انتقلت وزارة الأوقاف من الأداء التقليدى إلى النموذج المؤسسى كيف تُقيمون ذلك؟
يمكن القول بثقة إن العام الماضى 2025 شكّل نقطة تحول حقيقية فى مسار عمل وزارة الأوقاف، ليس فقط من حيث حجم الإنجازات، ولكن من حيث طبيعتها ورؤيتها الشاملة، فقد انتقلت الوزارة خلال هذا العام من الأداء التقليدى إلى نموذج مؤسسى متكامل، يجمع بين الدور الدعوى، والمسئولية الوطنية، والبعد الاجتماعى والإنسانى، ويحرص على التشبيك المؤسسى الفعال مع مؤسسات الدولة والمجتمع المدنى.
فعلى المستوى الدعوى والفكرى، عززت الوزارة جهودها فى تجديد الخطاب الدينى، من خلال خطاب وسطى رشيد، ينطلق من ثوابت الشريعة، ويتفاعل بوعى مع قضايا العصر، فتم تكثيف الندوات الفكرية، والبرامج التوعوية، والقوافل الدعوية، مع التركيز على بناء الوعى، ومواجهة التطرف بجميع صوره، سواء الدينى أو اللادينى، وتصحيح المفاهيم المغلوطة التى تهدد استقرار المجتمع، وإذكاء معانى الجمال والأخلاق فى النفوس بخطاب يقنع ولا يفرض، ويجمع ولا يفرق.
أما فى ملف بناء الإنسان، فقد أولت الوزارة اهتمامًا استثنائيًا بتأهيل الأئمة والدعاة والواعظات، باعتبارهم حجر الزاوية فى نجاح أى مشروع دعوى. وعلى الصعيد المجتمعى، برز الدور الإنسانى للوزارة بوضوح من خلال إطلاق أكبر حزمة دعم اجتماعى ومالى فى تاريخها، شملت الإعانات والقروض الحسنة، إلى جانب برنامج صكوك الأضاحى والإطعام المستمر على مدار العام، وقد استفاد من كل ذلك آلاف العاملين وغير العاملين.
كما حققت الوزارة تقدمًا ملحوظًا فى ملف تمكين المرأة ودعم ذوى الهمم، عبر تفعيل وحدة تكافؤ الفرص، وتنفيذ برامج توعوية بالتعاون مع مؤسسات الدولة، بما أسهم فى ترسيخ ثقافة العدالة والمساواة داخل بيئة العمل.
إلى جانب ذلك، شهد العام الماضى تطورًا فى إدارة وتنمية أموال الوقف، وتحسين آليات الحوكمة، وتعظيم العائد الوقفى لخدمة الأغراض الشرعية والمجتمعية، فضلًا عن خطوات مهمة فى التحول الرقمى وتعزيز الحضور الإعلامى.
وبوجه عام، فإن حصاد العام الماضى يؤكد نجاح وزارة الأوقاف فى أداء دورها كمؤسسة وطنية جامعة.
«صحح مفاهيمك».. هل نجحت المبادرة على أرض الواقع؟ وما خطتكم خلال عام 2026؟
مبادرة «صحح مفاهيمك» تُعد من أنجح المبادرات التقويمية التى أطلقتها الأوقاف خلال السنوات الأخيرة، لأنها انطلقت من تشخيص عميق لجذور الخلل الفكرى، ولم تتعامل مع القضايا من منطلق رد الفعل، بل من منظور استباقى وبنائى.
كما نجحت المبادرة فى تفكيك العديد من المفاهيم المغلوطة التى ترسخت لدى بعض الفئات نتيجة خطابات متشددة أو قراءات مبتورة للنصوص، وقدّمت بديلًا علميًا رصينًا، يجمع بين قوة الدليل الشرعى، ووضوح المقصد، وبساطة الطرح، وتميزت المبادرة بلغة هادئة، وأسلوب حوارى قريب من الناس، ما ساعدها على الوصول إلى قطاعات واسعة، خاصة الشباب.
وقد انعكس أثر المبادرة بوضوح فى خطب الجمعة، والدروس الدينية، والندوات، والمحتوى الرقمى، وأسهمت فى إعادة بناء الثقة فى الخطاب الدينى الوسطى، وترسيخ قيم الانتماء الوطنى، وتصحيح مفاهيم شائكة مثل الجهاد، والمواطنة، وقبول الآخر، ودور المرأة.
وفى العام الحالى 2026، تتجه الوزارة إلى تطوير المبادرة من خلال تعميق بعدها العلمى، والتوسع فى الأدوات الرقمية والمحتوى التفاعلى، وربطها ببرامج تدريب الأئمة والطلاب والشباب، مع تعزيز الشراكات مع المؤسسات التعليمية والإعلامية، بما يضمن استدامة الأثر واتساع نطاقه.
وماذا عن المسابقة العالمية للقرآن الكريم والخطط المستقبلية لتطويرها؟
جاءت النسخة الأخيرة من المسابقة فى أجواء من الإتقان وشاركت فيها مواهب قرآنية من 72 دولة، بإشراف لجنة تحكيم علمية رفيعة المستوى قادمة من 8 دول، لتكون مصر واحةً جامعةً لأهل القرآن من العالم، بالتوازى مع إطلاق برنامج «دولة التلاوة» لاكتشاف ورعاية المواهب المصرية الأصيلة.
كما أن تزامن المسابقة العالمية مع إطلاق برنامج «دولة التلاوة»، يعكس رؤية متكاملة للوزارة تجمع بين البعد الدولى والبعد الوطني؛ فمصر، وهى واحة جامعة لأهل القرآن من العالم، تواصل فى الوقت نفسه رعاية مدرستها القرآنية الأصيلة، وضمان استمرارية عطائها وتأثيرها.
وفيما يتعلق بالخطط المستقبلية، تتجه الوزارة إلى تطوير المسابقة على المستويين الفنى والتعليمى، من خلال توسيع قاعدة المشاركة، وزيادة عدد الدول، واستحداث مسارات جديدة فى القراءات وعلوم القرآن، بما يفتح آفاقًا أوسع للتنافس العلمى المتخصص، كما تعمل على تعزيز الجانب التدريبى المصاحب للمسابقة، عبر تنظيم ورش عمل علمية، وإطلاق منصات رقمية متخصصة فى تعليم التلاوة والقراءات.
والهدف الاستراتيجى للوزارة هو تحويل هذه المسابقة إلى مشروع قرآنى عالمى مستدام، يجعل من مصر مركزًا دوليًا دائمًا لتلاقى أهل القرآن.
«دولة التلاوة» جاء ليملأ فجوة واضحة فى المشهد الإعلامى الدينى ويكتسب خصوصيته كونه إنتاجا مشتركا مع الشركة المتحدة.. كيف تقيّم الوزارة هذا التعاون؟
«دولة التلاوة» من أبرز ما قدمت الوزارة خلال العام الماضى، جذبت انتباه المشاهدين من الأسر المصرية والعربية، لأن البرنامج يدعو فى المقام الأول إلى التذوق الربانى واستشعار الجمال فى الوحى الإلهى، وهو مشروع وطنى بدأ التخطيط له منذ عدة أشهر ويحظى باهتمام الرئيس عبدالفتاح السيسى، ويهدف إلى تجديد الخطاب الدينى والارتقاء بالذوق العام من خلال إعادة مدرسة التلاوة المصرية إلى ريادتها.
شهدت المرحلة الأولى من المسابقة تقدم 14 ألف متسابق من مختلف محافظات مصر، خضعوا لاختبارات، وقد شكلت التصفيات عودة حقيقية لدور المساجد كمنارات لاكتشاف الموهبة القرآنية، وهناك تعاون كبير بين وزارة الأوقاف والشركة المتحدة للخدمات الإعلامية لضمان تحقيق أهداف المشروع وأسهم هذا التعاون المثمر فى ظهور الحلقات بشكل مميز من خلال العروض البصرية الباهرة.
ومسابقة «دولة التلاوة» ظهرت منذ لحظتها الأولى بوصفها مشروعًا وطنيًا، يعيد الاعتبار لريادة مصر التاريخية فى عالم التلاوة القرآنية، ويرسم طريقًا جديدًا لنهضة فنية وروحية طال انتظارها، وأطلقت الوزارة بالتعاون مع الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية، هذه المبادرة، لتكون منصة كبرى لاكتشاف المواهب الأصيلة وصقلها، وإحياء المدرسة المصرية التى ملأت العالم نورًا وبهاءً.
والمسابقة حملت روحًا مختلفة، فهى لا تبحث فقط عن قارئ جديد، بل تعيد إنتاج هوية فنية وروحية صاغها عمالقة التلاوة المصريون الذين أسسوا مدرسة فريدة لا تزال بصمتها حاضرة فى وجدان العالم الإسلامى.
تعزيز الدور المجتمعى للمساجد وتطوير المساجد الأثرية من أبرز ملفات الوزارة.. فما هو المستهدف فى هذا الملف؟
انطلقت الوزارة من رؤية تجعل المسجد مركزًا جامعًا للعبادة وبناء الوعى وخدمة المجتمع، لا مجرد مكان لإقامة الشعائر، وهو ما انعكس فى حزمة متكاملة من السياسات والبرامج العملية.
فعلى صعيد تعزيز الدور المجتمعى للمساجد، عملت الوزارة على تفعيل رسالة المسجد بوصفه منارة علمية وتربوية وثقافية، من خلال تكثيف الدروس العلمية المنتظمة، والملتقيات الفكرية، والندوات التوعوية التى تعالج قضايا الواقع، مثل بناء الوعى الوطنى، وتصحيح المفاهيم المغلوطة، ومواجهة التطرف، وترسيخ القيم الأخلاقية والإنسانية، كما توسعت الوزارة فى إطلاق المبادرات الدعوية الكبرى داخل المساجد، مثل المبادرات الموجهة للشباب والنشء، وبرامج رعاية الطفولة، ودعم الأسرة، إلى جانب الأنشطة القرآنية التى تجمع بين الحفظ والفهم والتدبر.
وشهد أيضًا اهتمامًا خاصًا بربط المسجد بالمجتمع المحيط به، من خلال تحويله إلى مساحة تفاعل إيجابى مع قضايا الناس، عبر القوافل الدعوية والطبية والاجتماعية، والتنسيق مع مؤسسات الدولة المختلفة، بما أسهم فى تعزيز الثقة بين المسجد والمجتمع، وترسيخ صورة المسجد كمصدر طمأنينة واستقرار وبناء وعى.
أما فى ملف تطوير وتحديث المساجد، فقد واصلت الوزارة تنفيذ خطة موسعة لإحلال وتجديد ورفع كفاءة عدد كبير من المساجد على مستوى الجمهورية، مع الالتزام بالضوابط المعمارية والإنشائية التى تضمن سلامة المبانى وراحة المصلين.
كما أولت الوزارة عناية خاصة بالمساجد الأثرية والتاريخية، بالتنسيق مع الجهات المعنية، وعلى رأسها وزارة السياحة والآثار، حيث جرى العمل على ترميم عدد من المساجد الأثرية ورفع كفاءتها مع الحفاظ على طابعها المعمارى والتاريخى الفريد، ولم يقتصر الاهتمام على الجانب الإنشائى فحسب، بل امتد إلى تفعيل الدور العلمى والدعوى لهذه المساجد، باعتبارها شواهد حية على التاريخ الحضارى والدينى لمصر، ومراكز إشعاع ثقافى وروحى يقصدها المصريون والزائرون من مختلف دول العالم.
وتسعى الوزارة خلال العام الحالى إلى استكمال هذا المسار بوتيرة أكثر عمقًا واتساعًا، من خلال تعزيز البرامج التى تكرس الدور الشامل للمسجد فى بناء الوعى، وتوسيع دائرة الأنشطة الموجهة للشباب والأسرة، وربط الخطاب الدينى بقضايا التنمية وبناء الإنسان.
وفى ملف المساجد الأثرية، أيضًا، تخطط الوزارة لمواصلة أعمال الترميم والتطوير إلى جانب توظيف هذه المساجد فى تقديم صورة حضارية عن الإسلام الوسطى المعتدل، وربطها بالمسارات الثقافية والسياحية، بما يعزز القوة الناعمة لمصر، ويؤكد مكانتها التاريخية والدينية.
ما المحاور التى تعمل من خلالها الوزارة على تمكين المرأة وبناء الوعى ضمن خطتها لعام 2026؟
تسعى الوزارة إلى تعزيز دور المرأة فى المجتمع انطلاقًا من رؤية شاملة تجعل المرأة شريكًا أصيلًا فى البناء الدينى والفكرى والاجتماعى، لا مجرد فئة مستهدفة بالخطاب، وذلك ضمن خططها وبرامجها الممتدة إلى عام 2026م، وبما يتسق مع استراتيجية الدولة المصرية لتمكين المرأة وبناء الإنسان.
وتعمل الوزارة على هذا المسار عبر عدة محاور متكاملة؛ فى مقدمتها التمكين العلمى والدعوى، حيث تواصل التوسع فى إعداد وتأهيل الواعظات علميًا وفكريًا وتربويًا، بما يضمن تقديم خطاب دينى رشيد ومتوازن يراعى قضايا المرأة والأسرة والمجتمع، ويواجه الفكر المتطرف الذى يستهدف المرأة أو ينتقص من دورها.
وما خطة عمل الوزارة لإدارة أصول وأراضى الوقف؟
تتعامل الوزارة مع إدارة أصول الوقف من خلال عدة مسارات واضحة تضمن الحفاظ عليها ومنع إهدارها، فلا يوجد بيع للوقف على الإطلاق بحكم القانون، وأى تصرف من هذا النوع يعتبر باطلا ولا يمكن تنفيذه، وتعتبر وزارة الأوقاف ناظرًا للوقف ومسئولة قانونًا عن تطبيق شروط الواقفين وليست مالكة له.
وقد واجهت الوزارة تحديات فى فترات سابقة، خاصة عقب عام 2011، تمثلت فى تعديات على بعض أراضى وعقارات الأوقاف، وهو ما تعمل عليه حاليًا من خلال مراجعة الملفات والسعى لاسترداد الحقوق.
ومن بين مسارات حماية الوقف اللجوء إلى القضاء فى حال وجود منازعات، إلى جانب الاهتمام بـ»حجج الوقف» والمستندات التاريخية التى يعود بعضها إلى مئات السنين، والتى تخضع لأعمال ترميم وصيانة مستمرة.
ومع تولى الدكتور أسامة الأزهرى حقيبة وزارة الأوقاف، تم التوجيه بأن يتولى رئاسة هيئة الأوقاف شخصية ذات عقلية اقتصادية واستثمارية، وهو ما تحقق بتولى الدكتور خالد الطيب، وأسهم هذا التوجه فى تعظيم عوائد الوقف بصورة غير مسبوقة مقارنة بالسنوات الماضية.