رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

باحث في العلاقات الدولية: طهران ترفض الضغوط الخارجية.. والتدخل العسكري الأمريكي مستبعد

11-1-2026 | 15:53

أحمد العناني

طباعة
محمود غانم

قال الدكتور أحمد العناني، الباحث في العلاقات الدولية، إن موجة الاحتجاجات الحالية في إيران تحمل في جوهرها طابعًا اقتصاديًا بالأساس، وتأتي نتيجة مباشرة لتفاقم الأوضاع المعيشية تحت وطأة العقوبات الأمريكية، وما تسببه من تضخم واسع في العملة وارتفاع حاد في تكاليف الحياة.

ويشير العناني، في تصريح خاص لـ«دار الهلال»، إلى أن الشرارة الأولى للاحتجاجات انطلقت من أوساط تجار البازارات، بعدما وجدوا أنفسهم أمام خسائر متراكمة وضغوط غير مسبوقة، قبل أن تمتد رقعة الغضب لتشمل شرائح اجتماعية أوسع، من عمال وشباب وعاطلين عن العمل، ما يجعل هذه الموجة مختلفة من حيث الاتساع الاجتماعي مقارنة بموجات سابقة.

ويوضح أن الفارق الجوهري بين هذه الاحتجاجات ومظاهرات عام 2023 يكمن في طبيعة الدوافع؛ إذ إن احتجاجات 2023 كانت سياسية في الأساس، مرتبطة بقضية مقتل مهسا أميني وما تبعها من حراك شبابي واسع، بينما تتمحور الاحتجاجات الحالية حول الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تمسّ صميم حياة المواطن الإيراني، مؤكدًا أن العامل الاقتصادي يظل الأكثر قدرة على تحريك الشارع واستدامة الغضب الشعبي.

ويلفت الباحث في العلاقات الدولية إلى أن خطورة هذه الاحتجاجات تنبع من كونها لم تعد محصورة في فئة أو تيار بعينه، بل تتحول إلى حراك اجتماعي واسع يعكس حالة تآكل الثقة بين قطاعات كبيرة من المجتمع والنظام، مشيرًا إلى أن اتساع قاعدة المشاركين يمنحها زخمًا أكبر ويجعل احتواءها أكثر تعقيدًا.

وفي ما يتعلق بالبُعد الخارجي للأزمة، يؤكد العناني أن هذه الاحتجاجات تحظى بدعم معنوي وإعلامي من الولايات المتحدة الأمريكية، في إطار سياسة الضغط المستمرة على طهران، موضحًا أن واشنطن تسعى في النهاية إلى دفع إيران للجلوس إلى طاولة المفاوضات بشأن الملف النووي وفق شروط أمريكية، حتى وإن كانت لا تمانع مرحليًا في بقاء النظام، طالما يُبدي مرونة في هذا الملف.

ويبيّن أن إسرائيل، على النقيض، تنطلق من رؤية أكثر تشددًا، إذ لا تُخفي رغبتها في تغيير النظام الإيراني بشكل جذري، في حين تعتمد الولايات المتحدة مقاربة أكثر «براجماتية» تقوم على إحداث تغيير في سلوك النظام قبل التفكير في تغييره بالكامل.

ويتابع العناني أن المؤسسة الحاكمة في إيران، ممثلة في المرشد الأعلى والحرس الثوري والتيار المحافظ، ترفض مرارًا الضغوط الأمريكية للعودة إلى طاولة المفاوضات بشروط قاسية، معتبرًا أن هذا الرفض يُعد أحد الأسباب الرئيسية لاستمرار حالة التوتر الداخلي والخارجي التي تعيشها البلاد.

خبرة النظام

وحول إمكانية احتواء هذه الموجة من الاحتجاجات، يرى العناني أن النظام الإيراني يمتلك خبرة طويلة في التعامل مع مثل هذه الأزمات، ويستشهد بما حدث في احتجاجات 2009 التي اندلعت على خلفية اتهامات بتزوير الانتخابات، ثم احتجاجات 2018 ذات الطابع الاقتصادي والسياسي، وصولًا إلى احتجاجات 2023 ذات البعد السياسي الواضح، مؤكدًا أن النظام يتمكن في كل مرة من فرض السيطرة طالما يغيب التدخل الخارجي المباشر.

ورغم الطابع الاقتصادي للحراك الحالي، يشير إلى أن الشعارات السياسية تبدأ في الظهور تدريجيًا مع اتساع دائرة الغضب، خاصة مع تصاعد الدعوات المطالِبة بتغيير النظام، وتحركات شخصيات معارضة في الخارج مثل رضا بهلوي، الذي يسعى إلى استثمار حالة السخط الشعبي لإعادة طرح نفسه على المشهد السياسي الإيراني.

ويؤكد العناني أن انتقال الاحتجاجات من مربع المطالب الاقتصادية إلى سقف المطالب السياسية يمثل تطورًا بالغ الخطورة، لا سيما بعد حوادث الشغب، معتبرًا ذلك مؤشرًا على دخول الأزمة مرحلة أكثر تصعيدًا قد تهدد استقرار الداخل الإيراني إذا استمرت وتيرة الاحتجاج على هذا النحو.

وفي المقابل، يشدد على أن قدرة النظام على إخماد هذه الاحتجاجات لا تزال قائمة، شريطة ألا تتحول الأزمة إلى ملف تدخل خارجي مباشر، مؤكدًا أن أي تدخل أمريكي مباشر يغيّر قواعد اللعبة تمامًا ويدفع بالأوضاع إلى سيناريوهات أكثر تعقيدًا.

سياسة «حافة الهاوية»

وحول التهديدات الأمريكية الأخيرة وتصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن توجيه رد قاسٍ لطهران في حال تعرض المحتجون للأذى، يقول العناني إن هذه التصريحات تندرج في إطار سياسة «حافة الهاوية»، التي يعتمدها ترامب في إدارة الأزمات الدولية من خلال التصعيد اللفظي المكثف دون الذهاب بالضرورة إلى مواجهة عسكرية شاملة.

ويضيف أن الولايات المتحدة، رغم خطابها المتشدد، لا تميل إلى الدخول في حرب مباشرة مع قوى كبرى أو إقليمية وازنة، كما هو الحال مع الصين وروسيا، معتبرًا أن السيناريو نفسه ينطبق على إيران، حيث يبقى التدخل العسكري الأمريكي المباشر احتمالًا ضعيفًا، ولا يتحقق إلا في حالة واحدة، وهي إقدام إيران على توجيه ضربة استباقية لإسرائيل.

ويوضح أن أي مواجهة محتملة تظل في إطار ضربات متبادلة بين إسرائيل وإيران، مع تدخل أمريكي محدود، دون الانزلاق إلى حرب شاملة، مؤكدًا أن صانع القرار في طهران يدرك جيدًا حدود الدور الأمريكي، ويتعامل مع التهديدات بوصفها أداة ضغط أكثر منها مقدمة لحرب.

ويختم الدكتور أحمد العناني حديثه بالتأكيد على أن القيادة الإيرانية تسعى خلال المرحلة المقبلة إلى تحييد الولايات المتحدة الأمريكية عبر فتح قنوات تفاوض جديدة، قد تفضي إلى عودة محتملة لمسار الاتفاق النووي، ولكن بشروط أمريكية هذه المرة، مرجحًا أن تشهد المرحلة المقبلة تنازلات إيرانية محسوبة، في محاولة لاحتواء الضغوط الداخلية وتخفيف حدة الأزمة الاقتصادية، والحفاظ على تماسك النظام في مواجهة واحدة من أكثر المراحل تعقيدًا في تاريخه الحديث.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة