رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

نظرية المجاز


16-1-2026 | 10:36

.

طباعة
بقلـم: د.محمد زيدان

المجاز ببساطة هو الممر أو المعبر أو الطريق؛ وليس هو المعنى؛ كما أن البلاغة والتى من معانيها الممر والمعبر والطريق - ليست هى المعنى، وإنما هما أدوات تحملنا إلى المعنى، ومن الأجدر أن يكون الطريق جميلا، فهما يجملان الحياة، ويجملان الواقع، ويجملان رؤية الإنسان إلى الوجود؛ وبالتالى فإنا نطرح المفهومين من خلال رؤية توحدهما فى النص، وتعطى للأدوات الجديدة التى نقترحها صورتها التى تتناسب مع النظرية الأدبية المعاصرة.

 
 

يتساوى مفهوم المجاز من الناحية الوظيفية مع مفهوم البلاغة، وربما يتجاوزها؛ لأن الامتداد الدلالى لفكرة المجاز يتساوى مع الامتداد الدلالى لفكرة البلاغة، وهما يتصلان لغوياً بمفهوم التجاوز والتوصيل، والمعنيان قريبان فى الهدف والأثر؛ وهذا يحدث عندما يتم استخدام اللفظ استخداما فوق الاستعمال العادى، أو فوق الاستعمال المنطقى له، حيث يمتد التفكير مع هذا التجاوز من صفة إلى صفة أخرى، ومن معنى إلى معنى آخر، ومن طريقة إلى طريقة، يقترب من هذا الاستعمال مفهوم التوافق الجمالى الذى يمكن أن يطرحه هذا التجاوز بإضافة معنى لم يكن فى حسبان المتلقى، أو تقريبه على الأقل، ولأن مفهوم البلاغة يأتى من البلوغ، بلغ الشيء مبلغه بلوغًا، وصل وانتهى، وأبلغه إبلاغًا، وبلغّه تبليغًا، وتبليغ الشيء، وصله إلى مراده،(1) الدلالة بذلك تصل المعنيين بعضهما البعض من وجهة نظر البحث، فمادة «جاوز» فى لسان العرب - أيضا- تعنى السير فى غير المعتاد من الفعل والقول، ومنه «وَجَاوَزْنَا بِبَنِى إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ» وهو معنى استثنائى فى السلوك، وفيه يتجاوز التفكير العقلى منطق الأشياء، فليس هناك تفكير جمالى يتعدَّى فى مادة «جوز» أو «جاوز» أكثر من السير فوق الماء، ربما يسير المعنى – كما أريده – السير فوق المعتاد من اللغة، والمعتاد من التصور، والمعتاد من التفكير فى إنشاء نسق يطرح التصور الجديد لفكرة المجاز فى اللغة العربية خاصة، والفكرة الإنسانية والاجتماعية عامة، ولكن كلمة المجاز من الفعل جاوز، ربما تكون أكبر فى أحايين أخرى من التبليغ، كما أن من معانى المجاز: الممر والمعبر، والبلاغة التوصيل، وبالتالي؛ فإن المعنيين يتلاقيان تلاقيًا مباشرًا، فالمجاز يفترض فيه إقامة المعنى بصورة تجعل المتلقى فى حالة من الاقتناع بالصورة التى ارتضاها لنفسه، لأن البلاغة إن لم يكن من أهدافها أن تصل بالمتلقى إلى حالة من الإقناع، سواء كان هذا الإقناع يصل إلى إشباع رغبة نفسية أو إشباع رغبة فكرية، ووصولا إلى إشباع رغبة اجتماعية فى التمكن من فهم الكلام فهماً يليق بالمستوى اللسانى الذى ينتمى إليه، فإنها تصبح فى حاجة إلى مساعدة ما للوصول إلى حالة التلقى بصورة كاملة، وهذا بدوره ينقص من صورة البلاغة فى اللغة العربية، وبالنظر إلى حالة من التجاوز التى لوحظت فى الكثير من النصوص لمفهوم المجاز بالمنطق التقليدى للكلمة، نستطيع رؤية القصور الشديد الذى يمارسه الاشتغال الوظيفى للغة العربية من جهات متعددة يمكن حصر بعضها فى الاستعمالات الآتية:

أولاً: تجاوز النصوص الجديدة لمنطق البلاغة التقليدية فى الاستعمال الأدبى.

ثانياً: وقوف تصور البلاغة العربية عند مفاهيم تحيط باللفظ، أو تحيط بالجملة على أكثر تقدير ممكن.

ثالثاً: توقف البلاغة العربية عن اللحاق بالتصورات الجمالية الجديدة بشكل ملحوظ، على الأقل فى التطبيق.

رابعاً: التكرار الظاهر للدراسات العلمية فى البلاغة العربية منذ أكثر من قرن ونصف القرن.

خامساً: التخوف الظاهر من فكرة البلاغة العربية الجديدة، ربما لارتباط البلاغة فى أذهان علمائها، بالقرآن الكريم، وهذا ما جعلهم يحجمون عن تفكير بلاغى جديد يطرح للنص الأدبى تصورات أخرى، ويطرح فى الوقت نفسه للقرآن الكريم آفاقاً جديدة فى الاستعمال الجمالى للغة.

سادساً: توقف ما أسميه «بالتفكير البلاغي» مما يجعل الاستخدام التطبيقى لفصول البلاغة العربية مقتصراً على صور محفوظة من المجاز انعكس على كل ما يتصل بحياة الإنسان العربى، وبخاصة فى باب علم البيان، ولذلك يطلق عليها فى الدرس التعليمى الصور البيانية.

من هنا يمكن استخدام منطق التجاوز فى اللغة مسوّغاً للدخول فى عالم جديد من التصورات البلاغية التى يطرحها البحث، ليس باعتبارها منفصلة عن الاستعمال التقليدى للمجاز العربى، ولكن باعتبارها صورة ممتدة للفكر البلاغى العربى، وإضافة تصلح لإقامة أدوات جديدة لاستعمال البلاغة العربية استعمالا وظيفيا لا ينحصر فى الفكر الأدبى، ولكنه يمتد ليشكل رؤية جمالية للتفكير الإنسانى من الناحية العصرية، هذا التجاوز المقترح لن يرتبط باللفظ كما حدث فى البلاغة العربية عند واضعى أسسها، ولكنه يرتبط بمجموعة من التصورات اللغوية والجمالية الأخرى التى لا يمكن الاستغناء عنها. هنا يمكن القول: أننا بصدد تحقيق أبعاد نظرية للمجاز، وهذه الأبعاد تتلاقى والكثير من جوانب الفكر النظرى للبلاغة العربية، أما السؤال الأكثر أهمية فهو:

هل المجاز العربى يتعدى مفهوم التفكير البلاغي؟ أم أنهما يتلاقيان؟ وهل هذا التلاقى يكوِّن أبعادا جمالية جديدة؟ الجرجانى فى بداية كتابه «أسرار البلاغة» يقرر: أن المجاز أعم من الاستعارة؛ والاستعارة تقوم على التشابه وتبادل الأدوار، وهو وجه يحوز معظم التفكير البلاغى العربى، والمجاز فكرة أعم تولد أشكالا بنائية ومعرفية لم يعرفها التفكير العربى القديم، تساؤلات كلها مشروعة ونحن نبحث عن ألوان جديدة من المجاز توسع المدرك الجمالى للإنسان للعربى.

المجاز العربى ومنطق الوجود

لا يقتصر استعمال المجاز فى اللغة العربية على ما يمكن اعتباره لغةً أدبية لا تصلح إلا للنخبة المثقفة، بل يرتبط ارتباطًا كبيرًا بالتفكير الإنسانى فى أبسط صوره، ولكنه ليس التفكير الذى يعد المجاز كذبًا كما جاء فى بعض مفاهيم التراث العربى، وليس المجاز الذى يعد مرادفًا لفكرة المحاكاة كما هى موجودة عند اليونان. لأن المحاكين يحاكون أفعالاً أصحابها هم بالضرورة إما أخياراً أو أشراراً فى فكر أرسطو، وفى هذا التفكير ظلال لأفكار أفلاطون؛ كما تأتى هذه المحاكاة بالوسائل التى يمكن تقليدها، وهى ولا شك بهذا المفهوم تعد أسلوبا بدائيا فى فهم الأدوات البلاغية، فقد كانت نتيجة لحياة مجتمعية طائفية فى معظمها، ولكن التأثير الذى ظهر لهذه النظرية، كان وما زال حتى الآن يعد جزءًا من تفكير عدد من البلاغيين العرب، فالمحاكاة عندهم مرتبطة بالعقل، أو الحس، أو عالم المثل والتخييل، وهى الأفكار الموجودة عند مؤسسيها، وبهذا فإنها تظل تقليدا لأفكار خارجة عن نطاق التفكير الوجودى للإنسان العربى، ولا تزال مرتبطةً بجزء من التفكير النوعى.

ارتبط التفكير البلاغى عند العرب بجزء من الكلام وهو اللفظ، الذى سيطرت ظلاله على تفكيرهم حتى منعهم من تجاوزه، ولا أدرى كيف فهم القدماء كلمة مجاز، وربما كان انشغالهم بالتفرقة بين الحقيقة والمجاز – كما جاء عند معظمهم – وارتباط الحقيقة بالتفكير المنطقى القائم على الاستعمال المادى للكلمة، وارتباط المجاز بالكذب أو التحايل كان السبب فى هذا الفهم، ولأن المجاز عند الكثيرين منهم يعد خروجًا عن الحقيقة الشرعية التى جاء بها القرآن الكريم من وجهة نظرهم، حتى وصل الأمر إلى إنكار البعض فكرة المجاز من أصلها لأنها فكرة من وجهة نظرهم تخرج اللفظ عن غير قرينته التى ارتبط بها، وأنه استعمالُ لفظ فى غير ما وضع له. الفكرة فى هذا السياق أن هناك نوعًا من التفكير الذى ينكر المجاز، أو يعتبره كذبًا، وكان مبثوثًا فى تاريخ التراث اللغوى والبلاغى، بالإضافة إلى أن الذين قبلوا به كانوا يعتبرونه تحويراً فى اللفظ، أو فى أحسن الأحوال تجاوزاً فى الفكرة.

من المفهوم النظرى والتطبيقى واللغوى للمجاز عند القدماء يمكن الوقوف على أهم مظاهر وأسباب التراجع فى البحث البلاغى المعاصر، ومنها أن الفكرة مازالت مرتبطةً عندهم باستعمال اللفظ، ودلالته على المعنى.