رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

السد العالى.. هرم الإرادة المصرية


15-1-2026 | 16:03

.

طباعة
بقلـم: محمد الشافعى

تؤكد حقائق التاريخ.. أن مصر هبة البنائين.. ويشهد على ذلك آلاف البنايات العملاقة.. التى استطاعت أن تبهر الإنسانية.. ومازالت قادرة على تأكيد هذا الإبهار.. بداية من الأهرامات بمختلف أشكالها وأنواعها، ويأتى على قمتها أهرامات الجيزة الثلاثة، ومروراً بمئات المعابد والتماثيل العملاقة المنتشرة بطول مصر وعرضها، وانتهاءً بمشروع السد العالى.. ذلك المشروع الذى ينفرد بين كل البنايات العملاقة التى شيدها المصريون، بأنه مشروع الناس وللناس.. يؤتى ثماره لكل المصريين.. من حلايب وشلاتين وأسوان.. إلى مرسى مطروح والسلوم.. وإذا كان المصريون قد عملوا على تقديس النيل.. وأطلقوا عليه اسم (حابي).. فالسد العالى يستحق هو الآخر كل آيات التقدير والامتنان.. فهو (الحامي) الذى غرس الأمان فى وجدان المصريين ونزع من قلوبهم الخوف.. بعد أن عاشوا آلاف السنين بين فكى الفيضان والجفاف.. الفيضان الذى يدمر بيوتهم وحقولهم.. يقتل أطفالهم وشيوخهم.. ويتركهم فى كهوف الرعب والحرمان.. والجفاف.. الذى يقتل أراضيهم.. ويئد مزروعاتهم ويدفع بهم إلى ظلمات الفاقة والجوع.. وجاء السد العالى ليعمل على ترويض الفيضان ويمسك بلجامه.. ليصبح أمناً وسلاماً ورسول خير وبركة.. كما استطاع أن يخلع أنياب الجفاف.. وأنه يجعله مجرد ذكرى فى تراث وحكايات الأجداد.

 

 

وقد كان السد العالى حلماً توارثه المصريون جيلاً بعد جيل.. ولكنه اصطدم طوال الوقت بكثير من العقبات والصخور.. إما غياب الفكرة العملية والباهرة فى ذات الوقت.. وإما فى غياب إرادة الفعل والتنفيذ.. وإما فى غياب الإمكانات والتمويل.

واستسلم المصريون لأقدارهم.. إلى أن ظهرت إلى النور فكرة سد أسوان مع بداية القرن العشرين.. ورغم أن مصر كانت تعانى من ويلات الاحتلال الإنجليزى.. الذى جثم على صدور المصريين منذ عام 1882.. إلا أن هذا الاحتلال كان فى أشد الاحتياج لتوفير مياه الفيضان.. ليتوسع فى زراعة القطن طويل التيلة الذى تتميز به مصر، وذلك لتشغيل مصانعه فى إنجلترا، وتم الانتهاء من المرحلة الأولى لسد أسوان عام 1902.. ثم المرحلة الثانية 1912.. ثم المرحلة الثالثة 1932.. ورغم كل هذا ظل المصريون يعانون من ويلات الفيضان والجفاف.. إلى أن ظهر فجر ثورة يوليو 1952 بقيادة الزعيم الراحل جمال عبدالناصر.. حيث أكدت تلك الثورات حتمية إحداث تغييرات جذرية سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وثقافياً.

جاءت ثورة يوليو 1952.. ومعها مشروع عملاق للنهضة والتنمية والعدالة الاجتماعية.. وقد ظهرت براعم هذا المشروع العملاق فى الأهداف الستة للثورة، ويحسب لقائد الثورة وزعيمها جمال عبدالناصر أن بوصلته كانت متجهة بشكل دائم ودائب إلى مصلحة الشعب.. فالغالبية العظمى من إنجازاته الكبرى لم تكن من بنات أفكاره.. مثل تأميم قناة السويس - مجانية التعليم - السد العالى.. إلخ.. فعندما وجد أن تلك المشروعات ستخدم المصريين وترفع الأعباء عن كاهلهم.. وتحقق لهم النهضة والتقدم.. بادر إلى تنفيذها.. فتأميم قناة السويس فكرة (د. مصطفى الحفناوي).. ومجانية التعليم فكرة (د. طه حسين).. والسد العالى فكرة المهندس اليونانى المصرى (أدريان دانينوس).. وقد كان جمال عبدالناصر مثقفاً رفيع الثقافة.. كثير القراءة.. ولذلك بادر إلى التقليب فى (أضابير) مجلس الوزراء.. بعد أيام قليلة من نجاح الثورة فوجد أوراق المشروعين العملاقين تأميم قناة السويس وبناء السد العالى.. وعلى الفور طلب مقابلة (د. مصطفى الحفناوي) واستمع منه إلى كل التفاصيل عن قناة السويس.. ومدى قانونية تأميمها.. وعندما اقتنع بالفكرة قال (يا دكتور مصطفى أخرج الإنجليز من مصر وبعدها نعلن تأميم القناة).

وطلب عبدالناصر مقابلة المهندس أدريان دانينوس واستمع منه إلى كل تفاصيل مشروعه لبناء السد العالى.. واقتنع تماماً بالفكرة.. ولم تكن إمكانيات مصر الاقتصادية فى ذلك الوقت تمتلك القدرة على تمويل بناء السد العالى.. ولذلك قرر عبدالناصر طرح المشروع على كل الدول المتقدمة والمؤسسات الدولية.. وأكدت كل تلك الدول والمؤسسات على جدوى هذا المشروع وقدرته على سداد أى أموال يتم صرفها على تمويله.. وجاءت عروض كثيرة إلى مصر تمت دراستها.. واستقر الأمر على اختيار العرض المقدم من أمريكا وإنجلترا والبنك الدولى.. ومع الوقت اكتشف عبدالناصر أن ذلك التمويل مرهون بالعديد من الشروط التى تتعارض مع السيادة المصرية والكرامة الوطنية.. وقد ظهرت هذه الشروط تباعاً بعد أن استطاع ذلك القائد الشاب كسر احتكار السلاح بـ (صفقة الأسلحة التشيكية).. وبعد هذه الصفقة ظهرت النيات السيئة، حيث جاءت المطالبات بضرورة عمل صلح مع الكيان الصهيونى.. والأهم ضرورة مراقبة الاقتصاد المصرى.. بحجة ضمان سداد قروض التمويل. وكان عبدالناصر قد نجح فى توقيع اتفاقية الجلاء مع الإنجليز فى أكتوبر 1954.. على أن يخرج آخر جندى إنجليزى من مصر فى 18 يونيو 1956.. فقال تعليقاً على تلك الشروط (يعنى إحنا بنتخلص من الاحتلال العسكرى عشان نجيب الاحتلال الاقتصادى).. وأعلن رفضه القاطع لتلك الشروط المجحفة.. التى تتنافى مع السيادة والكرامة الوطنية.. فأعلن ممولو السد العالى (أمريكا - إنجلترا - البنك الدولي) الانسحاب من تمويل المشروع.. وكان آخر المنسحبين فى يوم 20 يوليو 1956.. وتصور الاستعمار القديم والجديد أن مصر ستطلب العفو والسماح وترضخ لتلك الشروط المجحفة.. ولكن العالم كله فوجئ بتلك الصفعة المدوية التى وجهها عبدالناصر لكل القوى الاستعمارية.. عندما أعلن تأميم قناة السويس فى 26 يوليو 1956.. أى بعد ستة أيام فقط من سحبهم عرض التمويل.. وانقلب العالم رأساً على عقب.. وذهب الإنجليز والفرنسيون إلى الأمم المتحدة ومجلس الأمن ليكتشفوا حق مصر فى تأميم القناة الموجودة على أرضها.. التى حفرها أبناؤها واستشهد عشرات الآلاف منهم تحت سياط الآفاق النصاب ديليسبس.. الذى سرق المشروع وحوله إلى مشروع خاص لأسرته وأصدقائه.. ولدولتى الاستعمار القديم إنجلترا وفرنسا.. وسارعت الدولتان لعقد مؤتمر لندن لدراسة أبعاد القضية.. وتم الاتفاق بين الإنجليز والفرنسيين والصهاينة على غزو مصر، وحدث العدوان الثلاثى الذى بدأ فى 29 أكتوبر 1956.. فبادر عبدالناصر إلى إغلاق القناة فى وجه مراكب الأعداء.. ليتركز العدوان على مدينة بورسعيد الباسلة التى قدمت نموذجاً باهراً للمقاومة والصمود.. خاصة بعد أن ذهب عبدالناصر إلى الأزهر الشريف ليعلن من فوق منبره (سنقاتل.. سنقاتل.. سنقاتل) وأمام صلابة الموقف المصرى.. صدر إنذار الروس يوم 9 نوفمبر وتبعه الإنذار الأمريكى.. ثم قرار مجلس الأمن بانسحاب قوى العدوان. لتفرض مصر إرادتها وتحقق نصراً عظيماً ولتحتفظ بقناة السويس إلى الأبد.. وبعد انتهاء العدوان تواصل عبدالناصر مع الاتحاد السوفيتى لمناقشة تمويل السد العالى.. وقدم السوفيت عرضاً رائعاً.. وبدأت لحظة انطلاق المشروع فى عام 1960.. وفى عام 1964 حضر الزعيم السوفيتى خرشوف إلى مصر ليشارك فى احتفالية مهولة بتحويل مجرى نهر النيل، ولم يتوقف التعاون مع السوفيت على بناء السد العالى.. ولكنه امتد ليشمل بناء المئات من القلاع الصناعية العملاقة (1200 مصنع كبير).. وقام الرئيس جمال عبدالناصر بتعيين وزير خاص للسد العالى.. وأحسن اختيار هذا الوزير، حيث بذل المهندس صدقى سليمان ومعه الآلاف من المهندسين والعاملين جهوداً جبارة لإنشاء هذا الصرح العملاق.. حسب التوقيتات المحددة سلفاً.. حيث تقرر أن يكون العمل طوال اليوم على مدى الأربع والعشرين ساعة.. من خلال ثلاث ورديات.. كل وردية ثمانى ساعات.. وإذا كان العامل المصرى قد تعرض لكل صنوف التعذيب والامتهان على يد الجلاد ديليسبس على مدى عشر سنوات (1859 - 1869) وهى مدة حفر قناة السويس.. فإن العامل المصرى قد شهد كل آيات الاحترام والتكريم.. طوال عشرة أعوام (1960 - 1970) هى مدة بناء السد العالى.. ويكفى أن هذا السد العملاق.. قد أسس لمدرسة مصرية فى علوم الهندسة.. وصنع خبرات مصرية عظيمة فى مجال السدود.. استطاعت أن تنقل تلك الخبرات إلى كثير من الدول العربية والإفريقية.

والحقيقة أن ملحمة بناء السد العالى تستحق أن نرصدها ونقدمها للأجيال الجديدة من الشباب بوصفها هرماً لإرادة المصريين.. وقد حرصت على تقديم كل تفاصيل تلك الملحمة فى كتابى (السد العالى.. هرم الإرادة المصرية).

والغريب والمؤلم أن أعداء النجاح - كانوا مثل خفافيش الظلام – وانتظروا حتى رحل الزعيم جمال عبدالناصر فى 28 سبتمبر 1970.. وخرجوا من خراباتهم -فى محاولة بائسة ويائسة لإهالة التراب على هذا المشروع العملاق.. وتقدم أعضاء جماعة (الإخوان) صفوف تلك الخفافيش.. بعد أن اتفق معهم الرئيس السادات عام 1971 ليواجهوا اليسار والناصريين بل إن مرشد الجماعة (عمر التلمساني) أصدر فى عام 1979 كتاباً بعنوان (قال الناس ولم أقل فى حكم عبدالناصر).. وشن من خلال هذا الكتاب التافه حملة شعواء على السد العالى وأنه سيؤدى إلى خراب مصر وتدمير ثروتها الزراعية.. وتشاء قدرة الله أن يبدأ الجفاف العظيم فى إفريقيا فى ذات العام (1979).. ذلك الجفاف الذى استمر حتى عام 1987.. وتحولت بحيرة ناصر (162 مليار متر مكعب من المياه) إلى المنقذ الوحيد للمصريين.. فلم يشعروا بالآثار المدمرة لذلك الجفاف العظيم -الذى قتل مئات الآلاف فى كل أنحاء إفريقيا فابتلع الإخوان وكل من لف لفهم.. ألسنتهم.. ولم يجرؤوا منذ ذلك الحين على انتقاد ذلك المشروع العملاق -الذى جعل مصر فى مأمن من مخاطر الجفاف والفيضان أيضاً.. وعلى مدى السنوات العشر الماضية تواصل فيضان النيل فيما يمكن أن نطلق عليه (الفيضان العظيم).. وكانت بحيرة ناصر مرتبطة بمفيض توشكى وأمام هذا الفيضان العظيم قرر الرئيس السيسى توسعة مفيض توشكى على أن يرتبط بهذا المفيض أكثر من رافد مائى، بحيث يستطيع المفيض ومعه تلك الروافد المائية استيعاب أى مياه تزيد عن سعة بحيرة ناصر.. وقد حدث ذلك بالفعل طوال السنوات الماضية مما ساعد على استصلاح المزيد من الأراضى الصحراوية.. وضمها إلى ثروة مصر الزراعية.

كما جاءت مشروعات الكهرباء الكبيرة - سواء محطات الكهرباء التى أنشأتها شركة سيمنز- أو محطة توليد الكهرباء بالطاقة الشمسية فى منطقة بنبان جنوب مصر - لترفع الكثير من الأعباء عن كاهل توربينات السد العالى.. خاصة بعد الزيادة السكانية الرهيبة التى تعانى منها مصر والتى استوجبت ضرورة التوسع فى تلك المشروعات الكهربائية الكبيرة.. ويؤكد كل هذا أن المشروعات التنموية العملاقة التى تسعى إلى تخفيف أعباء المواطن، والعمل على زيادة معدلات الإنتاجية والتنمية، هى المشروعات التى تستطيع أن تحفر إنجازاتها بأحرف من نور على جدران الخلود.

وقد استطاع السد العالى أن يحصل على لقب (أهم مشروع هندسى فى القرن العشرين على مستوى العالم)، كما استطاعت بحيرة ناصر أن تحصل على لقب (أكبر بحيرة صناعية فى العالم بطول 500 كم) - 350 كم فى مصر و 150 كم فى السودان.. كما استطاعت محطة بنبان لتوليد الكهرباء بالطاقة الشمسية أن تحصل هى الأخرى على (أكبر مشروع لاستثمار الطاقة الشمسية فى العالم).

 
 
 

أخبار الساعة

الاكثر قراءة