حكايتنا اليوم تقع فى المسافة بين نجمتين فى سماء الجمال
نجمتان تألقتا وتوهجتا خارج حدود الزمان والمكان
جمع بينهما الحرف الأول من اسميهما، حرف الـ«چ» فى جيهان وجاكلين
غير أن الزمن أوقف خطاهما عند مفترق العمر
وحملهما بجعبة ثقيلة من مرارة الفقد والوجع
حتى بدا لقاء السعادة بعيد المنال
وبما أن اللقاء نصيب والبقاء قرار
وقد اختارت جيهان وجاكلين.. البقاء!
لا يأتى هذا المقال ليقارن بين جيهان السادات وجاكلين كينيدى بوصفهما زوجتين لرؤساء جمهورية، بل كانتا قوتين ناعمتين تجاوزتا السياسة إلى الوجدان العام، وبوصفهما تجربتين إنسانيتين متفردتين، التقتا على درب الأناقة، واللباقة، ولاسيما المرارة والفقد، فإذا بهما تعبران جدار الصوت بين الشرق والغرب.
فى خلفية أيام التاريخ على مدار ستينيات القرن العشرين او سبعينياته، كان الزمن ـ بين سهرات وحفلات الأناقة واللباقة والألوان الزاهية ـ يمكر ويُعِدّ غدره بصمت..
وما أدراك ما غدر الزمان!
أغمضت عينى واستدعيت صورة جيهان السادات، سيدة مصر الأولى فى مطلع السبعينيات، وتذكرت ملامح راقية وأناقة من نوع خاص وطلة متفردة، تذكرت أيضاً حضوراً اجتماعياً جذاباً وذكياً، وقدرة فائقة على التوازن بين دور الأم والزوجة والمرأة الفاعلة الباهرة للجميع.
فى الحقيقة، كانت السيدة الأولى صاحبة صوت مستقل وخطوات واثقة وشياكة متفردة فى تنسيق ألوان ثيابها، فلم تكن الألوان التى ارتدتها مجرد اختيار جمالي، بل تعبير عن مرحلة تبحث فيها مصر عن «صوره» أكثر انفتاحا نحو عالم متجدد بعد انتصارات أكتوبر 1973.
وفى نصف السماء الغربي، سطع نجم جاكلين كينيدي، سيدة البيت الأبيض الأولى فى مطلع الستينيات، بملامح مختلفة عن جيهان السادات ولكن بروح متقاربة، دخلت التاريخ بثوبها الوردى وقبعتها الأنيقة وابتسامتها الهادئة، كانت تعرف جيدًا كيف تُدار «الصورة» المصدرة، وكيف تتحول الأناقة إلى رسالة، واللباقة إلى القوة الناعمة. لم تكن جاكلين مجرد زوجة رئيس، بل أيقونة خلقت ذوقاً عاماً جديداً لأمريكا، وربطت السياسة بالفن، والسلطة بالجمال.
عزيزى القارئ
فى صباحٍ يوم باريسى ممطر، آثرتُ البقاء فى المنزل، مستسلمة لدفء المكان، أحتسى قهوتى على إيقاع موسيقى الجاز الهادئة وأنظر من خلال النافذة الزجاجية على سُحُب السَماء الرمادية وهى تتجاذب وتتباعد كأنها تلعب «الاستغماية» تلك اللعبة التى كنا نلعبها فى سنوات الطفولة. كان الوقت مناسبًا للتأمل والاستزادة بالمعرفة، فتشجعت لمتابعة بعض الوثائقيات التى تبثّها قناة فرنسية على شاشة التليفزيون. اخترت تلك التى تتناول التاريخ القريب، تاريخ العقود الأخيرة التى عشناها فى مصر، بما تحمله من ثقل الذاكرة والتجربة. وبمحض المصادفة، وقعتُ على وثائقى باللغة الفرنسية يروى مسيرة الرئيس محمد أنور السادات ولحظة اغتياله فى القاهرة، تلك اللحظة التى لم تكن مجرد حدث سياسي، بل كانت مشهداً بصرياً مكثفاً، تطرق له الوثائقى بالتفصيل بل وتوقف امام المحطات المهمة للرئيس السادات، منذ سنوات شبابه وحتى جنازته المهيبة واصدائها التى ما زالت عالقًة فى ذاكرتي..
استَعدت ذلك اليوم البعيد عام 1981 حين كنت أجلس مع أمى أمام التليفزيون لمتابعة مراسم جنازة الرئيس السادات. لا أتذكر تفاصيل كثيرة، فقط صورة وجه أمى الشاحب التى ما زالت حاضرة بقوة فى ذهنى وكأنها الأمس، كما لا أنسى عينيها الغارقتين بالدموع وإحساس الصدمة والرهبة والتحفز الذى خيّم على الأجواء آنذاك، خاصة فى الشوارع المحيطة بمنزلنا فى حى أرض الجولف المتاخم لصرح الجندى المجهول ولمنطقة المنصة حيث مسرح الأحداث.
أتذكر أيضًا حديث أمى المفعم بالفخر عن سيدة مصر الأولى فى ذلك الوقت، السيدة جيهان السادات، وما قالته لى بينما كانت تتابع المشهد: «حتى وأنتِ تبكى يا جيهان لا يفارقكِ الرقي» ثم أضافت وكأنها توجه لها الحديث «تُذكريننى بـ «جاكي» منذ أكثر من عشر سنوات».
فنظرت لأمى وسألتها من هى «جاكي»؟
فردت عليَّ فورا: «جاكي» هى جاكلين كينيدي، من أشهر الشخصيات النسائية فى العالم. وعندما كانت فى منتصف الثلاثينيات من عمرها، تم اغتيال زوجها جون كينيدى سنة 1963 والذى كان رئيس الولايات المتحدة الأمريكية.
فهمهمت وسكت..
مرت السنوات.. ماتت أمى وماتت جيهان السادات وجاكلين كينيدى وبقى الجمال والسيرة العطرة والقيم الإنسانية الراسخة التى نحتذى بها فى حياتنا حتى اليوم.
وبما أن السيرة أطول من العمر، تزاحمت الذكريات فى ذهنى وحَلّق خيالى بعيدًا.. أمسكت بقلمى ووجدت نفسى مندفعة لرسم صورة سيدة ذات جمال طبيعي، جمال ذكى يُضَفر الفِطنة بالعِزة والإباء، عَرِفَت كيف تُقيم نَفسها حيث مقامها.
صورة شكّلها ذهنى بهدوء، من خليط الذكريات ومشاهد الطفولة المتفرقة، ومن بقايا كلمات أمى التى لا تزال ترافقنى صورة تداخلت فيها ملامح الاسمين اللذين استدعيتُهما وأنا أتابع مشهد الجنازة..
أهى صورة جيهان أم جاكلين؟
لكن هذا السؤال لا يأتى من فراغ بصري، ولا من فضول اسمى عابر، بل من ذكرى الكلمات التى نطقت به أمى والتى غالبا ما تركت بصمة عميقة فى وجدانى وأيضا من قراءتى للتاريخ الحديث: جيهان السادات فى الذاكرة البصرية للشرق بوصفها تمثيلًا مختلفًا يربط بين المحلى والعالمي، بين الدور الاجتماعى التقليدى والقوة الناعمة والحداثة والانفتاح المصرى وفى المقابل، تظهر جاكلين كينيدي، كما رسختها الصورة الفوتوغرافية الغربية فى ستينيات القرن العشرين، أيقونة للأناقة المنضبطة، والأنوثة الحالمة داخل خطاب الدولة، والكاميرا، والبروتوكول.. سيدة تُدار صورتها، وتُصاغ بعناية لتخدم سردية الحداثة الأمريكية.
ساقنى شغفى لمعرفة كيف كانت نشأة سيدتين كان الاختلاف عنوانهما وماذا كانت أسلحتهما لتحمل مسؤولية هذا الاختلاف بهذا النجاح الساحق؟ نجاح قادهما إلى قدر الملهمات العابرات للزمن؟
فلنبدأ بجيهان السادات التى كبرت فى بوتقة تتقاطع فيها الثقافات، إذ وُلدت فى القاهرة عام 1933 لأبٍ مصرى وأم إنجليزية، فكانت منذ طفولتها ابنة عالمين لا يفصل بينهما جدار، تشكّل وعيها المبكر بين انفتاح الغرب ودفء الشرق، وازداد هذا الحس بدراستها فى مدارس أجنبية أمدّتها بثقافة واسعة ونظرة إنسانية متوازنة، فغدت نشأتها ركيزة لشخصية واعية، قادرة على التفاعل مع مجتمعها والدفاع عن قضاياه، لا سيما قضايا المرأة والأسرة.
اما جاكلين كينيدى فقد وُلدت عام 1929 وتربّت فى بيئة نخبوية أولت عناية خاصة بالفنون والآداب واللغات، فصقلت ذائقتها الجمالية ووهبتها ثقة هادئة انعكست لاحقًا فى حضورها الآسر. كانت نشأتها فى أحضان الرفاهية الأمريكية أشبه بورشة فنية متكاملة، أعدّتها لتكون رمزًا ثقافيًّا وأيقونة للأناقة، تمارس تأثيرها الناعم من خلال الذوق والرمز لا المواجهة المباشرة.
ورغم تباعد الجغرافيا واختلاف السياقات التاريخية، إلا أن جيهان السادات وجاكلين كينيدى قد التقتا عند حقيقة واحدة تبرهن أن السنوات التأسيسية ليست مجرد بداية، بل هى البذرة الأولى لتطور الإنسان وللدور الذى سيلعبه فى الحياة. فبين تعدد الثقافات الذى أنضج وعى جيهان، والترف الثقافى الذى صاغ حضور جاكلين، تشكّل وجدان سيدتين استطاعتا أن تكتبا اسميهما فى ذاكرة التاريخ، كل بأسلوبه، وكل بلغته الخاصة.
لم تكن جيهان السادات مجرد زوجة لرئيس، بل كانت وجهًا مصريًّا حاضرًا فى المحافل الدولية، تتقن لغة الحوار كما تتقن مهارة وزن الكلمة ورمزية الأداء. جلست إلى موائد السياسة العالمية، والتقت بكبار رؤساء العالم وزعمائه، لا بوصفها ظلًا للسلطة، بل بوصفها صوتًا ناعمًا يعكس صورة مصر الحديثة. وقد ساعدتها نشأتها متعددة الثقافات على أن تكون جسرًا للتفاهم، قادرة على مخاطبة العالم بلغته دون أن تفقد هويتها المصرية.
أما جاكلين كينيدي، فقد دخلت البيت الأبيض وكأنها دخلت مسرح التاريخ، تحيط بها هالة من الرقى والذكاء الصامت. التقت بأكبر قادة العالم فى ذروة الحرب الباردة، وكانت فى لقاءاتها الرسمية وغير الرسمية تمارس دبلوماسية من نوع آخر، دبلوماسية الذوق والثقافة. لم تكن كلماتها كثيرة ولم تكن ابتسامتها عابرة، بل رسالة تحمل فى طياتها الكثير. كانت تمثل أمريكا بصورة حضارية، فى مقابلاتها مع زعماء العالم، تجعل من الثقافة والفن والأدب لغة مشتركة تتجاوز صخب السياسة واختلاف دروبها. وهكذا، وعلى اختلاف الأسلوب والدور، استطاعت كل من جيهان السادات وجاكلين كينيدى أن تحضرا فى دوائر الحكم العالمية حضورًا استثنائيًّا. الأولى جعلت من الحوار وسيلة للتقارب الإنسانى والدفاع عن القضايا الاجتماعية، والثانية حوّلت اللقاءات السياسية إلى مشاهد ثقافية راقية. وبين الاثنتين، يتجلّى نموذج المرأة التى لا تقف على هامش السلطة، بل تترك بصمتها فى قلب التاريخ.
التقت السيدتان فى زمن كانت فيه الكاميرات تلاحق كل حركة، وتُحمل التفاصيل الصغيرة دلالات كبرى. كلتاهما أتقنت فن الظهور العام: المشى الواثق، الابتسامة المحسوبة، والكلمة الموزونة. كانتا تعرفان أن الأناقة ليست ثوبًا فقط، بل سلوك ورسالة سياسية غير مكتوبة.
لكن الزمان، الذى منح الضوء لهاتين الأيقونتين، لم يتردد ـ كما ذكرنا فى المقدمة ـ فى ممارسة غدره..
ففى عام 1963 اغتيل جون كينيدى أمام أعين العالم وتحوّلت جاكلين فى لحظة من أيقونة أناقة إلى أرملة مكلومة، مغطاة بدماء زوجها، تقف ثابتة أمام عدسات لا تَرحم. وبعد سنوات، فى عام 1981 شهدت جيهان السادات المشهد ذاته تقريبًا، حين اغتيل الرئيس محمد أنور السادات فى العرض العسكرى فى أكتوبر، لتنتقل هى الأخرى من منصة الاحتفال إلى صدمة الفقد.
فى تلك اللحظات، سقطت الألوان، وتراجعت الأزياء، وبقى الإنسان مجرداً أمام القدر.
لم تُنقذ الأناقة أحدًا، ولم توقف اللباقة رصاصة، ولم تشفع المكانة أمام عنف التاريخ..
ومع ذلك، فإن ما يبقى فى الذاكرة ليس مشهد الدم وحده، بل قُدرِة هاتين السيدتين على الوقوف بعد الكسر، وعلى تحويل الحزن إلى قوة صامتة والفقد إلى معنى..
الفقد إلى معنى.. نعم!
معنى تمت ترجمته لخدمة المجتمع حتى بعد رحيل الزوج، فراحت جيهان السادات تنشر العلم والمعرفة كمُحاضرة جامعية فى جامعة القاهرة وأستاذ زائر فى الجامعة الأمريكية بالقاهرة، ومحاضرة أيضاً فى جامعة ولاية كارولينا الجنوبية. وبالتوازي، أى ما بين 1970 إلى 1981 كان لجيهان السادات أدوار مهمة فى مشروعات تنظيم الأسرة ودعم الدور السياسى للمرأة حيث قامت بتعديل بعض القوانين على رأسها قانون الأحوال الشخصية الذى لا يزال يعرف فى مصر حتى الآن بقانون جيهان. ولعل فيلم «أريد حلاً» للفنانة فاتن حمامة لأوضح مثال لمساندة سيدة مصر أولى وهنا أود أن أذكر القارئ بأن جيهان السادات كانت أول سيدة أولى فى تاريخ الجمهورية المصرية تخرج إلى دائرة العمل العام.
أما جاكلين كينيدي، فقد تحدثت عن زوجها وعن الفترة التى أمضياها معاً فى البيت الأبيض خلال لقاءاتها بالمؤرخ الأمريكى أرتور شلزنجر خلال ربيع وصيف عام 1964.. تلك الأحاديث التى مضى عليها نحو خمسين عاماً، والتى نشرت فى كتاب يحمل عنوان: «أحاديث تاريخية عن الحياة مع جون كينيدي» بهدف مشاركة المجتمع الأمريكى خبرات حياتها أثناء فترة رئاسة زوجها. وكان من الواضح أن جاكلين كينيدى لا تريد أن تتذكر سوى اللحظات الجميلة مع زوجها إذ قالت: «لقد فعل الكثير من الأشياء الجميلة.. ليته عاش أطول قليلاً» كما كتبت ابنتها كارولين كينيدى فى مقدمة الكتاب «إنه لامتياز كبير تشارك هذه الذكريات مع أولئك الذين يحملون الإعجاب لأهلي. وقد رأت أمّى أنه من الضرورى توثيق ما عرفته فترة إدارة أبي»
وبهذه الروح الكريمة المعطاءة نفسها وفى إطار اهتمام السيدة جيهان السادات أيضاً بنقل تجربتها إلى الشباب، فقامت بكتابه مذكراتها التى نشرت بعنوان «سيدة من مصر» وهى تحتوى على قصص وروايات مختلفة خلال عملها السياسى كقرينة للرئيس السادات وأيضاً، ألقت الضوء على رؤى سياسية خاصة بها تجاه منطقة الشرق الأوسط وفى كتاب آخر وهو «أملى فى السلام» الذى نشر فى عام 2009 قامت بنشر اقتراحات تطرحها من واقع رؤيتها الخاصة للأمور للتوصل إلى سلام منشود وحقيقي.
ومرت الأيام..
أسدل الزمن ستارة على الحكايتين. رحلت جيهان السادات عام 2021 بعد مسيرة ظل فيها حضورها العام ممتدًا، فكان وداعها رسميًّا وشعبيًّا، وتكريمها شاهدًا على أثرها فى الذاكرة المصرية حيث منحت وسام «الكمال» من قبل الرئيس المصرى عبد الفتاح السيسى كما خُلِّد اسمها على أحد المحاور المرورية فى العاصمة.. أما جاكلين كينيدي، فقد سبقتها إلى الرحيل عام 1994، بعد أن اختارت حياة أكثر خصوصية، مبتعدة عن الأضواء التى لاحقتها طويلًا. وبرغم اختلاف نهايتيهما، بقيت صورتهما واحدة فى الذاكرة: امرأتان واجهتا الفقد فى لحظة تاريخية، ثم غادرتا العالم تاركتين خلفهما معنى يتجاوز السياسة، حيث يلتقى الشرق والغرب فى تجربة إنسانية واحدة.!
