مؤخراً خرج الإيرانيون إلى الشوارع مع تصاعد حركة الاضطرابات المدنية التى تهدد استقرارها الهش، بدأت الاحتجاجات كإضرابٍ من قِبل أصحاب المتاجر وتجار البازار فى طهران؛ احتجاجًا على التدهور الحاد فى قيمة الريال الإيرانى، وارتفاع الأسعار وتدهور الاقتصاد، وسرعان ما تحولت إلى «صرخة غضب سياسى» وتحوّلت إلى حركة احتجاجية عارمة اجتاحت إيران، حيث خرج الإيرانيون إلى الشوارع للتنديد بالوضع العام لبلادهم. وفى جامعاتٍ بمدنٍ عديدة، اشتبك الطلاب مع قوات الأمن، وتحولت الشعارات المنددة بالأزمة الاقتصادية الحادة فى إيران إلى دعواتٍ لتغيير النظام وتحقيق تقدمٍ وطنى شامل.
أسفرت الاحتجاجات عن مقتل ستة أشخاص على الأقل فى اشتباكاتٍ مع قوات الأمن وهى أولى الوفيات منذ تصاعد الاضطرابات. ويعانى الاقتصاد الإيرانى من وطأة العقوبات الدولية القاسية المفروضة عليه منذ سنوات بسبب برنامجه النووى، ما أدى إلى تضخم جامح وانهيار العملة. وبلغت الاحتجاجات حتى الآن 20 منطقة، معظمها بلدات فى غرب البلاد، وفقًا لتقارير إعلامية إيرانية رسمية ومحلية. وأُغلقت المدارس والبنوك والمؤسسات العامة فى محاولة واضحة لتهدئة الاضطرابات وبرر المسؤولون ذلك ببرودة الطقس وترشيد استهلاك الطاقة لكن السلطات أقرت أيضاً بشرعية المظالم، وأعلنت عن سلسلة من الإجراءات، من بينها إقالة محافظ البنك المركزى. وقال الرئيس مسعود بيزشكيان، الإصلاحى إنه وحكومته سيُعاقبون عقابًا شديدًا، بالمعنى الدينى، إذا لم يتصدوا للصعوبات الاقتصادية. وتُعد هذه الاحتجاجات الأوسع نطاقًا منذ انتفاضة عام 2022 التى اندلعت إثر وفاة الشابة مهسا أمينى أثناء احتجازها، والتى اتهمتها شرطة الآداب بعدم ارتداء الحجاب بشكل صحيح. إلا أنها لم تكن بنفس الحجم. ولمنع أى تصعيد، تُفيد التقارير بفرض إجراءات أمنية مشددة فى مناطق طهران التى انطلقت منها المظاهرات.
جاءت هذه الاحتجاجات فى سياق اقتصادى واجتماعى، ولكن سرعان ما انتقلت من كونها شأنًا داخليًا إيرانيًا إلى ملف قابل للتدويل عالميًا، عقب تصريحات مثيرة للرئيس الأمريكى دونالد ترامب، الذى حذر السلطات الإيرانية من قتل المتظاهرين السلميين، قائلًا إن واشنطن «ستتدخل لإنقاذهم». وردّ مستشار رفيع المستوى للمرشد الأعلى الإيرانى آية الله على خامنئى قائلًا إن على ترامب «توخى الحذر» إذا ما تدخّل، محذرًا من احتمال حدوث فوضى عارمة فى الشرق الأوسط. كما شدد المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائى، على أن الإيرانيين قادرون على حل مشكلاتهم عبر الحوار الداخلى، رافضًا أى تدخل أجنبى.
ضعفت إيران أيضًا بعد الضربات القوية التى تلقتها هى وحلفاؤها الإقليميين، بما فى ذلك فى غزة ولبنان وسوريا، ويشعر بعض الإيرانيين باستياءٍ متجذرٍ من تقديم طهران دعمًا ماليًا وعسكريًا مفرطًا لوكلائها الإقليميين، مثل حزب الله اللبنانى، فى ظل الأزمة الاقتصادية التى تعانى منها البلاد. ويرى الخبراء أن الحكومة تُدرك أن التجار هم شريان الحياة، والقلب النابض للاقتصاد الإيرانى، ولذلك فهى مُلزمة باتخاذ تدابير لمعالجة القضايا الكبرى، ولو جزئيًا. ولتحقيق الاستقرار الاقتصادى والاجتماعى الذى يسعى إليه المتظاهرون، يحتاج نظام خامنئى إلى التوصل إلى اتفاق مع إدارة ترامب برفع العقوبات أو على الأقل يحمى إيران من الحرب. كما أن تزامن اندلاع الاحتجاجات مع وصول سعر صرف الدولار إلى نحو مليون و450 ألف ريال إيرانى، وهو مستوى غير مسبوق يعكس عمق الأزمة الاقتصادية الناتجة عن العقوبات الأمريكية والدولية، جنبًا إلى جنب مع إخفاق محافظ البنك المركزى الإيرانى محمد رضا فرزين عن التعامل مع تلك المعضلة، خاصة فى أعقاب دخول العقوبات الأممية على إيران حيز التنفيذ فى نوفمبر 2025.
فى هذا السياق أوضح الدكتور محمد محسن أبوالنور، الخبير فى الشؤون الإيرانية، مؤسس ورئيس المنتدى العربى لتحليل السياسات الإيرانية أن الاحتجاجات فى إيران تطالب بإصلاحات وليس بتغيير جذرى للنظام، وأن الحكومة تعاملت مع الاحتجاجات بمحاولة الاحتواء وإلقاء القبض على العناصر التخريبية. وأشار الدكتور أبوالنور إلى أنه يشك فى تصريحات ترامب فى قدرته على إنقاذ المحتجين وحمايتهم، ولذلك لسببين أولاً لأن عدد الجنود الأمريكيين فى منطقة الشرق الأوسط صغير ولا يكفى لعمل عملية عسكرية، لذلك لا يستطيعون التدخل عسكريًا فى دولة مسلحة مثل إيران، السبب الثانى وهو خاص بالسياسة الأمريكية هو مبدأ عدم تدخل الولايات المتحدة فى الشؤون الداخلية للدول الأخرى. وسيكون التدخل العسكرى تكلفته عاليًا جدًا لا تستطيع أمريكا تحملها الآن.
وأضاف الدكتور أبوالنور أن الشارع الإيرانى رفض تصريحات ترامب المثيرة بإنقاذ المحتجين وحمياتهم، والتى أعاد فيها إنتاج خطاب «الحماية» الأمريكى التقليدى تجاه الاحتجاجات فى دول الخصوم. فالمجتمع الإيرانى يفهم هذه التصريحات وأنها تدخل فى الشؤون الداخلية للبلاد، ولا يستبعد وجود قوى خارجية تعمل على تأليب المجتمع ضد النظام السياسى للحصول على مكاسب ضاغطة من هذا النظام فى الملفات الدولية والإقليمية ذات الصلة، خاصة أن اللاعب الغربى على سبيل التحديد لم يغفر لإيران تعاونها العسكرى مع روسيا فى الحرب الأوكرانية.
وفيما يخص اندلاع هذه الاحتجاجات بقيادة الطبقة التجارية أو «البازار» فى البلاد وهم فى وضع أفضل نسبيًا وليس الفقراء فقط أوضح الدكتور أبوالنور أن كلمة البازار فى اللغة الفارسية تعنى السوق، ولعل كل من خبر التاريخ الإيرانى يعرف أن نقطة انطلاق الاحتجاجات من بازار طهران تمثل تطورًا بالغ الدلالة، حيث إن البازار الإيرانى لم يكن تاريخيًا مجرد فضاء اقتصادى، بل كان أحد أعمدة التحالف البنيوى بين رأس المال التجارى ورجال الدين، وهو التحالف الذى لعب دورًا محوريًا فى الثورة الإسلامية عام 1979، وفى تثبيت النظام لاحقًا. ومن هذا المنظور، فإن خروج الاحتجاجات من قلب البازار يوحى بأن العلاقة التاريخية بين الدين والمال فى إيران تتعرض لتآكل تدريجى، بفعل الضغوط الاجتماعية الهائلة التى أفرزتها العقوبات، وسوء الأوضاع المعيشية، واتساع الفجوة بين الدولة والفاعلين الاقتصاديين التقليديين. غير أن هذا العامل لا يعنى بالضرورة انهيار هذا التحالف كليًا؛ لكنه يشير إلى تصدعات واضحة فى إحدى ركائز الاستقرار الاجتماعى للنظام السياسى فى إيران الذى طالما اعتمد على رجال البازار فى تمويل نشاطاته الداخلية، لا سيما أن رجال البازار هؤلاء يدفعون إلى رجال الدين 20 بالمئة من دخولهم السنوية فى إطار «الخُمس» المعروف كزكاة المال فى الفقه الشيعى القائم فى البلاد.