتفى بالموت احتفاء خاصاً، يقدم الديوان- وهذا المنطلق الأساسى للديوان – طبقات وجودية متوالية للموت والحياة، فنصوص الديوان لا تقيم فرقا كبيرا بينهما، الموت الآنى الذى تصوره القصائد فى إطار تفكك الكيان العربى يستدعى الفاعلية من القسيم الآخر الذى يتمثل فى المثقف أو الشاعر الذى لم يعد قادراً على التزام الصمت فى مراقبة التفسخ المفضى إلى الموت، يقول النص فى تشييد هذه الفكرة: (ما عدت أصلح للتلويح كوردة ميتة/ فى بذّة عازف تشيلو/ ينوى أن يموت واقفاً/ كوهج الشمعة فى المشكاة/ أتلمس الدفء من الزجاج).

وهذا معناه محاولة للوصول إلى الفاعلية، وإيمانا بدور الشعر والشاعر فى الصراع مع العالم وتفسخات هذا العالم، ولا يقف دوره عند الغناء فى لحظة الموت أو الدمار كما يفعل البعض.

الاكثر قراءة