وعلى مدار السنوات، مرت هذه العلاقات بمراحل وتحولات متعددة، قبل أن تشهد انطلاقة جديدة نحو آفاق أوسع مع عودة مصر إلى مكانتها الريادية فى القارة عقب تولى الرئيس عبدالفتاح السيسى مقاليد الحكم، ومن هذا المنطلق فإن هذا التحقيق يتناول مسيرة تطور العلاقات المصرية - الإفريقية منذ عهد جمال عبدالناصر، وحتى عهد الرئيس السيسى.
وأكد الخبير الاستراتيجى، اللواء طيار دكتور هشام الحلبى، مستشار الأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية، أن الدولة المصرية أدركت مبكرا أهمية إفريقيا سواء على مستوى تاريخى أو جغرافى، لذلك كان البعد الإفريقى أحد أهم الابعاد التى كانت تأتى ضمن أولويات رؤساء مصر على مر العصور، وأوضح أن مصر كان لها دور رئيسى ومشاركة فاعلة خلال تأسيس منظمة الوحدة الإفريقية التى سبقت تأسيس الاتحاد الإفريقى، فضلًا عن دعم الدولة المصرية بعد قيام ثورة يوليو 1952 لكافة حركات التحرر من الاستعمار فى الدول الإفريقية، حيث كان النموذج المصرى لثورة 1952 ملهمًا لها.
وأشار إلى أنه لا يزال اسم الزعيم الراحل جمال عبدالناصر مخلدًا فى كثير من دول القارة السمراء فى العديد من المشروعات كالمستشفيات والطرق والمحاور، منوها بأن الدولة المصرية تمتلك العديد من وسائل القوى الناعمة التى أثرت فى كثير من شعوب القارة، سواء من خلال التعليم أو من خلال المؤسسات الدينية كالأزهر والكنيسة، أو المشاركة الفاعلة عبر العديد من التجمعات الإفريقية، وخاصة التى تجمع دول حوض النيل مثل» الاندوجو» والذى أنشئ بمبادرة مصرية.
«الحلبى»، لفت إلى أن العلاقات المصرية الإفريقية لم تكن على وتيرة واحدة منتظمة طوال السنوات الماضية، ولكنها وصلت لأوجها خلال فترة عبدالناصر، بينما شهدت تراجعًا خلال فترات أخرى متلاحقة نظرا لانشغال الدولة المصرية فى العديد من الحروب خلال تلك الحقبة، مبينا أن العلاقات المصرية الإفريقية إبان ثورة 30 يونيو شهدت العديد من القفزات المهمة مع مختلف دول القارة، مستشهدا بمؤتمر المناخ وتسليط مصر الضوء على التأثير السلبى للتغيرات المناخية على القارة الإفريقية.
كما أوضح، أن العلاقات المصرية الإفريقية شهدت طفرة على مستوى التعاون العسكرى وهو ما تجلّى خلال التدريبات المشتركة التى أُجريت مع العديد من الدول الإفريقية، كما أدركت مصر ضرورة تعزيز العمل العسكرى مع مختلف دول القارة، فعلى سبيل المثال أدركت مصر أهمية إبرام اتفاقيات تعاون عسكرى مصرى مع دولة الصومال والجيش الصومالى تحت مظلة الاتحاد الإفريقى، خاصة مع ما تشهده المنطقة من تحديات.
ولفت «الحلبى»، إلى أنه منذ تولى الرئيس السيسى الحكم واستمرت العلاقات المصرية الإفريقية على بعض الثوابت الخاصة بالنهج الناصرى مثل العمل على تقوية مؤسسات الدول الإفريقية، وعدم التدخل فى الشئون الداخلية للدول الإفريقية، ودعم استقرار الدول ووحدتها والوقوف على خط واحد مع كافة الأعراق والأجناس الإفريقية دون الانحياز لفصيل ضدّ آخر، وكذا العمل على رفع مستوى الجيوش الإفريقية من خلال التدريبات المشتركة، والعمل أيضا على مواجهة عدد من التحديات التى تواجهها دول القارة السمراء عبر الحوار والمبادرات مثل مبادرة «إسكات البنادق»، والتعاون المصرى مع تجمع دول الساحل والصحراء عبر تدشين مركز الساحل والصحراء لمكافحة الإرهاب والذى يقع مقره داخل مصر، وشهد هذا المركز انعقاد أكثر من لقاء على مستوى قادة الجيوش لتجمع دول الساحل والصحراء.
الدعم والمساندة
وسلّط «الحلبى» الضوء على أن مصر بذلت العديد من المساعى الحثيثة من أجل توحيد شعوب الدول الإفريقية ودرء الفتن والفرقة، كما هو الحال فى الدور المصرى الداعم المساند للأشقاء فى ليبيا من خلال دعم توحيد الجيش الليبى والوقوف على خط واحد بين مؤسسات الدولة ومكوناتها.
وعن التعاطى مع التحديات والإرهاب والجريمة العابرة للحدود، أشار «الحلبى» إلى أن الدولة المصرية تمكنت من تأمين حدودها الأربعة بنجاح خاصة فى ظل السيولة المتزايدة فى التحركات الإرهابية داخل القارة وفى المنطقة، نتيجة للأوضاع غير المستقرة فى العديد من الدول، ما استلزم أن تضع الدولة المصرية قضية تأمين الحدود كأولوية وضرورة قصوى، فضلا عن التعاون على المستوى الأمنى والمعلوماتى مع دول القارة من أجل مكافحة الجرائم العابرة للحدود، فضلا عن العمل على تجفيف منابع الإرهاب، مؤكدا أن القيادة السياسية لا تألو جهدًا فى طرح التحديات والمشاكل التى تعانى منها القارة السمراء على طاولة الحوار الدولى فى كافة المنظمات والمحافل الدولية المختلفة، بل وتشدد مصر دائما على ضرورة التوصل لحلول للتحديات التى تواجه القارة بأيدٍ إفريقية من أجل دعم السيادة للدول الإفريقية.
وأضاف «الحلبى» أن القوات المسلحة المصرية تعمل على تأهيل الأشقاء من الدول الإفريقية من خلال نقل الخبرات المصرية فى المجالات العسكرية المختلفة ومكافحة الإرهاب، مضيفا أن الدولة المصرية لا تدخر جهدًا فى دعم ومساندة الشعوب الإفريقية خلال الأزمات، فنجد أنها تفتح ذراعيها لاستضافة الأشقاء من مختلف الدول خلال الأزمات التى يتعرضون لها، منوها بأن أبرز مثال على ذلك استضافة الأشقاء من دولة السودان عقب الأزمة الأخيرة، وتتعامل الدولة معهم بمعاملة المواطن المصرى، رغم من ما تحمله مصر من أعباء.
جذور تاريخية
من جانبه، أكد السفير الدكتور صلاح حليمة، مساعد وزير الخارجية الأسبق ونائب رئيس المجلس المصرى للشئون الإفريقية، أن العلاقات المصرية الإفريقية تمتد بجذورها إلى عمق التاريخ، وقد بدأت ملامحها الحديثة فى التبلور مع تولى الرئيس الراحل عبدالناصر قيادة الدولة، مبينا أن ناصر نجح فى بناء روابط وثيقة مع عدد كبير من الدول الإفريقية التى كانت لا تزال تحت وطأة الاستعمار، مؤكدا أن مصر لعبت دورا محوريا فى دعم حركات التحرر الإفريقية، سواء على الصعيد السياسى أو المادى، منوها بأن القاهرة احتضنت فى تلك الفترة مكاتب لحركات التحرير الإفريقية، إلى جانب تأسيس الجمعية المصرية الإفريقية التى لا تزال قائمة حتى يومنا هذا، فى دلالة واضحة على عمق واستمرارية هذه العلاقات.
وأشار «حليمة» إلى أن الدور المصرى فى إفريقيا خلال فترة حكم عبدالناصر كان متعلقا بالجانب السياسى ثم تطور إلى أن أصبح فى إطار اقتصادى، ونتذكر شركة النصر للاستيراد والتصدير ودورها الكبير فى المجال الاقتصادى والسياسى داخل دول القارة الإفريقية وتطورت الأمور بعد ذلك، حيث أسهم الرئيس جمال عبدالناصر فى إنشاء منظمة الوحدة الإفريقية، فضلا عن انتهاج مصر سياسة الحياد الإيجابى وعدم الانحياز مع بعض القادة الأفارقة المشهورين فى ذلك الوقت، مثل رئيس وزراء غانا كوامى نكروما، والرئيس الإثيوبى هيلا سيلاسي.
وأوضح أن تطور هذه العلاقات كان أمرا طبيعيا، لا سيّما مع التحول المؤسسى من منظمة الوحدة الإفريقية إلى الاتحاد الإفريقى، وهو ما شهد مشاركة فاعلة من الرؤساء المصريين السابقين، وفى الوقت الراهن، يتسم الحضور المصرى فى القارة الإفريقية بالقوة والفاعلية خلال عهد الرئيس عبدالفتاح السيسى، حيث يرتكز الدور المصرى على عدة محاور رئيسية، تشمل البعدين الأمنى والعسكرى، والدورين السياسى والدبلوماسى، إلى جانب المحور التجارى والاقتصادى والاستثمارى، فضلا عن البعد الاجتماعى الذى يضم مجالات مختلفة، بما يعكس رؤية شاملة لتعزيز التعاون مع دول القارة.
وشدد مساعد وزير الخارجية الأسبق، على أن العلاقات بين مصر وإفريقيا فى هذا الإطار تقوم على أساس شراكة استراتيجية أساسها التعاون الاستراتيجى سواء فى الإطار الثنائى مع كل دول القارة، أو فى المجال المتعدد عبر الاتحاد الإفريقى أو المجموعات الاقتصادية الخمس، فضلا عن دور مصر فى ملف النيباد (NEPAD)، أو «الشراكة الجديدة لتنمية إفريقيا»، الذراع التنموية الرسمية للاتحاد الإفريقى، والتى تهدف إلى صياغة رؤية استراتيجية شاملة لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية فى القارة السمراء والقضاء على الفقر.
وأشار إلى أن مصر لعبت دورا محوريا فى إنشاء منطقة التجارة الحرة الإفريقية وتفعيلها بشكل عملى، وأسهمت باستثمارات كبيرة فى مجال البنية التحتية للعديد من الدول الإفريقية، كما لعبت دورا محوريا فى مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة والاتجار بالبشر والنازحين واللاجئين والهجرة غير الشرعية، ولمصر إسهامات كبيرة فى هذا الصدد عبر قوات حفظ السلام المنتشرة فى بعض دول القارة.
أما فيما يتعلق بالمحور الاجتماعى، فقد أكد «حليمة» أن مصر تسهم بدور إيجابى وبناء فى هذا المحور، مستشهدا بما تم خلال جائحة كورونا والتغيرات المناخية وكذا ملفات الأمن الغذائى والأمن المائى وملف الطاقة، فضلا عن تطورات الأوضاع فى السودان والصومال، والأمن القومى المصرى فى منطقة البحر الأحمر والقرن الإفريقى، مضيفا أن مصر كان لها إسهام كبير فى إنشاء منظمة الدول العربية والإفريقية المتشاطئة على البحر الأحمر والتى تضم الثمانى دول المتشاطئة واستبعاد إسرائيل منها.
حكمة سياسية
وأشار السفير «حليمة»، إلى أن العلاقات المصرية الإفريقية شهدت تقلبات نتيجة ظروف سياسية لبعض الدول الإفريقية، إلا أن الدولة المصرية تعاملت مع هذه المتغيرات بحكمة سياسية ورؤية متزنة، تقوم على الموضوعية والسعى الدائم لتسوية الخلافات بالطرق السلمية، مع الالتزام الكامل بالمواثيق والاتفاقيات الدولية ذات الصلة، موضحا أن مصر ما زالت حريصة على احترام وتنفيذ القواعد القانونية الدولية، وتسعى إلى التوصل لحل عادل عبر الوسائل السلمية، سواء بالاستناد إلى أحكام القانون الدولى، ولا سيما المواد الخامسة والسادسة والسابعة التى تنصّ على الاستخدام المنصف والمعقول للموارد المائية، وتجنب إحداث ضرر جسيم، فضلا عن تأكيد أن النيل نهر دولى يخضع لمبدأ السيادة المشتركة وليس الانفرادية.
