ليس «الفتوح البيئى» نظرية بلا ملامح، بل هو مسار يصنعه بشر عاديون قرروا أن يعيشوا استثنائيًا. هو ذلك المعلم الذى حوّل حصة العلوم إلى زراعة فعلية فى فناء المدرسة، وتلك الأم التى جعلت مطبخها نموذجًا للاقتصاد الدائرى، وذلك الشاب الذى رأى فى هاتفه الذكى أداة ذكرٍ جديدة، يراقب بها استهلاك الماء والطاقة فى منزله كما يراقب قلبه فى الخلوة. فالفتح لا يبدأ من المؤتمرات والقاعات، بل من إنسان واحد قال: «سأحسن حيث أنا»، محققًا بفعله البسيط معنى العبودية التى تدفع للإحسان. وهذا هو تطبيق فهمنا أن لا كرامة بلا استقامة. وهذا الالتزام الفردى هو اللبنة الأولى لوحدة المجموع، فالأمة تُبنى بأفرادها.
فكل تأجيل فى علاقتنا بالأرض هو دين مؤجل فى أعناق أبنائنا، فنحن فى عام 2026، لم تعد أزمة البيئة احتمالًا نظريًا، بل واقع يطرق الأبواب فى شكل حرارة أعلى، ومياه أقل، وهواء أثقل على صدور الفقراء قبل غيرهم. إن أخطر ما نواجهه ليس نقص الموارد، بل اعتياد الخلل. والتصوف الحقيقى لم يكن يومًا هروبًا من الخطر، بل وعى حاد باللحظة قبل فواتها، وحركة نحو الإصلاح امتثالًا للأمر النبوى بالإصلاح فى الأرض. وهذا الوعى المشترك بالخطر هو دافع قوى للوحدة فى العمل، فالمصير المشترك يولد الإرادة المشتركة.
الاعتراف: توبة واستغفار عما بدر تجاه خلق الله الأرض قبل البناء عليها
قبل أن نزرع، قبل أن نبنى، لنعترف: لقد أَسَأْنَا إلى النيل حين جعلناه مقلبًا، وأسأنا إلى الهواء حين ملأناه دخانًا، وأسأنا إلى الأرض حين غطيناها بلاستيكًا. هذه ليست إثمًا بيئيًا فحسب، بل تقصير فى أمانة الاستخلاف ونقص فى تحقيق العبودية الكاملة لله. والتوبة ليست ندمًا فى الصدور فقط، بل هى إصلاح فى الأنهار والغدران، وتغيير فى العادات والأنظمة، كما علّمنا سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم) أن التوبة النصوح تتطلب الفعل الإصلاحى. من هذا الاعتراف الصادق تبدأ المسيرة الحقيقية للفتح. وهذا الاعتراف الجماعى هو بداية المصالحة مع الأرض ومع أنفسنا، وخطوة نحو الوحدة الحقيقية القائمة على المسئولية المشتركة.
نداء فردى واضح: لا تحمل الأرض وحدك
لا يُطلب منك أن تُنقذ الكوكب، ولا أن تغيّر العالم دفعة واحدة. اختر وردًا بيئيًا واحدًا فقط هذا الشهر، والتزم به: إمّا فصل المخلفات فى بيتك، أو ترشيد الماء فى الوضوء، أو زراعة نبتة واحدة على شرفتك، أو إطفاء نور زائد لا حاجة له. لا تستهِن بقطرة الماء فى النهر، فالنهر كله قطرات. وتذكّر أن الطائر يُغير اتجاه السفينة ليس بقوته، بل بمواصلته النقر فى الاتجاه نفسه. استمرارك فى وردك البيئى هو «نقرك» الذى يغير اتجاه السفينة الكبيرة. فالاستدامة لا تحب الضجيج، بل تحب الاستمرار. ومن داوم وصل. وهذا منهج إسلامى قائم على المداومة على العمل الصالح ولو كان قليلًا. وهذه الأوراد الفردية، المتزامنة فى القلوب والمجتمع، هى خيط النور الذى ينسج نسيج الوحدة العملية.
لمن يعتقد: «هذا مثالى أكثر من اللازم»
هذا اعتراض متداول، بينما التاريخ يعلمنا أن كل تحول عظيم بدأ بما وُصف يومًا بالمثالية: تحريم الرق، تعليم البنات، الصحة العامة كلها بدأت كأحلام أخلاقية لمستقبل أفضل. ما لا يدرك كله لا يترك كله، حيث إن الفتوح البيئى لا يطلب كمالًا، بل اتجاه. ولا ينتظر ملائكة، بل بشر يخطئون ويتعلمون ويكملون الطريق. وهو يقوم على سياسات عملية وحوافز ذكية تجعل الخيار الأخلاقى هو الخيار الأسهل والأكثر نفعًا، تمامًا كما جعل الإسلام الخير معقولًا وميسرًا. وهذا التدرج والواقعية هو ما يضمن استمرارية الوحدة حول المشروع، فلا يتحول إلى شعار بعيد عن الممارسة.
كيف نعرف أننا نجحنا؟ (مؤشرات الفتح)
نعرف أن «الفتوح البيئى» بدأ يؤتى ثماره، وأن قلوبنا وأرضنا تزهران معًا، حين نرى بعض الأمور، منها:
· سلوكيًا: أن يصبح ترشيد الماء والكهرباء، وفصل المخلفات، تصرفًا تلقائيًا لا بطوليًا، جزءًا من «السليقة» المجتمعية، كتحقيق عملى للسُّنَّة الحسنة. عندها تكون الوحدة قد تحولت إلى عادة.
· بيئيًا: تحسنًا ملموسًا يمكن رؤيته وشعوره فى جودة الهواء ونقاء المياه على مستوى الأحياء والقرى، لا فى التقارير الرسمية فقط.
· ثقافيًا: أن يتحدث الأطفال عن الشجرة والنهر والطائر كما يتحدثون عن الهاتف والسيارة، بلا تناقض، بل بوعى أن الجميع من صنع الله وأمانته.
عندها نعلم أن الأرض لم تزهر وحدها بل القلوب أيضًا.
خارطة الفتح بالأرقام: أهداف 2026
لكى لا تبقى الرؤية حلمًا، بل تصبح وعدًا قابلًا للتحقيق، نضع أمامنا أهدافًا تُقاس، نجعلها نذرًا لله على طريق الإعمار:
· نور مساجدنا: أن يصبح 30 فى المائة من طاقة المساجد والمبانى الحكومية والتعليمية مستمدة من نور الشمس، كتسبيح عملى بالطاقة النظيفة.
· رئة مدننا: زراعة 10 ملايين شجرة مثمرة ومظللة، تحول الشوارع إلى «جنات متحركة» تنقى الهواء وتُطْعم الفقير، وتذكر بالجنة.
· نقاء مياهنا: الوصول إلى «صفر بلاستيك» فى القرى السياحية والمناطق الأثرية، حفاظًا على جمال صنعة الله وسلامة خلقه.
· اقتصاد بيوتنا: تحويل 20 فى المائة من الأسر المصرية إلى وحدات إنتاجية صغيرة من خلال «فصل المخلفات من المنبع»، ليصبح البيت مصدر رزق لا مصدر نفايات.