رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

المؤرخ د. جمال شقرة: المشروع الوطنى يتحدى صناع المؤامرات


15-1-2026 | 20:16

الدكتور جمال شقرة.. أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر بجامعة عين شمس

طباعة
حوار: نور عبد القادر

منذ عهد جمال عبد الناصر وحتى عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي، واصلت مصر مسيرتها على طريق المشروع الوطنى الشامل، مشروع يقوم على ترسيخ الاستقلال الوطنى وحماية السيادة، ويزاوج بين التنمية الاقتصادية وبناء القوة الشاملة للدولة، ويستند إلى تلاحم إرادة الشعب مع قيادة تمتلك القرار والرؤية، وخلال هذه المسيرة الطويلة واجهت الدولة اختبارات قاسية، تنوعت بين ضغوط خارجية وتحديات داخلية مرتبطة بالبناء والتحديث، إلا أن مصر استطاعت فى كل مرحلة أن تتجاوز المحن وتحول التحديات إلى دوافع للإنجاز؛ لتصوغ بذلك ملامح مسارها الحديث وتؤسس لنهضة وطنية متجددة.

وفى هذا الإطار، تحدثت «المصور»، مع الدكتور جمال شقرة، أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر، جامعة عين شمس، حول تاريخ المشروع الوطنى المصرى وأبرز محطاته منذ عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر وحتى الجمهورية الجديدة فى عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي، وكيف استطاعت الدولة المصرية تحقيق التنمية وترسيخ الهوية الوطنية، وتعزيز الاستقرار الوطنى رغم التحديات الداخلية والخارجية..

 

 

بداية.. حدِّثنا عن تصورك لمفهوم «المشروع الوطنى المصري» وهل ظل جوهره ثابتًا فى التاريخ المصرى الحديث والمعاصر رغم تغيّر أولوياته من مرحلة لأخرى؟

المشروع الوطنى من منظور تاريخى ليس شعارًا سياسيًا عابرًا أو برنامج حكومة مؤقتا، وإنما يمثل نسقًا فكريًا شاملًا يتبلور فى لحظة تاريخية محددة، ويحظى بقدر من التوافق المجتمعي، بهدف تحقيق طموحات الشعب والدولة فى آن واحد، وأرى أن المشروع رؤية متكاملة لإدارة الدولة، تحدد أولوياتها وخططها واستراتيجياتها ومسارات التنمية الاقتصادية والاجتماعية مع التأكيد على الحفاظ على الهوية الوطنية بوصفها إحدى أهم ركائز المشروع.

ويقوم المشروع الوطنى على شروط أساسية، فى مقدمتها أن تكون الدولة حرة وذات سيادة كاملة وغير خاضعة لهيمنة أو تهديد خارجي، لأن الحديث عن مشروع وطنى فى ظل الاستعمار أو انتقاص السيادة يظل حديثًا منقوصًا، كما يتطلب المشروع دعمًا شعبيًا حقيقيًا باعتباره الضامن لاستمراريته وقدرته على الصمود، ورغم أن جوهر المشروع الوطنى يظل واحدًا عبر التاريخ، فإن أولوياته وأدواته تتغير بتغير الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية لكل مرحلة، فلكل حقبة تاريخية مشروعها القومى الذى يعكس تحدياتها واحتياجاتها، ويعبّر عن موقع الدولة فى الحركة التاريخية، دون أن يخرج عن الهدف الأساسى وهو بناء دولة قوية متماسكة، وقادرة على حماية مصالح شعبها والحفاظ على هويتها.

ما أبرز المشروعات الوطنية فى تاريخ مصر الحديث والمعاصر، وكيف ارتبطت كل منها بسعى الدولة لتحقيق الاستقلال وبناء القوة؟

شهدت مصر عبر تاريخها الحديث والمعاصر عددًا من المشروعات الوطنية الكبرى، ارتبط جميعها بدرجات متفاوتة من السعى نحو الاستقلال وبناء الدولة القوية، ونركز هنا على التاريخ الحديث والمعاصر، لأن مصر لم تحصل على استقلالها الكامل دفعة واحدة، وإنما مرت بمراحل من الاستقلال المنقوص، وصولًا إلى الاستقلال الحقيقى بعد ثورة 23 يوليو1952، ويعد مشروع محمد على أول مشروع وطنى متكامل على أرض مصر، رغم أنه تحقق فى ظل الهيمنة العثمانية لكن كان هدفه الأساسى هو بناء الدولة الحديثة، من خلال تحقيق الاستقرار الداخلى وتأسيس جيش وطنى قوى من المصريين، إلى جانب إطلاق نهضة تعليمية واقتصادية متزامنة، وأدخل هذا المشروع مصر فعليًا إلى العصر الحديث، وتفرعت عنه مشروعات كبرى مثل تطوير الصناعات المختلفة وبناء القناطر الخيرية.

تلت ذلك تجربة الخديوى إسماعيل، التى تمثل المحاولة الثانية للتنمية الحديثة، حيث طرح مشروعًا وطنيًا طموحًا سعى من خلاله إلى تحديث الدولة على النمط الأوروبي، فيما عُرف بمشروع «مصر باريس» وشمل ذلك تطوير القاهرة من قصر عابدين إلى ميدان الإسماعيلية، التحرير حاليا، وإرسال البعثات العلمية، وإحداث نهضة تعليمية وعمرانية، وإنشاء مؤسسات ثقافية وترفيهية مثل حديقة الحيوان والأورمان، ورغم تكامل هذه الخطة فإنها تعثرت بسبب التربص الاستعمارى وتزايد التدخل الأجنبي.

أما التحول الجذرى فجاء مع ثورة 23 يوليو1952، حين نجحت الدولة المصرية لأول مرة فى طرح مشروع وطنى قومى شامل فى عهد الرئيس جمال عبد الناصر، ارتكز على الاستقلال الكامل، وبناء قاعدة صناعية قوية، وتحقيق التنمية الزراعية بإضافة ملايين الأفدنة للرقعة الزراعية، إلى جانب مشروعات استراتيجية كبرى فى مقدمتها السد العالي، الذى مثل رمزًا للسيادة الوطنية وحمى مصر من أخطار الفيضانات والجفاف، ويؤكد هذا المسار التاريخى أن المشروعات الوطنية فى مصر كانت دائمًا انعكاسًا لحلم الدولة فى الاستقلال وبناء القوة، وأن تعثر بعضها لم يكن بسبب ضعف الرؤية بقدر ما كان نتيجة الضغوط والتدخلات الاستعمارية.

لكن.. كيف تطور المشروع الوطنى بعد ثورة 23 يوليو، وما أبرز ملامحه؟ وكيف جرى استكماله عبر المراحل اللاحقة؟

مع قيام ثورة 23 يوليو1952، دخلت مصر مرحلة جديدة من المشروع الوطنى الشامل الذى طرحه الرئيس جمال عبد الناصر، وهو مشروع لم يقتصر على الاستقلال السياسى فقط، بل امتد ليشمل التحرر الاقتصادى والعدالة الاجتماعية وبناء الإنسان المصري، وتفرع عن هذا المشروع عدد من القرارات والمحطات المفصلية، فى مقدمتها تأميم قناة السويس عام1956، الذى مثّل لحظة فاصلة فى استعادة السيادة الوطنية، وما تبعه من ترسيخ مبادئ العدالة الاجتماعية عبر قوانين الإصلاح الزراعى وتوزيع الأراضى على الفلاحين، إلى جانب تحقيق مجانية التعليم باعتبارها أحد أعمدة بناء الدولة الوطنية الحديثة، وقد التفّ الشعب المصرى حول هذا المشروع وظهر ذلك جليًا فى الحالة الثقافية والفنية، حيث شارك كبار رموز الفن مثل أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب وفريد الأطرش فى دعم الثورة والتعبير عن روحها الوطنية.

غير أن المشروع الناصرى تعرّض لاستهداف مباشر من قوى خارجية، تُوّج بـالعدوان الثلاثى عام1956، ثم مؤامرة الخامس من يونيو 1967 التى أسفرت عن النكسة، ورغم ذلك لم يتوقف المشروع الوطني، إذ تبلور قبل رحيل عبد الناصر مشروع قومى جديد جوهره رد كرامة الشعب المصرى واستعادة الأرض، وهو ما تجسّد فى حرب الاستنزاف التى أعادت بناء الثقة فى الجيش والمجتمع، وتُوّج هذا المسار بانتصار حرب السادس من أكتوبر 1973 فى عهد الرئيس محمد أنور السادات التى أعادت الاعتبار للمشروع الوطنى المصري، وعلى الصعيد الاقتصادى شهدت السبعينيات تحديات كبيرة نتيجة الحروب المتتالية التى خاضتها مصر فى أعوام 1956 و1967 وحرب الاستنزاف، ما أدى إلى تعطيل عدد من مشروعات البنية التحتية.

وفى هذا السياق، جاءت مرحلة لاحقة ركزت على استكمال بناء البنية التحتية للدولة، خاصة خلال عهد الرئيس محمد حسنى مبارك، حيث تم تنفيذ مشروعات كبرى مثل كوبرى السادس من أكتوبر، وإنشاء عدد من المدن الجديدة، باعتبارها امتدادًا للمشروع القومى للدولة المصرية، وإن اختلفت أدواته وأولوياته وفقًا لظروف كل مرحلة.

إلى أى مدى أثرت تجربة حكم الإخوان على المشروع الوطنى والهوية المصرية، وما الدور الذى لعبته ثورة 30 يونيو فى استعادة الدولة وحماية المشروع؟

تجربة حكم جماعة الإخوان الإرهابية فى مصر كانت مرحلة مفصلية فى تاريخ الدولة الوطنية الحديثة، لما حملته من محاولات لتغيير الهوية الوطنية واستغلال مؤسسات الدولة لتحقيق أجندات ضيقة بعيدة عن مصالح الشعب، فقد سعت الجماعة خلال فترة حكمها إلى سيطرة كاملة على الأجهزة التنفيذية والقضائية، وإضعاف مؤسسات الدولة وفرض أيديولوجية لا تتوافق مع طبيعة المشروع الوطنى المصرى أو مع الطموحات الاقتصادية والاجتماعية للشعب.

هذا الوضع خلق توترًا حقيقيًا بين الدولة والمجتمع، وكان من أبرز مظاهره محاولات تغيير المناهج التعليمية والسيطرة على الإعلام وفرض سياسات اقتصادية واجتماعية لم تكن عادلة أو شاملة، مما أدى إلى شعور واسع بين المواطنين بأن الهوية المصرية ومؤسسات الدولة الوطنية فى خطر، ثم جاءت ثورة 30 يونيو 2013، لتشكل محطة فاصلة، وباختصار فإن تجربة الإخوان كانت محاولة لتغيير مسار المشروع الوطني، وثورة 30 يونيو أعادت تأكيد أساس الدولة الوطنية ومؤسساتها، ووضعت مصر على طريق استكمال مشروعاتها القومية الكبرى وتحقيق التنمية الشاملة، بما يضمن استمرار الدولة القوية والموحدة فى قلب العالم العربى وإفريقيا.

إذن.. هل يمكن القول إن ثورة 30 يونيو كانت بمثابة نقطة تحوّل فى مسار التاريخ المصرى الحديث؟

لم تكن ثورة 30 يونيو مجرد احتجاج شعبى أو نزاع سياسي، بل كانت استجابة تاريخية لحماية الدولة والمشروع الوطني، وإعادة تأكيد سيادة الشعب المصرى على مصيره فقد التف الشعب المصرى حول قيادته، واتحدت الإرادة الوطنية لإبعاد الجماعات التى حاولت السيطرة على الدولة، وضمان استمرار مؤسساتها فى خدمة مصالح الوطن، وأهم ما يميز هذه المرحلة هو التفاف الشعب المصرى حول القيادة الوطنية والمشروع الوطني، باعتباره الضامن للحفاظ على الهوية المصرية، واستمرار الدولة فى تنفيذ رؤيتها الاستراتيجية رغم التحديات الداخلية والخارجية، بما فيها التهديدات والإرهاب والمنافسات الإقليمية والدولية.

ما أبرز ملامح المشروع القومى الحالي، وكيف يساهم فى تحقيق التنمية الشاملة واستقرار الدولة وتعزيز مكانتها عالميا؟

المشروع القومى الحالى فى عهد الرئيس عبد الفتاح السيسى يتميز بكونه مشروعًا عمليًا وتنفيذيًا طويل المدى، يركز على إعادة بناء الدولة وتقوية مؤسساتها وتأمين حدودها، مع ضمان استقرار سياسى واقتصادى واجتماعى فى ظل تحديات داخلية وإقليمية ودولية معقدة، ومن أبرز ملامح هذا المشروع هو تطوير البنية التحتية الشاملة، التى تشمل الطرق والكبارى والموانئ ومحطات الطاقة والمدن الجديدة القادرة على استيعاب النمو السكاني، وهو ما يعزز قدرة الدولة على تحقيق التنمية المستدامة وتوفير حياة أفضل للمواطنين.

كما بدأت الدولة فى تنفيذ مشروعات قومية عملاقة تشمل: تطوير الطرق والكبارى والمحاور الحيوية، واستصلاح الأراضى الزراعية بما يزيد على مليون فدان لتعزيز الأمن الغذائى وتحسين مستوى معيشة المواطنين، وبناء مدن جديدة مثل العاصمة الإدارية ومدينة العلمين الجديدة التى تضاهى المدن العالمية فى التخطيط والتنظيم، وجذب الاستثمارات الضخمة لدعم الاقتصاد الوطنى فى مواجهة التحديات المحلية والعالمية، وتطوير وسائل النقل والطاقة لدعم التنمية المستدامة، كما يولى المشروع اهتمامًا كبيرًا بتحسين مستوى معيشة المواطنين، وتعزيز الخدمات الأساسية ودعم الاقتصاد الوطني، بما يضمن رفاهية الشعب واستقراره، ويخلق فرصًا حقيقية للنمو والتنمية فى مختلف القطاعات.

وعلى الصعيد الإقليمى والدولي، يسهم المشروع القومى فى تعزيز دور مصر كلاعب مؤثر فى المنطقة، قائمًا على قوة الدولة ومؤسساتها، والقدرة على حماية مصالحها الوطنية والسيادية فى أى ظرف، وفى النهاية يرتبط مستقبل الدولة الوطنية بوعى الشعب، والحفاظ على الهوية الوطنية ووجود مشروع وطنى واضح يشترك فيه المجتمع والدولة معًا، ويضمن المشروع القومى الحالى استمرار الدولة القوية والمستقرة، وتعزيز مكانتها على المستويين الإقليمى والدولي، وتحقيق التنمية الشاملة لشعبها.

هل يحتاج المشروع الوطنى إلى خطاب ثقافى وإعلامى موازٍ لترسيخه فى وعى الأجيال الجديدة؟

نجاح المشروعات القومية فى مصر لا يعتمد فقط على التخطيط الاقتصادى أو الاستراتيجي، بل يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالجانب الثقافى والإعلامي، الذى يساهم فى ترسيخ أهداف المشروع الوطنى فى وعى المواطنين، ونشر قيم الانتماء والوحدة الوطنية، وتلعب وسائل الإعلام دورًا محوريًا فى تنمية الوعى الثقافى والسياسى للشعب، وتوضيح أهمية المشروعات القومية وإبراز الإنجازات الوطنية، وتحفيز الشباب على فهم تاريخهم وهويتهم الحقيقية، ويأتى الشباب فى مقدمة أولويات هذا الجهد، فهم حجر الزاوية فى مستقبل الدولة، ويجب توعيتهم بتاريخ مصر وهويتها، وتعريفهم بأنها حضارة ممتدة قدمت الريادة العلمية والفكرية، وأثمرت إنجازات عظيمة فى مختلف المجالات، مع الحفاظ على التدين المعتدل والقدرة على التحدى والإنجاز، وأؤكد أن ترسيخ الهوية الوطنية مسئولية مشتركة تبدأ من الأسرة وتمتد إلى المدارس والجامعات وكل مؤسسات التنشئة الاجتماعية، ويجب أن يكون الخطاب الإعلامى والثقافى موجهاً لتعزيز الانتماء الوطني، وتأصيل الوحدة الوطنية، وتمكين الشعب من مواجهة التحديات الداخلية والخارجية، بما يضمن نجاح المشاريع القومية واستدامة الدولة.

 

 

أخبار الساعة

الاكثر قراءة