رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

فى ذكرى رحيلها..كريمة مختار بداية من الميكرفون ورحلة كـ«أجمل أمهات السينما»

17-1-2026 | 13:19

فى ذكرى رحيلها..كريمة مختار بداية من الميكرفون ورحلة كـ أجمل أمهات السينما

طباعة
طه حافظ
بملامحها المصرية الأصيلة وصوتها الحنون، استطاعت الفنانة القديرة كريمة مختار أن تكسر الحاجز بين الشاشة والواقع، وبين شدة الأم المصرية الأصيلة فى «الحفيد»، وطيبتها فى «العيال كبرت»، وصولاً إلى تلك اللحظة التاريخية التى أبكت الملايين فى «يتربى فى عزو» استطاعت أن تفعل ما هو أصعب من التمثيل، لقد كسرت الحاجز بين الشاشة والواقع، كيف تحولت هذه السيدة إلى علامة مميزة للطيبة والحنان المصرى؟ وكيف استطاعت بصمتها أن تظل حية رغم الغياب؟!، دعونا نستعرض معاً محطات فنانة حفرت اسمها بماء الحب فى قلوب المصريين.
بداية الحلم فى هدوء شتاء 16 يناير 1934، فمنذ صباها، كان الفن يداعب خيالها، فما أن أنهت دراستها الثانوية حتى ذهبت إلى المعهد العالى للفنون المسرحية لتصقل موهبتها بالدراسة، وتحصل على البكالوريوس الذى كان تذكرتها لعالم الأضواء والشهرة، وهنا سنعود للوراء قليلا، الكثير لا يعلم البداية الحقيقية لموهبة كريمة مختار حيث عرفها الجميع من خلال صوتها الدافئ عبر الإذاعة المصرية، قبل أن تتجه إلى الشاشة، حيث بدأت الحكاية وهى طفلة فى برنامج «بابا شارو» الشهير، حيث خطفت الأنظار بأدائها فى مسلسلات الأطفال مثل: «سميرة الفقيرة» و«بطة وأخواتها الستة»، هذا الألق جعل الإذاعى المصرى الشهير محمد محمود شعبان، رائد برامج الأطفال وأحد عمالقة الإذاعة المصرية يراهن عليها ويضمها فوراً لفريق ممثلى الإذاعة، كانت هذه هي البداية لمشوار كبير امتد لـ20 عاماً من العطاء لم يكن نجاحها وليد الصدفة، بل كان نتاج رحلة طويلة خلف الميكروفون استمرت لسنوات كثيرة وبدعم من كبار الرواد مثل: عبد الحميد يونس والسيد بدير، أصبحت كريمة مختار صوتاً أساسياً فى مسلسلات «البرنامج العام»، حيث تدربت فى تلك السنوات على كيفية التعبير عن مشاعر الأمومة والحب، قبل أن تخرج للنور وتصبح من أبرز مشاهير السينما والدراما. بداية رحلة السينما أرادت كريمة مختار دخول عالم السينما ولكن عائلتها رفضت، حتى جاءتها الفرصة بعد زواجها من المخرج والممثل نور الدمرداش، الذى تعرفت عليه أثناء تصوير المسلسل الإذاعى «عصابة اليد الأسود»، والذى تم تسجيله فى الإسكندرية، وهناك طلب منها الزواج ولكنها كانت فى ذلك الوقت مهتمة أكثر بدراستها وعملها، فرفضت العرض، ولكن ظل «نور» يلح عليها حتى بدأت تقع فى حبه ووافقت على الزواج منه، بعدها شاركت فى فيلمه «ثمن الحرية» الذى أصبح بعد ذلك واحدا من الأفلام المهمة فى تاريخ السينما المصرية، حيث يجمع بين الدراما الاجتماعية والبعد الوطنى، وقد قدمت فيه الفنانة القديرة كريمة مختار دوراً مركباً يبرز قدراتها التمثيلية الكبيرة، ثم توالت أعمال الفنانة الراحلة فى السينما لتقدم العديد من الأدوار المميزة فى العديد من الأفلام السينمائية ومن أشهرها: الحفيد يعتبر هذا الفيلم هو الذى وضع كريمة مختار على عرش الأمومة فى السينما المصرية، حيث جسدت شخصية «زينب»، الأم لسبعة أبناء، وهى الشخصية المدبرة والمهتمة بتفاصيل حياة بناتها المتزوجات، والتى تسعى جاهدة للحفاظ على ترابط الأسرة رغم الصعوبات المادية، وشاركها فى هذا الفيلم الممثل القدير عبد المنعم مدبولى ومجموعة من الأسماء الشابة وقتها والتى لمعت فى سماء السينما المصرية والعربية بعد ذلك، مثل: نور الشريف ومحمود عبد العزيز وميرفت أمين . رجل فقد عقله هو فيلم كوميدى كلاسيكى، أظهر جانب الحكمة والصبر فى شخصية الأم المصرية، وقدمت فيه شخصية «فهيمة»، الزوجة المخلصة لـ «أحمد» (فريد شوقى)، والتى تكتشف خيانة زوجها فتحاول استعادته بمساعدة ابنيها «زكى» و«إكرامى» بطرق كوميدية ومبتكرة، وكان من بطولة الفنان الكبير فريد شوقى وعادل إمام واللاعب إكرامى الشحات. وبالوالدين إحساناً يعد الفيلم واحدا من أكثر أفلامها درامية وقوة فى الأداء الدرامى، ولعبت فيه دور الأم البسيطة التى تعمل «عاملة» وتضحى بكل شيء لتعليم ابنها (سمير صبرى)، لتتفاجأ بجحوده ونكرانه لها أمام زوجته وأصدقائه من الطبقة الراقية، فى واحد من أقوى أدوارها الدرامية، حيث قدمت لنا كريمة مختار لوحة فنية نابضة بالإحساس فى فيلم «وبالوالدين إحسانا»، ببراعة مدهشة، جسدت دور الأم التى لم تمنعها بساطتها من أن تحلم لابنها بأفضل مستقبل، فعملت بكل حب وتفانٍ لتراه فى أعلى المناصب، وعلى الرغم من سلبية الابن (الذى جسده سمير صبرى) ومحاولته إخفاء هويتها أمام طبقته الراقية، إلا أن أداء كريمة مختار كان هو «البطل الحقيقى»؛ حيث استطاعت بملامحها الصابرة أن تلمس قلوبنا جميعاً، وتذكرنا بقيمة التضحية وبأن الأم تظل دائماً هى «المنارة» مهما واجهت من نكران، لقد كان دوراً أثبتت فيه أن قوة الفنان تكمن فى قدرته على تحويل أى شعور سلبى إلى رسالة حب تصل لكل بيت. فيلم يارب ولد من منا يمل من مشاهدة هذا الفيلم؟ ففى واحد من أشهر كلاسيكيات الكوميديا التى لا تفارق شاشاتنا، أطلت علينا كريمة مختار بدور «كريمة»، الزوجة المطيعة للفنان فريد شوقى الذى يقدم دور تاجر الخشب، لم تكن كريمة مجرد زوجة وأم لثلاث بنات، بل كانت بمثابة حلقة الوصل التى تحاول دائماً تقريب وجهات النظر، فبين صرامة الزوج، وبين أزواج بناتها المتواكلين عليه، كانت هى رمانة الميزان التى تحفظ توازن البيت بهدوئها المعهود وابتسامتها التى تذيب المشكلات، دور أثبتت فيه أن خفة الظل لا تحتاج لمجهود، بل لقلب طيب . فيلم الفرح فى مرحلة نضج فنى مذهلة، أبهرتنا كريمة مختار فى فيلم «الفرح» بدور «تراجيدى» من الطراز الرفيع، جسدت شخصية «أم زينهم»، تلك الأم التى كانت المحرك الصامت للأحداث، فبينما كان ضجيج «نقطة الفرح» يملأ المكان، كانت هى تجسد قمة الألم برحيلها الهادئ فى ليلة زفاف ابنها، بملامحها الساكنة فقط، استطاعت كريمة مختار أن تخطف الأنفاس وتثبت أنها فنانة قديرة، قادرة على التأثير فى الجمهور حتى وهى صامتة، ليبقى مشهدها فى هذا الفيلم واحداً من أصعب وأجمل لحظات السينما الحديثة. ساعة ونص فى آخر بصماتها السينمائية وقبل رحيلها، تركت لنا كريمة مختار مشهداً لا ينسى فى فيلم «ساعة ونص»، لم تكن بحاجة لصفحات من السيناريو لتبكينا، بل فعلت ذلك بنظرة عين واحدة، حين جسدت دور الأم المسنة التى يتركها ابنها فى قطار مع رسالة قاسية تطلب من الغرباء إيداعها داراً للمسنين، بأداء صامت، مهيب، وملىء بالشجن كان هذا المشهد بمثابة «مسك الختام» لمسيرة فنانة عاشت أماً فى الحقيقة وعلى الشاشة، ورحلت وهى تذكرنا بقلبها الكبير فى الحقيقة والفن. علامات فى تاريخ الدراما التليفزيونية بين ليلة وضحاها، تحولت كريمة مختار إلى «تريند» القلوب قبل زمن منصات التواصل، وذلك من خلال شخصيتها المختلفة «ماما نونة» فى مسلسل «يتربى فى عزو»، ببراعتها قدمت لنا الأداء السهل الممتنع، الأم التى يتسبب دلعها الزائد في فشل ابنها «حمادة» الذى قام بتجسيده الفنان القدير يحيى الفخرانى، لكنها فعلت ذلك بخفة ظل وحنان جعلنا جميعاً نتمنى لو كانت «نونة» أماً لنا. البخيل وأنا أمام عملاق بحجم فريد شوقى، خطفت كريمة مختار الأنظار بهدوئها المعهود فى مسلسل «البخيل وأنا»، فبينما كان «عوض» يغرق فى بخله الذى أضحك وأبكى الجميع، كانت هى «الزوجة المكافحة» التى تمسك بزمام الأمور بحكمة وصبر كبيرين. صابر يا عم صابر كما شاركت أيضاً مع الفنان فريد شوقى فى هذا العمل الذى ناقش قضايا الموظف البسيط، جسدت دور الزوجة المصرية الأصيلة التى تقف بجوار زوجها فى تربية أبنائهم رغم ضيق اليد أحياناً، فكانت رمزاً لـ «الست المصرية الاصيلة». لم تحصر كريمة مختار نفسها فى قالب الأم الطيبة فقط، بل نوعت فى أدوارها لتشمل القوة والحزم مثلما قدمت مسلسل «زهرة وأزواجها الخمسة» حيث أطلت علينا بوجه «الحماة» القوية والمسيطرة، التى تحرك الأحداث بذكائها وخوفها الفطرى على ابنها، مما أثبت مرونتها فى الخروج عن إطار المثالية المعتاد. ومسلسل « الليلة الموعودة» الذى قدمت خلاله دوراً إنسانياً رزيناً، حيث مثلت الثقل الأخلاقى فى أسرة تواجه تيارات النصب والاحتيال، متمسكة بالقيم والمبادئ رغم الضغوط. مشوار كبير فى المسرح لم يكن حضورها المسرحى عادياً، ففى مسرحية «العيال كبرت»، قدمت شخصية «زينب» التى أصبحت جزءاً من طقوس الضحك فى كل بيت عربى.. وبنفس البراعة، انتقلت إلى قمة التراجيديا فى العمل الدينى الضخم «الحسين ثائراً» تحت قيادة المخرج الكبير جلال الشرقاوى، وفى التسعينيات، فاجأت الجمهور بروحها المتجددة فى العرض الاستعراضى المبهج «باللو باللو» مع صلاح السعدنى، لتثبت أنها فنانة لكل الألوان والأنماط. نالت الفنانة القديرة كريمة مختار خلال مسيرتها الحافلة العديد من التكريمات والجوائز التى عكست تقدير المؤسسات الثقافية والرسمية لموهبتها الاستثنائية، خاصة فى تجسيد دور «الأم». ومن أبرز التكريمات والجوائز التي حصلت عليها: - حصلت على جائزة أفضل ممثلة (2007) عن دورها التاريخى «ماما نونة» فى مسلسل «يتربى فى عزو» من مهرجان القاهرة للإعلام العربى. - جائزة النقاد نالتها عن دورها المتميز فى فيلم «ومضى قطار العمر». - درع التكريم من مهرجان أوسكار السينما المصرية (2008) تقديراً لمشوارها الفنى الطويل وتأثيرها فى السينما. - المهرجان القومي للمسرح (2010) حيث تم تكريمها فى ختام المهرجان عن مجمل أعمالها المسرحية التى أثرت خشبة المسرح المصرى. - مهرجان المسرح العربي (2004) حيث نالت تكريماً خاصاً فى الدورة الثالثة للمهرجان. رحلت كريمة مختار فى 12يناير 2017، بعد صراع مع المرض عن عمر يناهز 82 عاماً ،ورغم مرور سنوات على رحيلها إلا أنها ما زالت فى ذاكراتنا و تركت أثرًا كبيرًا فى نفوس الملايين من الجماهير فى مصر وخارجها، حيث رأوا فيها صفات الفنانة الحقيقية والأم الحنون.