أدى ازدياد أعداد كبار السن في أوروبا إلى تصاعد الضغوط الملقاة على عاتق الميزانيات الوطنية، الأمر الذي ألقى بظلاله القاتمة على مدى جدوى المعاشات التقاعدية الحكومية السخية وإمكانية استمرارها في المستقبل، في وقت تشير فيه التوقعات إلى أن دول القارة العجوز تتجه إلى شيخوخة سكانها خلال الـ25 عاماً المقبلة بوتيرة أسرع بمرتين مما هي عليه الآن.
واستعرضت صحيفة "فاينانشيال تايمز" قضية شيخوخة السكان وقدرة الدول الأوروبية على الوفاء بمفهوم الرفاه لشعوب القارة ومتطلباته، ولفتت إلى هناك مثل هذا التوتر ظهر بوضوح على الساحة الفرنسية خلال حملة إيمانويل ماكرون لإعادة انتخابه في فرنسا عام 2022، حيث اقترح خلالها رفع سن التقاعد من 62 إلى 64 عاماً.
ولفتت إلى أن هذا القرار قوبل باحتجاجات شعبية واسعة، مما يبرز الطبيعة الخلافية لإصلاح نظام التقاعد في فرنسا. ورغم نجاحه المبدئي في تطبيق هذا التغيير، تراجعت حكومة ماكرون لاحقاً عن جهود الإصلاح لتأمين الدعم لميزانية الرعاية الاجتماعية، مما يعكس ردة الفعل السياسية القوية ضد تعديلات نظام التقاعد.
ومع تزايد أعباء المعاشات التقاعدية، تشير الإحصاءات إلى أن ما يقرب من نصف (47%) إنفاق الاتحاد الأوروبي على برامج الحماية الاجتماعية يخصص لمعاشات الشيخوخة ومعاشات الورثة.
وتشير التوقعات إلى أنه حتى في المملكة المتحدة، حيث تكمل أنظمة المعاشات التقاعدية الخاصة مخصصات الدولة، سيزداد الإنفاق على المعاشات التقاعدية الحكومية بشكل ملحوظ، من حوالي 5% من الناتج المحلي الإجمالي إلى 7.7% متوقعة بحلول أوائل العقد السابع من القرن الحالي.
وتتصدر إيطاليا حاليا دول الاتحاد الأوروبي بتكاليف معاشات تقاعدية تتجاوز 15% من الناتج المحلي الإجمالي، تليها فرنسا واليونان، بينما تنفق ألمانيا جزءا كبيراً من عائدات الضرائب الفيدرالية على دعم نظام المعاشات التقاعدية لديها.
ويؤكد اقتصاديون، مثل أنطوان بوزيو، على صعوبة تحقيق التوازن بين نفقات المعاشات التقاعدية الحالية والاستثمارات الضرورية في الدفاع، وتحولات الطاقة، والتقدم التكنولوجي.
ويؤدي هذا الضغط المالي إلى مطالبات بزيادة الضرائب للحفاظ على مستويات المعاشات التقاعدية الحالية.
وعلى الرغم من الجهود المبذولة منذ تسعينيات القرن الماضي في العديد من دول الاتحاد الأوروبي لإصلاح أنظمة المعاشات التقاعدية، مثل رفع سن التقاعد وربط التعديلات بالتضخم بدلاً من نمو الأجور، لا تزال هناك مقاومة سياسية كبيرة.
وقالت "فاينانشيال تايمز" إن استطلاعات الرأي في أرجاء أوروبا كشفت أن المواطنين في دول مثل فرنسا وألمانيا وإسبانيا وإيطاليا متشككون في قدرة أنظمة التقاعد على تحمل تكاليفها، وفي الوقت نفسه يعارضون الإصلاحات الضرورية كرفع سن التقاعد أو زيادة الضرائب.
ويعكس هذا تردداً أوسع لدى القادة السياسيين في تطبيق سياسات قد تثير ردود فعل سلبية من الناخبين، ولا سيما بين كبار السن.
تعود جذور أنظمة التقاعد الحالية في أوروبا إلى أواخر القرن التاسع عشر، مع إدخال أوتو فون بسمارك، الذي يعد مهندس ألمانيا الموحدة، نظام المعاشات التقاعدية الحكومية في ألمانيا بهدف كبح جماح الاشتراكية وتعزيز الولاء للدولة.
وقد طرأت تعديلات مختلفة على هذه الأنظمة، مما أدى إلى ظهور أنظمة متباينة في المملكة المتحدة وإيطاليا، إلا أن هذه الأنظمة تعتمد بشكل كبير على هيكل "الدفع الفوري"، معتمداً اعتماداً كبيراً على مساهمات العاملين الحاليين. ونتيجة لذلك، فإن ارتفاع نسبة المتقاعدين إلى العاملين، بالإضافة إلى انخفاض معدلات المواليد وارتفاع متوسط العمر المتوقع، يشكل تحدياً خطيرا لاستدامة هذه المعاشات.
ويبدو التوافق السياسي حول الإصلاحات الجوهرية، كإدخال قنوات معاشات تقاعدية خاصة أو إجراء تخفيضات كبيرة في المزايا، غير مرجح في هذه المرحلة، مما يستدعي إعادة تقييم عاجلة لاستدامة المعاشات التقاعدية في أوروبا.
وفي دراسة تفصيلية لأنظمة المعاشات التقاعدية في أوروبا، يشير الخبير الاقتصادي البارز هيرفيه بولهول، من "منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية" إلى التفاوتات الكبيرة في معدلات المساهمة، مسلطا الضوء على أنه بينما تحافظ فرنسا وإيطاليا على مستويات عالية من المساهمات، تعاني ألمانيا ارتفاعا في متوسط معدل المساهمة في ظل شيخوخة سكانية متسارعة. ويتناقض هذا الهيكل المالي بشكل صارخ مع المملكة المتحدة والولايات المتحدة، حيث يبلغ متوسط معدلات المساهمة أكثر من 20% و11% فقط على التوالي.
وقد أدت التوسعات في برامج الرعاية الاجتماعية في أوروبا إلى انخفاض كبير في الصعوبات المالية التي يواجهها كبار السن، حيث تسجل فرنسا أحد أدنى معدلات الفقر لمن تزيد أعمارهم عن 75 عاماً، إذ يقل دخل أقل من 7% منهم عن نصف المتوسط الوطني. في المقابل، يعد هذا الرقم أعلى بشكل مثير للقلق في المملكة المتحدة (حوالي 19%) والولايات المتحدة (حوالي 27%). يشير ارتفاع متوسط العمر المتوقع في أوروبا، حيث يبلغ 43 عاماً- وهو أعلى بكثير من المتوسط العالمي- إلى أن المنطقة ستشهد شيخوخة سكانها بوتيرة أسرع بمرتين تقريباً خلال السنوات الخمس والعشرين القادمة، لا سيما في دول مثل إيطاليا وإسبانيا، اللتين تعانيان بالفعل من معدلات خصوبة منخفضة للغاية تبلغ حوالي 1.2 طفل لكل امرأة، وهو أقل من عتبة 2.1 اللازمة للحفاظ على استقرار التركيبة السكانية.
وتشير التحولات الديموغرافية المتوقعة إلى أنه بحلول منتصف خمسينيات القرن الحالي، ستضم دول مثل إسبانيا أكثر من 75 مسناً لكل 100 شخص في سن العمل، مما سيؤدي إلى أنظمة تقاعد قد تصل تكلفتها إلى 17.3% من الناتج المحلي الإجمالي. ويحذر اقتصاديون مثل فينتشنزو جلاسو، من اتساع الفجوة بين الأجيال نتيجة ارتفاع تكاليف المعاشات التقاعدية، حيث تعاني الفئات العمرية الشابة معدلات فقر أعلى من الفئات العمرية الأكبر.
واستجابة لهذه التحديات الديموغرافية، تتبنى الحكومات الأوروبية إصلاحات متنوعة تهدف إلى تخفيف العبء المالي لمعاشات التقاعد الحكومية. وتشمل هذه التدابير رفع سن التقاعد أو إطالة فترة الاشتراك المطلوبة للحصول على كامل استحقاقات المعاش التقاعدي، مما يعكس اتجاهاً أوسع نطاقاً حيث تخطط نحو ثلثي دول "منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية" لرفع سن التقاعد بحلول عام 2060.
وقد أدخلت المملكة المتحدة تعديلات على نظام معاشها التقاعدي الحكومي ليشترط 35 عاماً من الاشتراكات بدءاً من عام 2016. في الوقت نفسه، تربط دول إسكندنافية مثل الدنمارك سن التقاعد بمتوسط العمر المتوقع، ساعية إلى رفع سن التقاعد إلى 70 عاماً بحلول عام 2040.
وأفادت الصحيفة البريطانية بأن دولا مثل إيطاليا، تواجه تحديات سياسية مع التغييرات المقترحة على سن التقاعد، حيث تدعو بعض التيارات داخل الحكومة إلى تجميد المعدلات الحالية، الأمر الذي من شأنه أن يزيد تكاليف المعاشات التقاعدية بشكل كبير مع مرور الوقت. كما يواجه نظام التقاعد الألماني، الذي يمتلك آليات لتحقيق استقرار الإنفاق، ضغوطا نتيجة للقرارات السياسية، مثل تعليق هذه القواعد حتى عام 2031.
وللتصدي لتلك التحديات، يتزايد تشجيع الأفراد على الادخار في صناديق التقاعد الخاصة، من خلال مبادرات مثل الدعم الحكومي الألماني، وخطط إيطاليا للتسجيل التلقائي في أنظمة التقاعد التكميلية. تهدف هذه التغييرات إلى تعزيز المشاركة في المدخرات الخاصة، والتي لا تتجاوز حاليا ثلث القوى العاملة.
وفي تحول أكثر راديكالية، يلاحظ التوجه نحو نظام تقاعد ممول، مع وجود أوجه تشابه مع النموذج الكندي الناجح الذي تطور في التسعينيات، إلا أن المناخ السياسي في أوروبا لا يزال متردداً في إنشاء صناديق مماثلة. علاوة على ذلك، يشير اقتصاديون إلى أن إنعاش الاقتصاد الأوروبي المتعثر، الذي شهد نموا سنويا بنحو 1.5% مقارنة بـ 2.5% في الولايات المتحدة، يعد أمراً بالغ الأهمية لاستدامة المعاشات التقاعدية، مؤكدين أن المشكلة لا تكمن في مدفوعات المعاشات التقاعدية، بل في الركود الاقتصادي الأوسع نطاقاً.