لا أدعى أننى عرفته قبل سنة 1952.. فمعرفتى به حديثة... وما هذا التحليل الذى أحاوله إلا تحليل صحفى فقط، فارق السن بين سيادته وبينى كبير.. وربما كان الفارق كبيراً - أيضاً - فيما عدا ذلك، فلم تجمع بينى وبينه فى حياتى المضطربة ندوة واحدة، ولا مجلس أنس واحد، ولا حزب واحد، ولا حانة واحدة ولا ناد واحد.. الشاب العجيب رجل تقى صالح مستقيم.. وأنا - مع الأسف - غير ذلك! ولهذا عز اللقاء وما يتمخض عنه اللقاء.
ربما
ربما كان ذلك هو الشاب الملتهب الذى زارنى مع الضابط الكبير محمود لبيب، أذكر - كذكرى الأحلام - أنهما حضرا وكلمانى فى السعى لدى وزارة الداخلية للحصول على مائتى بندقية، لتدريب الشباب على السلاح! ربما.. ربما كان ذلك صحيحاً.. وربما كان غير صحيح.
فراستى
كنت فى جنيف يوم قامت الثورة، وأسرع بالعودة متخيلاً - كغيرى - أننى سآخذ مكانى منها وفيها، أسوة بما جال فى خاطر الكثيرين.. وكان على أن أقابل أقطاب الثورة من الشباب محدودى العدد.
واجتمعت بأكثرهم مرة وأخرى وثالثة ورابعة فى نادى الضباط، وفى مينا هاوس فى غرفة مقفلة.. أيام كانوا يتخفون وراء نظاراتهم السوداء.. وكنا نتبادل الرأى فى الدستور وموعد الانتخابات وهيئة التحرير.. إلى غير ذلك من الشئون، إذا لم يكن هناك برنامج.. وكان العمل يجرى بالقطاعى.
قابلت معظم أفراد الفرقة الأولى الثائرة، ما عدا جمال عبدالناصر .
لماذا؟.. لا أدري.. ولكنى كنت ألمحه فى مبنى القيادة، وأنا أقابل غيره.. وعينى قصيرة النظر، ولكنها نفاذة حادة عندما أقترب من الأشخاص.. فلم أتردد - إذ ذاك - من أن أقول لزملائي: إنه لغز
ولمحه معى أثناء موكب فى الإسكندرية صديق ألمانى - هر جروبن - فقال لي: «إن نظرات هذا الضابط وراءها، وأمامها، شىء كثير.
وقد كان..
فلم تخطئ فراستي، ولا فراسة الألماني.
صبر طويل ثم انقضاض.
هذا ما أجمع عليه زملاؤه الثائرون معه من «التيم» الأول.
أما أنا فأذكر حادثة تؤكد وتؤيد هذا العنوان.
فى السنة التالية - 1953 - بعد عودتى من أوروبا، زارنى أحد أصدقائى وقال لي: «إن جمال يود أن تتناول عنده فى بيته فنجان قهوة».
قلت: وهو كذلك.
وذهبت فى الميعاد المحدد، فوجدت فى صالونه الصغير المتواضع عدداً من أعضاء مجلس قيادة الثورة، وبعض زعماء الأحزاب السياسية، وكان موضوع البحث هو مشروع اتفاقية مع الإنجليز بعد مفاوضة طويلة.
وكانت نقطة الضعف ربط تحريك القاعدة، إذا هوجمت تركيا.. وانتهى البحث على ما انتهى إليه.
ليس هذا هو المهم.. إنما المهم أننى كنت بجواره.. فوكزنى بركبته وقال لي: «ما تقول لنا يا سيدى شوية على «الحياد اللى دوشتنا به» والعبارة تهكمية كما ترى، ولكنى تدفقت، وأفضت فى تأييد سياسة الحياد التى دعوت إليها من سنين، وعانيت بسببها الكثير.. تكلمت زهاء نصف الساعة، وهو ساكت لا تبدو على ملامحه الثابتة علامات استحسان أو استهجان.
واندفع أحد الموجودين فحمل على وعلى حيادى حملة شعواء، وجمال صامت لا يتكلم! وانتهت المناقشة على لا شيء.. وهو لا يتكلم.
وبعد ذلك.
بعد ذلك بأكثر من عامين.. أطلق قنبلة: «الحياد» فدوت دويها فى العالم بأسره.
هو «مبيت» من الطراز الأول هكذا قالوا عن «تبييته» للثورة، و«تبييته» لصفقة الأسلحة التشيكوسلوفاكية، و«تبييته» لتأميم القناة، و«تبييته» للدستور والاتحاد القومي، و«تبييتاته» الكثيرة التى لا أستطيع سردها فى هذا الإيجاز
إنما أذكر - فقط - ما اتصل بي.
وبعد «التبييت» وطول الصبر، وطول التفكير يحدث: «الانقضاض».
الكتمان
تسألني: ما هو أعجب ما فى هذه الثورة وهؤلاء الثائرين؟
فأقول لك بدون تردد: الكتمان.
ولا أدرى من يناجى هذا الرجل؟
ومن يقضى إليه؟ ومن يستشيره؟
هل تعرفون أنتم؟
إننى أتخيله يكتم على نفسه مشروعاته، حتى يحين حينها.. وسنتكلم عن ذلك الحين، بعد حين
وفى مقابلة ثانية معه - فى منزله أيضاً - كنت عائداً من لندن، قلت له:
ياسيدي: يشكون فى الخارج من أنهم لا يعرفون شئون الدولة.. وربما عرفوها من الأجانب.. والإنجليز فى سياستهم الخارجية يخطرون السفراء والوزراء المفوضين، وحتى القناصل.. فى كل ما يجد وما يعد ليكونوا على قدم الاستعداد عندما يدعوهم الواجب للعمل.
فابتسم وقال: هذا صحيح.. وهذا واجب.. ولكنا «ثورة» لم تنتظم حكومة بجميع مقوماتها بعد.. ثم نحن محفوفون بالأعداء، وأبوابنا الداخلية والخارجية غير محكمة الإقفال، وبرقياتنا وشفراتنا وتليفوناتنا، لم تستقر على حال من الحصانة والمناعة.. وأؤكد لك أننا لو لم نتكتم الاتفاق العسكرى مع سوريا لما نجح! وإننا لو لم نتكتم صفقة الأسلحة لما نجحت.. عندما نتحرر تحرراً كاملاً ونستقر على أمتن الأسس، اطلب منى هذه المثاليات!
مفاجئ!
أقولها بدون تردد: هو هاو من هواة المفاجأة.. وقد قيل لى إنها غريزة كل دكتاتور.. ولكنه.. يمقت كل المقت أن يقال عنه إنه «دكتاتور»!
ففى مقابلة ثالثة ألح على فى أن أنفى عنه هذا اللقب! بل قال لى بأعلى صوته - وقليلاً جداً ما يعلو صوته - .. «اكتب.. إننى لا أصلح أن أكون دكتاتوراً..»
وقد كتبت ما أملاني.. وظل الناس - من يومها - فى دهشة: إذن ماذا يكون هو؟
لم أعرف كيف أجاوب!..
على أن هذا ليس هو الموضوع.. هذه النبذة موضوعها إنه: مفاجئ!
إعلان الحياد الإيجابى مفاجأة، صفقة الأسلحة مفاجأة، تأميم شركة القنال مفاجأة، الغواصات الروسية مفاجأة، الاتفاقات العسكرية العربية مفاجأة.. إلى آخر ما تعرفه وأعرفه عن مفاجآت تنشر أو لا تنشر.. والمفاجأة مصلحة وطنية كما قدمنا، ثم هى لذيذة مثيرة.. والمفاجأة فى السياسة ألذ وأمتع من المفاجأة فى المسرح والسينما وغيرهما.. ولكنها فن! والمفاجئ فنان.. فى القصة، وفى الخطبة، وفى الاختراع، وفى السياسة أيضاً.
مؤقت
وكما هو مفاجئ من الطراز الأول، وصبور من الطراز الأول، و«مبيت» من الطراز الأول، فهو مؤقت من الطراز الأول!
توقيت أحداثه، وغزواته، وانقضاضاته، وتصريحاته، وإعلاناته، ودعاياته.. كلها تفد فى أنسب الظروف والأوقات، بل فى أنسب الدقائق والثوانى واللحظات.
وخذ على سبيل الأمثلة المثل الأكبر والأعتى وهو توقيت الثورة فى الظرف المناسب المضبوط الذى حدثت فيه الارتباكات الوزارية المتتابعة المتلاحقة، وفى الظرف المناسب الذى ضج فيه الأهلون من سياسة الوفاق، بين الرأى والحكومة، وفى الظرف المناسب الذى كانت فيه الحكومة «تصيف» فى الإسكندرية، ويد السراى ويدها غير قابضتين على زمام الجيش، والبوليس والحرس بين العاصمتين!..
خذ مثلاً آخر: صفقة الأسلحة!.. ومثلاً ثالثاً: تأميم شركة القنال! ومثلاً رابعاً: نسف القاعدة الإنجليزية فى القنال بعد العدوان، وأقصد بالنسف إلغاء الاتفاقية المحددة بسبع سنوات، وكانت مأخذاً من مآخذ المتطرفين.. إلى غير ذلك من الأمثلة العديدة، التى وفق «توقيته» فيها كل التوفيق.
أنت تلاحظ أن مفاجآته تتسق مع توقيتاته وهو إذ يلمح أن الرأى العام يساوره القلق من شىء أو أشياء، يبادر فيشغل الرأى العام بسلسلة عديدة الحلقات من مفاجآت أو مشروعات أو «ملهيات» ينثرها نثراً، أو يزج بها زجاً فى الوقت المناسب، ليتكلم عنها الناس فى الحاضر، فتنسدل الستارة حتى على الماضى القريب!.
قلت له ذات مرة عقب الأحكام الصادرة ضد الإخوان ، لافتًا نظره إلى أنها حديث الناس فقال لي:
- هنا مسئولية الحاكم المعذب المعلقة فى عنقه! أنا بين قلبى وبين واجبي!.. الله يعلم أننى تألمت أشد الألم.. ولكن واجب الحاكم الأهم، يرتطم بعاطفة الألم!
قلت: لقد وقع ما وقع فالبدار بما يحول الناس عن «أحكام الإخوان» فى أوانه.
قال:لقد أعددت العدة، وعندى الكثير!..
وفد وفد الكثير.. وكله مثير..
أدب جم!..
أدبه عجيب، فلم أره مرة واحدة هائجاً مائجاً، مرغباً مزبداً.. أو إذا كان كذلك فلم ألحظ مرة أن لسانه شط أو سمح بلفظ غير مقبول أو غير معسول!
ذلك سر يحتكره.. حتى خصومه الذين قابلوه فى أحرج وأعنف الأزمات من سفراء وصحفيين أجانب، خرجوا من حديثه الطويل أو القصير وهم دهشون من أدبه الجم! وقد يقرر الصاعقة، ولكن فى عبارة مهذبة هادئة رزينة، مشفوعة بابتسامة عذبة رفيقة!
قلب من حديد!..
الذى عرفته باتصالاتي.. والذى تكلم عنه زملاؤه العارفون، يثبت أن شجاعته فائقة عند الخطر وعند الحرج، وأنه يملك قلباً من حديد! وأنه حين يحس الخطر وقد أحاق به أكثر من مرة، يتحول إلى قطعة صخر، أو كتلة من حديد لا تعبأ بالنتائج!
قال لى ذات مرة :إننى أعلم تمام العلم أنه يجب على دائماً أن أضع رأسى على كفي، ولهذا أعترف بالقدر فى كل لحظة، ولا أهاب إلا الله!
وكثيراً ما انتقدنا فى مجالسنا شجاعته ومغامراته، وظنناها طارئة!.. ولكن تبين لنا بعد ذلك أنها كانت مقدرة، وأنه كان ينجو من أحداثه ومعاركه بشجاعته، أكثر مما ينجو بحكمته!.
روح سياسية رياضية!..
أغلب الظن أنه يقبل النقد والمعارضة تحت شرط أن يكون الناقد أو المعارض بريئاً نزيهاً «سليماً» كما يقول.
نقدت وعارضت اتفاقية السودان، ونقدت وعارضت الاتفاقية المعربة الإنجليزية، ونقدت وعارضت الدستور بمذكرة كتابية عقب مناقشة طويلة فى القناطر الخيرية.. فلم ألمح أن الرجل قد تغير على أو غضب!.
ولعله سمع عنى فى مجالس الخاصة بعض النقادات والمعارضات! فلم يتغير ولم يغضب!
قالوا إنه يختزن! وأنا أوكد أن ذلك غير صحيح، وإنه لولا التحريات والاستعلامات والتقارير التى تتكدس على مكتبه، ما فكر فى اتخاذ أى إجراء، حتى ولو كان ضد سيئ النية، ممن لا يؤيدون خطته على طول الخط!
هذا الرجل واسع السلطة، وواسع النفوذ، يحب رغم سلطته ونفوذه أن يقدر آراء المختصين الذين حوله، والذين يحملونه المسئولية عن شخصه ووطنه، إذا أصابهما سوء، ولعله فى كثير من الأحيان يطيع وهو كاره!
وبعد: تنتهى مرحلة الثورة وتجىء مرحلة «مجلس الأمة» وتصحح الأوضاع، على قدر المستطاع.
والتوفيق فى نظرنا يتلخص فى هذه البنود: أولاً: العمل على أن يثبت «مجلس الأمة» وجوده واحترامه.
ثانياً: تحقيق الجهاد الداخلى والاجتماعى والاقتصادى بعد الجهاد الخارجى العنيف.
ثالثاً: مراجعة وتعديل وتخفيف بعض القرارات التى استلزمتها الثورة فى بداية أمرها لحماية نفسها.. ورئيس الجمهورية يملك فى اختصاصات تسامحه سلطة تضميد الجروح وهو بها أعلم، وقد يجد سيادته فى ماضى المجروحين من جهاد وطني، ما يبرر هذه المراجعة، وهذا التعديل.
وفى هذا القدر كفاية.. فقد تجاوزت حدى!.
