ومن ثم باتت تلك المصحات تشكل خطراً يهدد حياة راغبى العلاج أكبر من الإدمان ذاته ، الأمر الذى دفع حوالى مائتى مُدمن إلى هروب جماعى من إحدى المصحات المخالفة بمنطقة البدرشين الأسبوع الماضى فى مشهد أعاد للأذهان وقائع الهروب الجماعى من السجون فى أحداث يناير عام 2011!
هؤلاء الشباب حطموا النوافذ والأبواب الحديدية وفروا إلى الشوارع حُفاة شبه عُراة هرباً من جحيم عاشوه فى تلك الحظيرة أو «الزريبة شديدة القذارة المسماة مجازاً بمصحة، حُرموا فيها من أبسط حقوق الرعاية الطبية، فى مكان اعتمد على الحبس والعنف والترهيب كوسائلَ للعلاج، كما افتقر لأبسطَ اشتراطات النظافة! بالله عليكم لمكان يضم 200 شخص وليس به سوى دورة مياه واحدة ويقيم كل 10 منهم فى غرفة صغيرة لا تتعدى مساحتها 12 متراً، أبوابها ونوافذها حديدية دون مراعاة لإمكانية نقل العدوى بينهم بسهولة أن تتوفر فيه النظافة؟
إن هذا الهروب الجماعى يعد جرس إنذار قويًا يحذر من الانسياق وراء المصحات الوهمية التى تحولت إلى قبور مظلمة لآلاف المدمنين!
السؤال الذى يطرح نفسه: كيف لمدمن أن يُشفى وهو لا يحصل على جرعات علاج اللهم إلا مهدئات؟ علماً بأن علاج الإدمان له أصول مهنية، تحتكم للمدة والانسحاب، والعلاج النفسى، ونوع المادة المخدرة وحجم الجرعة وكميتها وطرق التعاطى، أى أنه لا يتم بشكل عشوائى.
كيف لمدمن أن يُشفى وهو يفتقر لتناول الحد الأدنى من الطعام الصحي؟ وحتى لا يصاب بالهزال، يدس له المجرمون كميات من الكورتيزون فى طعامه، حتى يزيد وزنه بشكل يوحى لأهله بأنه تعافى!
كيف لمدمن أن يُشفى والمشرفون بتلك الأوكار السرية يوفرون له كل أنواع المخدرات داخل المكان؟ إنهم فئة لا هم أو هدف لهم سوى الحصول على أموال النزلاء دون تقديم أى خدمة علاجية حقيقية كى يستمر العلاج أطول فترة ممكنة! والنتيجة أنه لا مريض شُفى ولا بطون أصحاب تلك الأوكار مُلئت!
لقد ثبت بكل أسف أن غالبية مصحات الموت هذه تعتمد فى العلاج على ما يُعرف بمرحلة «الديتوكس»، التى تنقسم إلى خطوتين، الأولى تتعلق بفترة «أعراض الانسحاب»، وهى أخطر مراحل التعافى، وفيها يخضع النزيل إلى إجراءات صارمة تشمل العزل والحرمان من المهدّئات والحبوب المنومة بزعم تمهيده للعودة إلى الحياة الطبيعية، أما النزلاء «المتمردون» رافضو التعافى فيجرى حبسهم داخل غرف ضيقة، وفرض مواعيد نوم صارمة عليهم، وأحياناً يستخدمون العنف معهم وأقسى صوره «حقنة الموت» كإحدى الأدوات العقابية، وهى حقنة محرمة دوليا، يستبدلون فيها السائل المستخدم بسرنجة سحب السموم بقطرة توسيع قاع العين بغرض تسريع العلاج، هذه القطرة تتسبب فى تكوين خراريج بالجسم كله وعندما تصل الخراريج للكلى تحدث الوفاة خلال مدة أقصاها 3 أشهر من تلك الجرعة.
لا شك أن هذه المرحلة تمثل الخطر الأكبر على حياة النزلاء، خاصة فى ظل غياب تام للأطباء المتخصصين والمرشدين النفسيين، ما يؤدى إلى تفاقم الأزمات النفسية لهم بدلاً من احتوائها، وبعد تجاوز هذه المرحلة، ينتقل المريض إلى ما يُعرف بمرحلة «منتصف الطريق»، وهى التى تسبق خروجه من المركز وإعلان تعافيه بينما فى واقع الأمر هو لم يتعاف ومن ثم سرعان ما ينتكس!
فى الحقيقة أنا لا ألوم على الدولة هذه المرة ولن أحمّلها المسئولية فى تفشى تلك الظاهرة الكارثية، بل ألوم على المواطنين أنفسهم الذين يلقون بذويهم المرضى فى تلك المصحات غير الشرعية بمحض إرادتهم دون أن يتقصوا أو يتحروا عنها، بل إن أكثرهم لم يكلف خاطره بمعاينة مقرات تلك الأوكار.
الإحصائيات الرسمية تشير إلى أن الدولة منحت ملف علاج الإدمان اهتماماً كبيراً كان من نتائجه توسعٌ ملحوظٌ فى السنوات الأخيرة، إذ بلغ عدد مراكز ومصحات علاج وتأهيل مرضى الإدمان المعتمدة رسميًا 34 مركزًا موزعة على 19 محافظة، مقارنة بـ 12 مركزًا فقط عام 2014، وعلى صعيد المتعافين والمترددين على العلاج، استقبلت مراكز العلاج والخط الساخن لعلاج الإدمان (16023) أكثر من 66 ألف شخص خلال الأشهر الخمسة الأولى من عام 2024 فقط، ما بين حالات جديدة ومتابعات، ضمن خدمات تشمل سحب السموم والعلاج النفسى والتأهيل الاجتماعى.
أما الأجهزة الأمنية والمختصة فتعمل ليل نهار على غلق مثل تلك المصحات غير المرخصة من خلال شن حملات مكثفة بالتعاون مع وزارتى الصحة والتضامن ممثلة فى صندوق مكافحة الإدمان، ما أسفر عن إغلاق أكثر من 80 مركزًا خلال العام الماضى فى مختلف المحافظات، بينها القاهرة والجيزة والإسكندرية وأسوان وأسيوط والشرقية ومدينة العبور والشروق والمقطم.
كما أغلقت وزارة الصحة والسكان 18 مركزًا لعلاج الإدمان والطب النفسى بمحافظات القاهرة والقليوبية والشرقية خلال الأيام الماضية، بعد ثبوت ممارستها النشاط دون تراخيص قانونية ومخالفتها لاشتراطات الصحة والسلامة.
ومؤخراً قرر وزير الصحة الدكتور خالد عبدالغفار، تشكيل لجنة تتولى تنظيم ممارسة مهنة العلاج النفسى لغير الأطباء النفسيين، بهدف ضبط الممارسات المهنية وحماية حقوق المرضى، ورفع جودة خدمات الصحة النفسية، والتأكد من توافر المؤهلات والخبرات اللازمة لدى المتقدمين للحصول على الترخيص، وكذا التزامهم بميثاق أخلاقيات المهنة، فالوزارة لن تسمح بوجود مؤسسات موازية لعلاج الإدمان خارج الإطار الرسمى، خاصة أن الدولة توفر خدمات العلاج مجانًا فى مستشفياتها المتخصصة، وبإشراف طبى كامل، وفق برامج علاج معتمدة.
ورغم ذلك لا تزال أرقام المرضى (66 ألف شخص) الذين عولجوا فى المراكز والمستشفيات الطبية الحكومية هزيلة مقارنة بوجود قرابة 5 ملايين مدمن فى مصر يحتاجون إلى العلاج الفورى، الأمر الذى يعيدنى إلى طرح السؤال مرة أخرى لماذا يُحجم المدمنون وذووهم عن طلب العلاج من المراكز الحكومية المجانية، على رأسها صندوق مكافحة وعلاج الإدمان بالمجان التابع لوزارة التضامن ؟
لماذا لا يزالون ينخدعون وينساقون وراء تلك الحملات الإعلانية المزيفة التى تروج للمصحات غير الشرعية ويفضلونها عن المصحات الحكومية المجانية؟
الإجابة باختصار هى الخوف من افتضاح أمرهم وما يترتب على ذلك من وصمة مجتمعية ومشاعر خزى وعار ، ناهيك عن خشيتهم من قيام تلك المصحات الحكومية بتبليغ الشرطة عنهم كمتعاطين للمخدرات، ومن ثم يقعون تحت طائلة القانون!، والمؤكد أنهم لا يعلمون بوجود تشريعات تكفل سرية بياناتهم وتضمن لهم التعامل كمرضى وليسوا مجرمين!