تحل اليوم /الجمعة/ ذكرى رحيل الفنانة المصرية الكبيرة ماجدة الصباحي، إحدى أيقونات السينما العربية، التي جسدت نموذجا فريدا للفنانة الواعية باختياراتها، الرقيقة في إحساسها، والقوية في حضورها و تأثيرها، وعلى امتداد مسيرة فنية وإنتاجية طويلة تركت بصمة راسخة في تاريخ الفن، ولم يقتصر عطاؤها على التألق أمام الكاميرا، بل حملت قضايا المرأة والوطن في أعمالها، لتظل سيرتها شاهدا على فن صادق يتجاوز حدود الزمن.
ولدت ماجدة واسمها الحقيقي عفاف علي كامل الصباحي في السادس من مايو عام 1931 بمدينة طنطا، وتعود أصول أسرتها إلى محافظة المنوفية، تحديدا قرية "مصطاي" التابعة لمركز قويسنا، وتنتمي إلى واحدة من أكبر العائلات هناك، وهي عائلة "الصباحي"، وكانت الابنه الرابعة والأخيرة لوالدها الذي يعمل موظف بوزارة المواصلات، قبل أن ينقل إلى القاهرة بعد ولادتها بفترة قصيرة لتولي منصب أكبر بالوزارة، وتلقت تعليمها في مدارس "نوتردام"، وحصلت على شهادة البكالوريا الفرنسية، وبدأ شغفها بالفن مبكرا رغم تحفظ أسرتها.
وفي سن الخامسة عشرة، دخلت عالم التمثيل بعيدا عن أعين أهلها، وغيرت اسمها إلى "ماجدة" لأسباب اجتماعية وعائلية، قبل أن تكون انطلاقتها الحقيقية عام 1949 من خلال فيلم "الناصح" أمام إسماعيل ياسين، ومن إخراج سيف الدين شوكت.
اشتهرت ماجدة في بداياتها بأدوار الفتاة الرقيقة المدللة، ونجحت في تثبيت مكانتها كنجمة رومانسية محبوبة، لكنها سرعان ما أثبتت ذكاءها الفني بالانتقال إلى أدوار أكثر عمقا، قدمت من خلالها أعمالا اجتماعية وسياسية ووطنية تركت أثرا بالغا.
ومن أبرز هذه المحطات تجسيدها لشخصية المناضلة الجزائرية في فيلم "جميلة بوحيرد"، الذي تجاوز كونه فيلما سينمائيا؛ ليصبح حدثا سياسيا وإنسانيا، ساهم في دعم القضية الجزائرية عالميا، كما تألقت في فيلم "العمر لحظة" بدور الصحفية التي ترصد معاناة الجنود خلال حرب أكتوبر، إلى جانب الفنانين أحمد زكي وأحمد مظهر.
لم تتوقف ماجدة عند نوعية واحدة من الشخصيات، فانتقلت بسلاسة بين الفتاة البسيطة في "بياعة الجرايد"، والفلاحة في "النداهة"، وصولا إلى الشخصيات التاريخية والدينية، مثل دور "هند الخولانية" زوجة بلال في فيلم "بلال مؤذن الرسول"، وحبيبة في فيلم "هجرة الرسول"، مؤكدة قدرتها الاستثنائية على تقمص مختلف الأدوار.
وإلى جانب التمثيل، اقتحمت ماجدة مجال الإنتاج السينمائي بتأسيس شركة أفلام "ماجدة"، وقدمت من خلالها عددا من الأعمال البارزة، من بينها: "جميلة"، "المراهقات"، "الحقيقة العارية"، "بنات اليوم"، "هجرة الرسول"، و"العمر لحظة"، كما خاضت تجربة الإخراج مرة واحدة من خلال فيلم "من أحب؟".
وعلى الصعيد الشخصي.. تزوجت ماجدة عام 1963 من الفنان والضابط إيهاب نافع، وأنجبت ابنتها الوحيدة غادة نافع، قبل أن ينفصل الثنائي بعد سنوات قليلة، ولم تتزوج بعدها، مفضلة التفرغ للفن وأسرتها.
حظيت ماجدة الصباحي بالعديد من الجوائز والتكريمات من مهرجانات دولية، من بينها (برلين، فينيسيا، موسكو، دمشق)، إلى جانب تكريمات رسمية من وزارة الثقافة، كما اختيرت عضوا في عدد من اللجان السينمائية، وكان لها حضور بارز في جمعية السينيمائيات.
تراجع نشاطها الفني في الثمانينيات، وكان آخر أعمالها السينمائية فيلم "ونسيت أني امرأة" عام 1994، قبل أن تبتعد بهدوء عن الأضواء.. وفي 16 يناير عام 2020، رحلت عن عالمنا عن عمر ناهز 89 عاما، بعد مسيرة فنية امتدت قرابة 45 عاما، وأقيمت صلاة الجنازة عقب صلاة الجمعة بمسجد مصطفى محمود بالجيزة، ودفنها في مقابر العائلة بمدينة السادس من أكتوبر.
وتبقى الفنانة ماجدة صفحة مضيئة في تاريخ السينما المصرية، ورمزا للفن الذي جمع بين القيمة والوعي الإنساني، لم تكن مجرد نجمة تألقت على الشاشة، بل تجربة فنية ووطنية تركت أثرا عميقا في الوجدان، ورسخت اسمها كأحد رموز الزمن الجميل، وبرحيلها غابت عن الدنيا، لكنها بقيت حاضرة بأعمالها، شاهدة على مسيرة امرأة آمنت بأن الفن رسالة، والإبداع مسؤولية، فاستحقت أن تظل حية في الذاكرة مهما طال الزمن.